نشأه الشيخ وبدايته

يسطع فى كل زمان عالم وإمام يكون نجمًا يهتدى به الناس فى ظلمات معيشتهم، وما أكثرها فى تاريخنا، وكان الشيخ العز بن عبد السلام ذلك النجم فى زمانه.

ولد فى دمشق عام 577 هـ، لأسرة فقيرة لا سلطة لها ولا جاه؛ فعاش عيشه الفقراء منذ صغره، عمل فى إصلاح الطرق، وحمل المتاع، وغيرها من الأعمال الشاقة، واعتاد أبوه أن يصطحبه وقت كل صلاة إلى المسجد الأموى، وتعرف على أحد شيوخ المسجد، وهو أستاذه فيما بعد «الشيخ  فخر بن عساكر» فقية المذهب الشافعى فى الشام – المذهب الشائع بين الناس فى ذلك العصر – وظل يتردد الصبي على المسجد الأموى، حتى توفى أبوه، فحزن لحاله الشيخ «ابن عساكر»، فعينه فى المسجد؛ يساعد فى نظافته، ويبيت فيه ليلًا، ظهر حينها حبه لسماع الشيوخ وحلقات العلم بالمسجد، ولكن كيف لصبى بهذه الملابس الرثه لا يعرف القراءة والكتابة، ولا يحفظ القرآن أن يلتحق بحلقه علم، ويكون من طلبة أحد شيوخ أكبر مدرسة علم فى الشام فى ذلك الوقت: «المسجد الأموى».

نصحه الشيخ ابن عساكر أن يتفرغ لتعلم القراءة والكتابة أولًا، وحفظ القرآن وتجويده، وبعدها يمكنه الالتحاق بحلقة بن عساكر؛ مقابل أن يتكفل الشيخ بنفقات الصبي، وقد كان، والتحق الشيخ الصغير بمعلمه، وبدأ رحلته مع العلم، انتهى العز بن عبد السلام متأخرًا من الدراسه والتعلم، وعين فى أول عمل له كمدرس فى مدرسه العزيزية بدمشق عام 631 هـ – 54 سنه – يدرس العلوم الشرعية للأطفال وتنقل بين المدارس، حتى أصبح مدرسًا للمذهب الشافعى، وبدأ يَسطع نجمه ويُجذب إليه العديد من الطلاب.

حياة الشيخ فى الشام

كان الملك الكامل سلطان مصر محبًا للعلم ومجالسه الشيوخ، حتى بعدما أصبح سلطان مصر يجلس فى حلقات الشيوخ ويتعلم منهم، وقد أصلح الكثير من أحوال التعليم والقضاء حينها، وفتح المدارس وعين قضاة من المذاهب الأربعه، عكس ما كان عمه صلاح الدين يفعل حيث كان متعصبًا للمذهب الشافعى، ويُضيق على شيوخ باقى المذاهب، فأثنى الشيخ ابن عبد السلام على فعله، وأرسل إلى الملك الكامل خطاب شكر، وصار بين السلطان والشيخ علاقة ود من حينها، كما ظل السلطان يوصى الملك الأشرف حاكم الشام بالشيخ العز خيرًا.

فى الشام لم يكن مُرحب بالشيخ من قبل شيوخ وحاشية الملك وبعض شيوخ المسجد الأموى، وقد وصفهم فى مجالسه مرارًا بمنافقين الملك، وألا يتبعهم الناس، حتى لا يفسد دينهم، فنبتت الكراهية بينهم وبين الشيخ العز، حتى أوقعوا بينه وبين الملك الأشرف حين سألوه عن فتوى خلافية حينها «هل القرآن حرف وصوت؟»، وحين علم الملك بفتواه المخالفة للتيار، أمر بأن يلزم الشيخ العز بيته، لا يفتى، ولا يجتمع بأحد، لكن لم يُقصر ناصرو الحق من العلماء؛ فناصره اثنان من أكبر علماء الشام: الشيخ «عمرو بن الحاجب» شيخ المالكية، والشيخ «جمال الدين الخضيري» شيخ الحنيفية، وكان الأخير يحترمه الملك، ويُجله ويمتثل لرأيه، فذهبا لقصر الملك وحكما بينه وبين الشيخ بن عبد السلام، وأن الشيخ على حق، فرضى الملك بحكمهما، وعاد الشيخ لحلقته بعد إعتزاله فى منزله لثلاثة أيام، بل عين خطيبًا للمسجد الأموى، وظلت علاقته طيبة بالملك، حتى مرض الأشرف وتوفاه الله، فأتى للحكم ولى عهده «الصالح إسماعيل»، وانقلبت الأمور بعدها.

كان غير الصالح إسماعيل على عكس سابقه؛ فقد كان قليل العلم، ومُحبًا للجوارى والتحف الفاخرة؛ فأغدق عليه الصليبيون بتلك الهدايا؛ فكسبوا رضاه، ونشأت بينهم علاقة صداقة، غرق الملك فى ملذاته؛ ففسد حال البلاد والعباد وضعف مُلكه، فانتبه لذلك الملك «الكامل»، وأن الشام هى خط دفاعه الأول ضد الصليبيين والتتار، فأرسل جيشه للشام، وأصلح أمرها فرفع الضرائب عن الناس، وعين قاضى قضاة جديدًا للشام، هو الشيخ العز بن عبد السلام، وظل الشيخ قاضى القضاة والمفتى والخطيب فى دمشق، حتى توفى الملك الكامل؛ فعزله الصالح إسماعيل على الفور.

اضطربت الأمور فى مصر بعد موت الملك الكامل حينًا حتى استقرت للسلطان الجديد الصالح أيوب، فأرسل إلى الصالح إسماعيل بأن يجهز جيشه لمواجهة الصليبيين، وقد اشتد خطرهم، وللأسف الملك غير الصالح فعل عكس ذلك تمامًا، فلم يعجبه أن يأمره منافسه، فلم يهتم لطلبه، وتحالف مع الصليبيين، فقد فتح لهم أسواق دمشق لشراء السلاح والبضائع، بل تنازل للصليبيين عن بضع مدن، مقابل أن يعينوه بجيشهم على مواجهه الصالح أيوب، بعدما أخرج إليه الملك أيوب حمله لضم الشام لمصر.

فى حينها أعلن الشيخ العز بن عبد السلام وابن الحاجب فتواهم فى تحريم بيع الأسلحه للصليبيين فى دمشق، تلتها فتوى بخيانه الملك إسماعيل، وعدم وجوب طاعته، فما كان للملك إلا أن سجنهم؛ فثار الناس وتجمهروا حول سجنهما؛ فأمر جنوده بالإفراج عنهم، ولكن أقالهم من جميع مناصبهم، وألزم الشيخ بيته، لم يطق العز على العيش فى هذه البلد أكثر من ذلك، أرسل للملك بأن يسمح له بمغادرة دمشق، ومن حسن تدبير الله وافق الملك.

الشيخ فى مصر

وصلت سيرة الشيخ العز مصر قبل أن يصل، وعرفه أهلها بالشيخ الذى تحدى الملوك الأيوبيين، ولم يكف عنهم، حظى باستقبال خاص، احتشد الأعيان والعلماء والعامة لاستقباله، وقادوه إلى منزل كبير بحديقة واسعة، وقال له السلطان الصالح أيوب «هذه هى دارك يا شيخ عز الدين، وهى ليست من مالى ولا من بيت المال، ولكن أهل مصر اشتروها لك، نفعهم الله بك»، عين السلطان الشيخ العز بن عبد السلام إمامًا وخطيبًا لمسجد عمرو بن الخاص، وكان أكبر مساجد القاهرة بديلًا عن الأزهر الشيعي فى هذا الوقت، كما عُين بعدها مفتيًا لمصر وقاضى للقضاة، لكن كعاده الشيخ أينما وجد، لا يخاف من سلطان، ولا يسكت عن ظلم؛ فعادت إليه المتاعب مرة أخرى.

الشيخ قاضى القضاة

لاحظ الشيخ العز أن أمراء مصر أغلبهم من المماليك – أى من العبيد – فأصبح يطبق عليهم ما يسرى فى أحوال العبيد كعدم جواز زواجهم من نساء حرائر، بل يتزوجوا فقط من الجوارى، ولا يحق لهم التجارة؛ فأبطل عقود البيع والشراء خاصتهم، غضب لذلك الأمراء جميعهم، وعلى رأسهم نائب السلطان؛ فاجتمعوا إليه.

ربما لم يتوقعوا رد الشيخ العز أو لم يكونوا يعرفونه جيدًا، فقد قال لهم الشيخ رأيه ببساطة «نعقد لكم مجلسًا وننادى عليهم بالبيع لبيت مال المسلمين»، زاد غضبهم، ولم يستطيعوا أن يغيروا من رأيه شيئًا، أرسلوا للسلطان أيوب بشكواهم؛ لعله ينجدهم، فأرسل السلطان للشيخ بأن يُهون من الأمر، ولا يعقد الأمور – باللفظ العامى «يفوتها المرة دى» – لم يوافق الشيخ العز، فأرسل إليه السلطان أيوب مرة أخرى، ولكن هذه المرة بطريقة أكثر وضوحًا بأن السلطان لن يسمح ببيع الأمراء، وأن يمتثل قاضى القضاة العز بن عبد السلام لأمره كسلطان للبلاد، لم يرض الشيخ العز أن يتدخل أحد فى عمله، حتى وإن كان السلطان، فركب حماره وعزم على مغادرة مصر، سأله أحد المارة إلى أين يا شيخ؟ قال له الشيخ: ألم تكن أرض الله واسعه فتهاجروا إليها؟ انتشر خبر هجرة الشيخ كما انتشر أيضًا السخط على السلطان والأمراء وصار الناس يتبعون الشيخ فى طريقه خارج القاهرة؛ يطالبونه بالرجوع، حتى وصل الأمر للسلطان، ونصحه أحد حاشيته «تدارك ملكك وإلا ذهب بذهاب الشيخ»، فلحق السلطان بالشيخ فى طريقه وعاد به إلى القاهره على أن يفعل ما يريد، جمع السلطان أيوب الأمراء بأمر من الشيخ العز وعرضهم فى مزاد على الناس، واشترى السلطان من ماله الخاص جميع الأمراء، وأعتقهم لوجه الله، فهدأت الأمور واستقرت.

ختامًا

ظل الشيخ عز الدين يناطح الظلم ويحاربه حتى توفى عام 660 هـ عن عمر 83 عام، لم يكتم فيهم حقًا عرفه، ولا كف عن ظالم أبدًا، تمتلئ سيرة الشيخ العز بن عبد السلام بقصص ومواقف محاربته للظلم وللظالمين، ولكن اكتفيت بقصتين فقط؛ لأجيب عن سؤالى لنفسى: هل الشيخ العز بن عبد السلام رجل شجاع أم نحن الجبناء؟ ولم أحتج كثيرًا لأجيب «نحن فقط جبناء» لا نستطيع أن نفعل ما فعله، ولا نتحمل ما تحمله، لا يسعنا إلا أن نخجل حين نقرأ سيرته وندعو له ولأنفسنا بالرحمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب أئمه الفقه التسعه – عبدالرحمن الشرقاوى
كتاب سلطان العلماء وبائع الأمراء – د.على الصلابى
كتاب العز بن عبد السلام – محمد الزحيلى
عرض التعليقات
تحميل المزيد