عنوان المقال ذم للشيخ كشك، وليس مدحاً له؛ فهل يعقل أن يكون الشيخ كشك عميلًا لأمن الدولة؟ وهل يعقل أن يكون الشيخ الذي قد اعتقل عدة مرات عميلًا لأمن الدولة؟ وهل يصدق أحد أن الشيخ الذي صدع بالحق منذ بداية خطبه ودروسه في الستينات في عصر عبد الناصر حتى اعتقاله في الخميس 4 سبتمبر (أيلول) 1981 عميلًا لأمن الدولة؟!

ولكن منْ الذي قال بأن الشيخ كشك عميل لأمن الدولة؟

إنه الصحافي محمد الباز في جريدة الدستور في مقال له بعنوان: هل كان الشيخ كشك عميلا لأمن الدولة؟[1]

واعتمد الباز على أن الشيخ كشك كان يهاجم الكاتب محمد حسنين هيكل لصالح نظام السادات، ومادة الهجوم تحتوي على معلومات دقيقة عن ثروة هيكل الضخمة؛ واعتمد الباز على أن هذه المعلومات لا تصل للشيخ كشك بسهولة إلا عن طريق أحد أفراد لجهاز أمن الدولة؛ ومعنى هذا أن الشيخ كشك كان عميلًا لأمن الدولة؟

والشيخ كشك -رحمه الله- كان يستقي المعلومات والأخبار التي يعلق عليها في خطبه من المحيطين به؛ فلماذا لا يكون أحدهم قد أخبر الشيخ بمعلومات دقيقة عن تضخم ثروات الكاتب الراحل؟

وإذا كان الشيخ عميلًا لأمن الدولة؛ فلماذا تعرض لهجوم شرس وتحقيق أشرس في عصر السادات كله؟ لقد كانوا يحققون معه يوم الثلاثاء بعد كل خطبة جمعة وأحيانًا الأربعاء!

وإذا كان الشيخ عميلًا لأمن الدولة؛ فلماذا مُنع من الخطابة في آخر عصر السادات ولم يعد إليها حتى توفاه الله في 6 ديسمبر (كانون الأول) 1996؟

لقد عاد الشيخ أحمد المحلاوي للخطابة في عام 1985 حتى مُنع بعد عدة سنوات، وعاد الشيخ عبد الرشيد صقر -رحمه الله- في ذات العام حتى منع من مسجده بالمنيل بعد عدة سنوات أيضا، وعادت كلمة الحق تصدع من مسجد النور بالعباسية في ذات العام حتى أُمم بعد ستة شهور تقريبًا، ومع ذلك فالوحيد الذي لم يعد إلى منبره هو الشيخ عبد الحميد كشك!

فلماذا لم يعد الشيخ لمنبره ويمده جهاز أمن الدولة بمعلومات ليهاجم أعداء مبارك ونظامه؟!

وهل الشيخ كشك كان يعمل لصالح نظام يحكم؟ وإذا كانت الإجابة بنعم؛ فلماذا اعتقلوه وعذبوه؟!

لقد كنت أزور الشيخ كشك في بيته في آخر ثلاثة أشهر من حياته الشريفة. ولقد أخبرني الشيخ -رحمه الله- بأنه كان يجد في الزنزانة في الستينات أنفاس كلب أمام وجهه! وهذه الكلاب تحدث عنها الكاتب الكبير مصطفى أمين في كتابه (سنة ثالثة سجن)، وأخبر بأنها كانت كلاب تقترب أحجامها من حجم الحصان وكانت معدة للشراسة ونهش أجساد المعتقلين!

ولقد أخبرني الشيخ كشك بأنه مُنعت عنه أدواته الخاصة مثل بطانية نظيفة يتغطى بها بدلًا عن بطانية السجن القذرة بعد اعتقاله في آخر عصر السادات.

وأخبرني الشيخ كشك أيضًا بأن جهاز أمن الدولة في منتصف الثمانينيات أرسل له بأن يأتي لهم. ولما ذهب إليهم، ظل ثلاث ساعات منتظرًا وكان البرد شديدًا، ولما دخل عليهم أخبروه بأنه سوف يعود للخطابة، ولكن بشروط ثلاثة وهي أن يخطب في مسجد به ضريح، ويخطب في كل جمعة في مسجد غير الذي خطب فيه في الجمعة السابقة؛ (يعني لن يخطب في مسجد ثابت)، والشرط الثالث أنه لن يعرف اسم المسجد الذي يخطب فيه إلا قبيل صلاة الجمعة بوقت قليل!

فرد عليهم الشيخ كشك بسرعة بديهيته قائلًا لقد طلب أحد المدرسين من تلاميذه بحل هذه المعادلة: قطار عدد عرباته 13 عربة وفي كل عربه 30 راكبا، فمتى يصل القطار إلى طنطا؟

فقالوا له أنت تعطينا فزورة؟ فقال لهم بأن هذه المعادلة ليس لها حل مثل شروطكم والتي لن أقبل بها ولن يقبل بها أي خطيب.

فإذا كان الشيخ كشك يتعامل مع أمن الدولة؟ فلماذا منعوه من عودته لمنبره؟ وما علاقة جهاز أمن الدولة بالمساجد أصلًا؟ المفروض أن المساجد تتبع وزارة الأوقاف. ولكننا لن نتعجب لأن جهاز أمن الدولة أيام مبارك كان يتغلغل في كل مؤسسات الدولة. وطبعًا عاد جهاز الأمن الوطني بعد انقلاب السيسي إلى مهامه السابقة بأشد شراسة.

وهل يوجد شيوخ عملاء لأمن الدولة؟

الإجابة بنعم، فللأسف يوجد شيوخ محسوبون على السلفية وهم عبارة عن عملاء لجهاز أمن الدولة، بل يوجد شيوخ من (الدعاة الجدد) والذي طفحوا على السطح فجأة ولم نعرف سر شهرتهم تلك إلا بعد ثورة يناير 2011 وانقلاب السيسي في 2013.

ويوجد إعلاميون مشهورون وليسوا بإعلاميين أصلًا وسر شهرتهم هو عمالتهم لأمن الدولة أو أحد أجهزة المخابرات!

حتى محمد الباز صاحب المقال الذي هاجم فيه الشيخ كشك لم أقرأ عنه سوى أنه (صحافي مخبر)!

أما الشيخ كشك فقد كان يصدع بكلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان زاهدا في الدنيا حيث عرض عليه بأن يحاضر ويخطب في دولة الكويت ولكنه رفض، وعاش شريفًا ومات موتة شريفة وهو ساجد بين يدي الله.


[1] https://www.dostor.org/2190066

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد