في المقالة السابقة، تعرفنا على خُطى الشاب الأزهري الأولى في مدرسته ومعهده، وعلاقته المبكرة بثورة يناير، وبدء توهجه الإعلامي، منذ بداية الثورة، وحتى مرحلة وصول «الإخوان المسلمين» للسلطة في البلاد، ثم قيامه بتغيير تكتيكه بالهجوم على أحزاب الإسلام السياسي، عندما عجز أن يجد لنفسه مقعدًا بين أنصارها ودعاتها.

الشيخ «محمد» سرعان ما وجد نفسه يصارع الأمواج الهائلة المتلاطمة، ليست تلك الأمواج التي تعاكسه فكريًا بدفاعها عن التيار الديني – كما قد يتبادر إلى الذهن – بل إن معارضيه ومنافسيه الرئيسين كانوا من أعداء الإخوان، الذين تسابقوا إلى التشنيع عليهم، ومهاجمتهم وانتهاز كل فرصة مواتية لضربهم، والتنديد بسياساتهم وتصرفاتهم.

وجد محمد نفسه يصارع كل هؤلاء، على اختلاف توجهاتهم، ومبادئهم، ومعتقداتهم، فعرف بفطنته، وذكائه الفطري، أن طرق معارضة الإخوان التقليدية، لن تجدي، ولن تنفع، ولن تمكنه من الاحتفاظ بمكانته الإعلامية المتميزة، التي استطاع أن يصل إليها في الفترة الماضية.

اختار محمد أن يصطنع لنفسه خطًا متفردًا يكون هو مؤسسه، ومنظره الأول، ولهذا عمل الشيخ الشاب على الاستفادة من زيه الأزهري، وعلى أفكاره المتحررة، البعيدة عن التقليد والنمطية، واستغل موجة الهجوم على التيارات الإسلامية، والدعوات المتصاعدة من التيارات العلمانية والليبرالية، التي تطالب بتجديد الخطاب الديني، ونقد التراث الإسلامي وتصحيحه.

اندفع الشيخ في مهاجمته للإخوان والسلفيين، فخرج على جميع المنابر الإعلامية؛ يندد بهم، ويشنع عليهم، ويعترض على جميع القرارات، التي نُسبت إليهم، بدايةً من مناقشة مجلس الشعب – ذي الأغلبية الإخوانية السلفية – لمسألة «مضاجعة الوداع»، وحتى قرار وزير الثقافة الإخواني بإلغاء «الباليه».

كما أعلن الشيخ الشاب عن مساندته لإحدى الفنانات التي هاجمها أحد الشيوخ المحسوبين فكريًا –وليس تنظيميًا – على جماعات الإسلام السياسي، فأعلن أن الإسلام يحترم الفن، ويحترم الفنانين، وأن التمثيل له قيمة هادفة، ورسالة نبيلة، وأن المشكلة ليست في الفنانة – تلك التي اشتهرت بأداء أدوار العري والابتذال – وإنما المشكلة في الشيوخ الذين يتمسحون في الدين الإسلامي الحنيف، وهو منهم براء.

وكعادته رجع إلى الميدان مرة أخرى، واستغل الدين في السياسةأ بشكل واضح وصريح، وذلك عندما جعل من خطبة الجمعة، التي يلقيها على الثوار المعترضين على الإخوان، منبرًا يشن منه الهجوم على مخالفيه، ولم يأبه لكون الحضور في تلك الخطبة كانوا من الرجال والنساء المختلطين ببعضهم البعض، في مشهد غريب، وجديد، لم تشهده ـ من قبل ـ خطب الجمعة، على مدار التاريخ الإسلامي الطويل، ولم يشغله أن يصفق له المصلون؛ لتأييده، ودعمه، في حماس منقطع النظير أثناء الخطبة، غاضًا الطرف عن الأحاديث والأحكام الدينية، التي تؤكد أنه لا يجوز الحديث أثناء الخطبة، وأنه لو حدث ذلك فإن الصلاة باطلة.

وتماشياً مع منهجه، أطلق لسانه في علماء الإسلام المعتبرين على مر القرون والحقب التاريخية، فالبخاري عنده مبتدع كذاب، ليس لصحيحه وزن، ولا قيمة، ولا اعتبار، وتمتلئ كتبه بالأكاذيب، والترهات، والخرافات، التي يجب التخلص منها، وإنكارها.

و«ابن تيمية» جاهل لا يعرف شيئًا عن أحكام الدين ومقاصده. أما «محمد بن عبد الوهاب» فهو عنده مبدأ الشرور، ومصدر التخلف، والرجعية، والانحطاط.

وبجهوده وجهود غيره من أعداء التيار الإسلامي سقط حكم الإخوان المسلمين، وبدأ محمد يبحث لنفسه عن مكان في النظام السياسي الجديد الذي حل محلهم، ولكنه وجد نفسه في مواجهة مع شيوخه من علماء الأزهر الرسميين المقدمين، أولئك الذين، وإن كانوا قد انقلبوا على الإخوان، فإنهم قد جعلوا من أنفسهم سلطة كهنوتية علوية، ولا يريدون أن يفقدوا نفوذهم، ولا مكانتهم بين رعاياهم، وقواعدهم، لصالح غيرهم من الوجوه الشابة، التي ظهرت على الساحة الإعلامية، بعد الثورة.

عندها حدث الصدام بين حلفاء الأمس القريب، فأصبحوا أعداء متصارعين متشاكسين، والحقيقة أن ذلك الصدام كان بين رموز مرحلتين زمنيتين متمايزتين، المرحلة الأولى، وهي مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011، وتمثلت تلك المرحلة في التيار الذي أطلق على نفسه لقب تيار «الإصلاح والتجديد»، والذي يمثله الشيخ محمد، مع «إسلام بحيري» و«فاطمة ناعوت» و«سيد القمني» و«محمد عبده ماهر»، وغيرهم.

أما المرحلة الثانية، فكانت مرحلة ما قبل الثورة، وتمثلت في التيار المؤسسي الديني الرسمي، ومن تابعه من الشيوخ والدعاة من نجوم الفضائيات، من أمثال «خالد الجندي» و«مظهر شاهين»، وأمثالهما.

واستطاع الفريق الثاني بسرعة أن يسقط أهم أركان الفريق الأول، بعد أن تمت ملاحقة إسلام بحيري قضائيًا، فتمت محاكمته وحبسه، ثم جاء الدور على فاطمة ناعوت، فتم إصدار حكم بحبسها،

ثم جاء الدور الآن علي العضو الثالث ممن يصفون أنفسهم بالتنويريين.

وعلى شاشات الفضائيات ظهر محمد؛ وهو يدافع مستميتًا عن مكانته، التي وصل إليها، بعد طول جهد، وانبري له أمثاله من الأزهريين، ممن تمسكوا بالطريق التقليدي القديم، وظهر بوضوح أن الطرف الثاني هو الأقوى، والأكثر تأثيرًا في نفوس الشعب، كما أنه الأقرب من دوائر صنع القرار، فتم تسريب بعض الصور والأخبار التي تنتقص من مكانة الشيخ الشاب، وتحط من قيمته، ومنها صوره وهو يتناول الطعام في المعبد اليهودي بالقاهرة.

وأخبار سفره إلى إيران لحضور بعض اللقاءات والاجتماعات؛ بدعوي التقريب بين المذاهب.

كما تم التركيز على بعض الفتاوى والآراء السابقة له، والتي ترى حرية الممارسة الجنسية بين الرجل والمرأة خارج نطاق رابطة الزواج الشرعي.

كما أثار بعض الإعلاميين آرائه الشاذة الغريبة عن كون الراقصات أفضل من المنتقبات.

كل تلك الآراء والملابسات ظهرت عن عمد في الوسط الإعلامي في الفترة القصيرة الماضية،

بل إن المنابر الإعلامية التي لطالما اعتاد الشيخ محمد على الظهور فيها، واستخدامها؛ لمهاجمة تيارات الإسلام السياسي، منذ فترة ليست بالبعيدة، قد قلبت له ظهر المجن، وعاملته بازدراء، وتحقير ظاهر،

فقام أحد الإعلاميين بطرده على الهواء في سابقة هي الأولى من نوعها معه.

وقام آخر بمعاملته بلا مبالاة، وتركه ليخرج من الاستديو، دون أن يتمسك به أو يحاول تهدئته، كما كان يفعل معه من قبل.

أما آخر ما حدث مع محمد، فكان عندما استضافه أحد الإعلاميين الجدد، من معدومي الصيت والشهرة، وقام بتسليمه لأحد شيوخ الأزهر من سليطي اللسان، حيث تم سب محمد، والنيل منه، والتعريض به أمام المشاهدين، وتم تهديده، بشكل مباشر، وصريح.

وفي محاولة لاستجلاب عطف المشاهدين، كعادته رسم الشيخ الشاب على وجهه أمارات التواضع والتقوى والتسامح، ثم أعلن عن انسحابه من الحلقة، وبعد أن لملم أوراقه المبعثرة المليئة بالآراء الشاذة والغريبة والتافهة، انصرف محمد من أمام الكاميرات، وخرج من إطارها، فإذا به يجد أمامه شاكوشًا فقام بالإمساك به، وشهره عاليًا مهددًا به الشيخ الأزهري، الذي كان يحاوره قبل قليل.

محمد الذي ظن أنه بعيد عن نطاق الكاميرات لم ينتبه إلى أن هناك كاميرا أخرى كانت تصوره، وهو يحمل الشاكوش، ولذلك فإنه خلع القناع الإعلامي الزائف، الذي اعتاد أن يرتديه، ويغطي به وجهه، فظهر على حقيقته، وكشف عن وجهه الحقيقي.

فهل يبقى الشيخ الأزهري الشاب على مكانته، أم أن الشاكوش الذي رفعه قد يصبح سببًا في إنهاء حضوره الإعلامي، بشكل نهائي، فيُلحقه بمن سبقه من رموز أدعياء التنوير والثقافة، وراء القضبان؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد