بدأ الشيخ مصطفى تلاوة القرآن الكريم وهو في سن مبكّرة؛ حيث لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره،  وأول تسجيل خارجي له في الإذاعة كان في الأربعينيات، والمتاح لنا من التسجيلات المتقدمة من عمر الشيخ تسجيلات من الأربعينيات، وظل الشيخ – رحمه الله – يتلو القرآن حتى وفاته عام 1978.

 

أسلوب تلاوة الشيخ مصطفى بدأ ينضج من الأربعينيات حتى وفاته، وبالتالي تلاواته في الأربعينيات تختلف عن الخمسينيات وهكذا حتى وفاته، أيضًا كان له أسلوب في التلاوات الخارجية يختلف عنه عن تسجيلات الأستوديو والاحتفالات الدينية القصيرة.

سنستمع معًا إلى تلاوة في قمة نضج الشيخ مصطفى إسماعيل، وهي تلاوة نادرة من أواخر سورة الحجر والرحمن والبروج والحاقة، من الإسكندرية عام 1971م.

التلاوة مدتها ساعة و 15 دقيقة، لن نتطرق إلى تحليل للمقامات في هذه التلاوة، ولكن سنتطرق إلى تحليل لأسلوب تلاوة الشيخ مصطفى في تلاواته الخارجية في احتفالات العزاء والاحتفالاتالخارجية التي كان يحضر فيها المستمعون مع بعض التوضيح البسيط للطريقة المتفردة للشيخ مصطفى في التلاوة.

 

مع البداية
الاستعاذة والبسملة بصوت منخفض للغاية متحشرج
يبدأ من قوله تعالى:
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر:85)

يستمر الشيخ مع الصوت المنخفض والحشرجة مدة 5 دقائق حتى يرتفع صوته تدريجيًّامع نهاية الدقيقة الخامسة، ولكنه يستمر مع هذا الأسلوب الرتيب حتى يكاد يصيبك بالملل، وبالتأكيد ستقول لنفسك ما سر الاهتمام بقارئ صوته متحشرج ومنخفض مثل هذا (الصوت المنخفض يسمى قرار).

إذا اخترت إكمال الاستماع سيتغير رأيك بالتأكيد ولكن بعد مرور 11 دقيقة مع أول الغيث وهي ارتفاع صوت الشيخ وما يسمى بالجواب (الجواب هو الصوت المرتفع).

أول جواب
ومع أول جواب في هذه التلاوة في الدقيقة 12 و 30 ثانية  “ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم”ويعيدها الشيخ 5 مرات. ولكن إن دققت الاستماع ستجد أن كل مرة تختلف في اللحن عن المرة التي تسبقها؛ أي أنه يعيدها 5 مرات بـ 5 طرق مختلفة، وهذه إحدى مميزات أسلوب الشيخ مصطفى إسماعيل في التلاوة والتي لم يسبقه قارئ فيها، وهو أنه يعيد تلاوة الآية أكثر من مرة ويعيدها في كل مرة بمقام أو بنغمة مختلفة، وتعطي كل نغمة معنى مختلف عن المعنى الذي يسبقه.

تستمر التلاوة ويصل إلى قوله تعالى: “لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم ولا تحزن عليهم” ويعيدها بنغمات مختلفة أيضًا. يعود الشيخ مصطفى إلى القرار والصوت المنخفض مرة أخرى
حتى بداية الدقيقة 22 من التلاوة، مع قوله تعالى: “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون”، ومع بداية الجوابات الطويلة في هذه التلاوة.

سمة أخرى مميزة لقراءة الشيخ مصطفى

الدقيقة 24 و 15 ثانية من هذه التلاوة، وهي انخفاض الصوت في منتصف الجواب ويرتفع مرة أخرى مع نهاية الجواب وهي تحتاج إلى حنجرة خاصة، ينخفض صوته في قوله تعالى “واعبد| ويعاود الارتفاع في قوله “ربك” في حرف الباء. في هذا الجواب أيضًا سمة أخرى، وهي الالتفات أو التحول من مقام لآخر في النفس نفسه،والجواب نفسه.

تظهر هاتان السمتان جليًّا في الجواب الذي يليه من بداية الدقيقة 26، يبدأ مرتفعًا ثم ينخفض إلى القرار في قوله تعالى “يقولون” ثم يعاود الارتفاع مرة أخرى في قوله تعالى “الساجدين”، ويختتم الآية بمقام مختلف في قوله تعالى “اليقين”، الالتفات في قوله تعالىيُظهر المعنىوكأنه يريد أن يوصل للمستمع أن اليقين هو ما يجب أن يصل إليه سيدنا النبي؛ ولذلك يتلو كلمة “اليقين” بطريقة مختلفة عن باقي الآية.

ينخفض الصوت في قوله تعالى “إلى الله” ويعاود الارتفاع مرة أخرى حتى نهاية الجواب، النزول إلى القرار من جواب الجواب والعودة أخرى إلى الجواب أمر في منتهى الصعوبة، وهي من سمات الشيخ مصطفى إسماعيل، وكان يأتي به بمنتهى السهولة.

مثال آخر للالتفات والتحويل من مقام لآخر من تلاوات الشيخ مصطفى في قوله تعالى:

 

 

“قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما” الكلام هنا على لسان ابنتي شعيب، أما قوله تعالى فسقى لهما فهي جملة خبرية عما حدث، ففي الآية التفات من الجملة الإنشائية إلى الجملة الخبرية حين يتلو الشيخ مصطفى هذه الآية يلتفت أيضًا بالمقامات، أو بنغمة التلاوة حتى يصل المعنى إلى المستمع، الالتفات من السيكا إلى النهاوند في فسقى لهما.

نعود مرة أخرى إلى التلاوة الكريمة
يكرر القارئ الكريم قوله تعالى “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين” وفي الدقيقة 32 والثانية 40 يعيدها بمقام العجم، وهو من المقامات الغربية التي أدخلها الشيخ مصطفى في تلاواته، لأنه كان يسافر إلى الدول الغربية فيقرب لهم القرآن بالنغمات التي تعودوا على سماعها.

ويبدأ الشيخ مصطفى في سورة الرحمن ويعيد بداية السورة أكثر من مرة بأكثر من نغمة، ويتوقف مع كل مقام ويعيد به الآية أكثر من مرة. المقام هنا ليس لتحليل المقامات، ولكن لتحليل أسلوب تلاوة الشيخ مصطفى، ولكن ذكرنا أن الشيخ مصطفى كان يعيد الآية أكثر من مرة ولكن بنغمة ومقام مختلف؛ لأن كل مقام يوصل معنى مختلف، فالأسلوب هنا هو تكرار الآية بنغمات مختلفة لتصل معاني مختلفة للآية الواحدة (وصلنا الآن إلى الدقيقة 50).

استراحة التلاوة
سنلاحظ أن متوسط مدة تلاوة الشيخ مصطفى طويل يصل لأكثر من ساعة، ليصل إلى هذه المدة الطويلة دون تعب يحتاج إلى شيئين:

 

أولا: تسخين الحنجرة جيدًا وهو مايفعله لمدة 10 دقائق أو أكثر في بداية التلاوة.

 

ثانيًا: يستريح في منتصف التلاوة ويرجع إلى القرار لمدة 5 دقائق تقريبًا ويعاود تلاوة الجوابات مرة أخرى.

 

وهي من مميزات الشيخ مصطفى التلاوات الطويلة، وبذلك استطاع الشيخ مصطفى الحفاظ على صوته،حيث استمر في التلاوة حتى توفاه الله بخلاف غيره من القراء المعاصرين له والسابقين.

أترك لكم الاستمتاع منفردين بباقي التلاوة

ملخص
تلاوات الشيخ مصطفى الخارجية الطويلة لها سمات مميزة:

أولاً: مدة التلاوة تصل إلى ساعة وربع وساعة ونصف دون تعب.

 

ثانيًا: بداية التلاوة بالقرار بمقام البياتي طويلة لمدة 10 دقائق حتى يجهز الحنجرة للجوابات وجوابات الجوابات.

 

ثالثًا: أول جواب يكون مميز للشيخ مصطفى لأنه ينقلك من فترة الإعداد إلى صلب التلاوة.

رابعًا: الشيخ مصطفى أدخل بعض الأساليب في التلاوة لم تكن موجودة قبله: منها أنه يأتي بالمقام من أوله لآخره بالدرجةنفسها، وهو ما سنوضحه لاحقًا، ومنها الالتفات بالمقامات لتوضيح المعنى، ومنها النزول بالقرار ثم العودة إلى الجواب في النفس نفسه، ومنها إدخال مقامات غربية مثل العجم والنهاوند في التلاوة، ومنها أنه يأتي بالحجاز بدرجته الصحيحة العالية من بداية النفس إلى نهايته، على عكس غيره.

خامسًا: كان الشيخ مصطفى يريح صوته بالنزول إلى القرار في منتصف التلاوة ليستطيع إكمال التلاوة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد