ذات يوم سمعت شيخ دين يشرح حديث النبي المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه حديث «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب الرجل الحازم من إحداكن» واستمر هذا الشيخ في شرحه لألفاظ الحديث، ومعناه، ومقتضاه حتى وصل لمقطع ذهلت من تفسيره له! يقول هذا الشيخ وهو يتحدث بكل حماس أمام جموع الناس المنصتين له بخشوع وقد تزاحموا حوله إلى حد لا تجد لك موطئ قدم في مجلس علمه، وقد ترسخت معاني شرحه في عقولهم قبل حضورهم ندوته الجماهيرية يقول ذاك الشيخ رئيس الإفتاء في بلدته: «إن نقصان عقل المرأة يقصد به هنا أنها بنصف عقل أي قريبة لمرحلة الجنون» كيف لدين سماوي يقول ذلك؟! وكيف يصادمنا الله مع ما فطرنا عليه؟!

ألم تكن خديجة بنت خويلد ناصحة ومعينة لزوجها ونبيها المرسل في بداية دعوته السماوية؟ ألم تؤمن به وقد كفر به الناس؟ ألم تصدقه وقد كذبه الناس؟ ألم تعِنه وتنصره بمالها وقد تخلى عنه قومه؟ كيف يزدريها ديننا الحنيف وهي من فعلت ما لم يفعله الرجال. كيف يقول ذلك؟!
وهذه عائشة أم المؤمنين ألم تروِ أحاديث النبي كيف يقبلون منها الرواية وهي كما يقول إن المرأة ناقصة عقل، وهذه نصوص الدين جاءت في جلها مخاطبة الناس بلا تفريق بين الرجال والنساء، إلا في التعاليم التي تخص الرجال خاصة أو النساء خاصة، فكيف يساوي بينهم الدين في معظم النصوص بل وكيف يحاسبهن الدين وهن مثل ما قال ذلك الشيخ.
ويا ترى هل يقصد شيخ الحديث أن أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، وصاحبة أطول خدمة في الاتحاد الأوروبي كرئيسة حكومة أنها بنصف عقل، أم أن هيلاري كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة التي ترامى على أعتابها حكام العرب هي الأخرى ناقصة عقل، أم أنه يقصد أن مارجريت تاتشر، وكريستين لاغارد، وسميرة موسى، وماري كوري أنهن بأنصاف عقول.
حاشا لله أن يكون هذا دين الإسلام، وحاشا لله أن يكون هذا كلام الله الموحى إلى نبيه محمد، فما هذا إلا تقوُّل على الدين، وتحميله ما ليس فيه، وإن الدين منه براء فمن اطلع على شرح الشيخ ابن باز رحمه الله لهذا الحديث؛ يعي بأن المقصود بنقصان عقلها في الحديث النبوي أن شهادة المرأة تجبر بشهادة امرأة أخرى وهذا هو المقصود فقط، ولكنها قد تفوق الرجال في بعض الأحيان بأشياء كثيرة فكم من امرأة فاقت كثيرًا من الرجال في عقلها، ودينها، وضبطها وقد تحوز علومًا لم يحزها الرجال، وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في تقواها، وعملها الصالح.
إن الزج بثقافة المجتمع في تفسير نصوص الدين ليس بالأمر الهين، خاصة إذا صدر ممن يجب أن يكون مثله يفهم الدين فهمًا صحيحًا والخطورة هنا لما للدين من قوة في إخضاع الناس لرغباته، فلا يجد الإنسان نفسه أمام هذا الفهم المجتمعي الخاطئ المتلبس بلباس الدين إلا مقدسًا له،صعبًا عليه انتقاده أو مخالفته فالانتقاد والمخالفة هنا هو انتقاد ومخالفة للدين، وهو بالحقيقة يخالف هذه الأفهام المتكلمة على الدين بالباطل المقيدة للحياة بغير حق وهذا يستوجب على فاعله السخط والويلات والعزل وغيرها من أساليب العقاب فإما أن يتكيف مع هذا الباطل أو سيكون بين سندان المجتمع ومطرقة الدين فلا رحمة له هنا.
وفي الختام؛ كم من فهم خاطئ لنصوص الدين روج على أنه هو الإسلام؟ وكم من شخص عاش مكبلًا بهذه التأويلات؟ وكم من شخص تحمل الويلات لأنه رفض هذا الباطل؟ وكم وقتًا تحتاج أنت أخي القارئ لترفض وتواجه من شوهوا الدين والحياة بسوادهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد