تبدأ قصتنا بمدرس لغة عربية اسمه سليمان أبونارو كان ناشطا في جبهة الميثاق الاسلامي (الاخوان المسلمين)،  ولكنه كان معارضا لسياسات الأمين العام للجبهة حسن الترابي باعتباره أحدث انحرافا كبيرا عن خط الجماعة، وكان أقصى ما يتمنى أن يعقد المؤتمر العام للجبهة لكي يطالب بعزل الأمين العام.

 

 

 

 

 

ولكن حدث انقلاب عسكري مفاجئ قاده جعفر نميري في مايو 1969م وأعقب هذا الانقلاب قرارات عسكرية استهدفت المعارضين، وخصوصا الإسلاميين منهم فعزلتهم من وظائفهم واعتقلت المئات منهم وكانت هذه الأعمال تولى كبرها تحريضا الحزب الشيوعي السوداني باعتباره تحالف مع قيادة الجيش للانقلاب على حكومة الصادق المهدي الأولى .

 

 

 
و أثناء المحنة و الابتلاء تناسى سليمان أبو نارو خلافه مع الترابي، لكنه وبسبب انقطاع التعامل مع القيادة الملاحقة أمنية قرر أن يعمل مع الجماعة بشكل لا مركزي فجمع عليه عدد من منسوبي الجماعة ووزعهم في أسر وحلقات تنظيمية، ولكنه وضع لهم مقررا يحتوي على مجموعة رسائل حسن البنا بالإضافة إلى كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب !

 

 

 

 

 

 

 
وفي عام 1977م بعد أن قام نميري بالقضاء على الشيوعيين وإقصائهم، قرر التصالح مع المعارضة، فوافق حسن الترابي على المصالحة مع نظام نميري، على أن يحل تنظيمه مقابل أن يدخل في الحزب الحاكم، ويصبح في المكتب القيادي للاتحاد الاشتراكي السوداني! على شرط إعادة المفصولين إلى وظائفهم، والسماح لهم بحرية الدعوة، والحركة لكن بشكل غير تنظيمي.

 

 

 

 

 

 

وقد اتخذ الترابي قرار المصالحة دون استشارة قيادة الجماعة، فعاد مؤسسها الأول صادق عبد الله عبد الماجد من الكويت إلى السودان وأعلن أن الجماعة ترفض المصالحة مع نميري، وترفض كل من يتصالح مع نميري، ولكن الترابي أصر على المصالحة مع نميري وانحازت له جميع جماهير الحركة الاسلامية، فحدث الانشقاق الأول؛ حيث اجتمع قيادات إخوانية وأعلنوا إعادة العمل باسم الإخوان المسلمين والانشقاق عن الترابي.

 

 

 

 

 

وبعد فترة انضم لهم جميع من أعدهم سليمان أبو نارو في حلقاته التنظيمية .

 

 

 
لاحظ الإخوان أن جميع من جاء من عند أبونارو كانوا مختلفين عن بقية الإخوان؛ فقد كانوا يبالغون في الاهتمام بقضية الهدي الظاهر والإسبال وقضايا اشتهر بها السلفيون.

 

 

 

 

 

كما انهم يفتعلون المشكلات مع الصوفية، ويكفرونهم، ولكن الإخوان تعاملوا مع أبو نارو وجماعته ببرغماتية باعتبارهم قوة عددية لا يستهان بها، وجاء الجهاد الأفغاني فسافر عدد كبير من شباب الإخوان إلى أفغانستان للانضمام إلى القتال وكان كثير منهم هم من تلاميذ الشيخ سليمان أبو نارو.

 

 

 

 

 

وهناك اختلطوا بجماعة جهيمان العتيبي السلفية، وبعدها عادوا إلى السودان بفكر جديد، وحاولوا فرضه على الإخوان في مؤتمر يوليو 1991م الذي فازوا فيه باكتساح على الجناح الإخواني المعتدل الذي رفض الاعتراف بالنتيجة، و قال: لن نعترف بفوز من يريد تغيير أفكار التنظيم! وهذا انتهى بانشقاق الجماعة من جديد، وخروج جميع أتباع أبو نارو وتأسيسهم لجماعة جديدة سموها: الإخوان المسلمون ـ جناح أبو نارو.

 

 

 

 

 

 

تدخل التنظيم الدولي للإخوان محاولا إثناء أبونارو عن الإنشقاق فوافق أبو نارو على مبادرة تحتوي على  تعيين الشيخ الصادق عبد الله عبد الماجد  أقدم أعضاء الجماعة و أكبرهم سنا، والذي بايع بنفسه الإمام حسن البنا فوافق الشيخ سليمان أبو نارو،

 

 

 

 

 

ثم أحس بأن الشيخ صادق منحاز للجناح الآخر، باعتباره كذلك لا يرى تكفير الترابي والبشير ولا يرى من مصلحة الإسلاميين استعداءهم خصوصا بعد أن استتب لهم الأمر، وتخلصوا من المعارضة اليسارية والطائفية ( حزب الختمية الاتحادي وحزب الأنصار الأمة) فخرج أبو نارو من جديد ورفض كل محاولة للصلح في المرة الثانية،

 

 

 

 

 

بل إن أحد أتباعه قام برمي كتب المنهج التربوي التي تدرس في الأسر، وقال لمبعوث التنظيم الدولي للإخوان في لقاء في تركيا عام 1995م:  نحن لسنا في حاجة لكتبكم ولا منهجكم.

 

 

 

فأرسل الإخوان الدكتور محمد حبيب ( نائب المرشد السابق ) في مهمة إلى مقر الشيخ أبو نارو فذهب إليهم بنفسه في بورسودان و تناقش معهم فما وجد منهم، إلا كل إصرار، بل إنهم طالبوه بأن يلتزم السنة وأن يقصر بنطاله؛ لأنه كان أسفل كعبيه ومرت الأعوام وانشغل الإخوان عن أبو نارو وجماعته فانشقت إلى قسمين:

 

 

 

 

 

قسم ظل ولاؤه لمنهج الإخوان بقيادة الشيخ ياسر عثمان جاد الله، وقسم ولاؤه تحول تماما إلى تيار السلفية السرورية، ومن ثم تغيرت جماعة الشيخ سليمان أبو نارو من جماعة الإخوان ـ جناح الشيخ أبو نارو إلى جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة وكان ذلك في عام 2003م حين عقد أبونارو وجماعته مؤتمرا عاما تبرأوا فيه من فكر الإخوان المسلمين، وأخرجوا بيانا يطالبون فيه المسلمين بمبايعة قرشي للخلافة ( يا للمفارقة ) وتكفير كل من حكم بالديمقراطية أو من دعا لتحكيم صناديق الاقتراع.

 

 

 

 

 

 

وكان أبو نارو أول من دعى لمبايعة قرشي بالخلافة قبل مبايعة البغدادي بأكثر من عشر سنين، وكان هذا المؤتمر متزامنا مع الغزو الأمريكي للعراق وتصاعد تيار السلفية السرورية فتحول تنظيم الشيخ أبو نارو إلى خزان بشري للسلفية السرورية في السودان، وكان الغزو الأثيوبي للصومال في 2007م فرصة لجماعة الشيخ سليمان أبو نارو المسماة بجماعة الاعتصام؛ حيث تحرك شبابها بجحافلهم  إلى الصومال لمساعدة حركة الشباب المجاهدين.

 

 

 

 

 

 

وفعلا ذهب الشباب إلى الصومال، وعادوا بأفكار أكثر تشددا، أفكار لم تكن تعرف في السودان، لقد عادوا بأفكار السلفية الجهادية المتطرفة في نسخة قريبة من نسخة داعش، حيث إنهم ذهبوا يقاتلون لأول مرة مسلمين يشهدون الشهادة، بل يحكمون الشريعة، لكنهم متعاونون مع الأمريكان. أمثال تنظيم المحاكم الإسلامية بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد، فدخل مصطلح صحوات وخرجت فتاوى تكفر كل من يتعاون مع الأمريكان.

 

 

 

 

 

وهنا أعتقد أن الشيخ فقد السيطرة على شباب مجموعته فتشتت إلى مجموعات صغيرة، منها من تحرك للقيام بأعمال ضد الحكومة، لكن تم كشفهم بسهولة.

 

 

 

 

 

 

كحوادث تفجير منزل حي السلمة الذي كان مملوء بكميات كبيرة من القنابل والمتفجرات، ومنها من قرر استهداف البعثات الدبلوماسية، فكانت جريمة اغتيال الدبلوماسي الأمريكي (مايكل غرانفيل) من جماعة منشقة سمت نفسها بأنصار التوحيد بحجة نشره للمسيحية،

 

 

 

 

 

وهكذا تفكك التنظيم الذي بناه الشيخ سليمان أبو نارو إلى جماعات صغيرة تعتنق الفكر الجهادي المتشدد، و كانت أحداث الربيع العربي لحظة فارقة، حتى أن تيار جماعة الاعتصام أخذ في الانهيار وضعف كثيرا تأييده، وتسلق التيار الاسلامي الحكم بسلم الديمقراطية، لكن انهيار الربيع العربي في مصر وانقلاب 3 يوليو كان قُبلة حياة لتيار الاعتصام!

 

 

 

حيث عاد من جديد، لكن بشكل أشد تطرفا حيث ساروا إلى تأييد تنظيم داعش وإعلانه ما يسمى بالخلافة، ومبايعة البغدادي، فخرج بيان ممهور بتوقيع الشيخ سليمان أبونارو بنفسه يبارك فيه صنع الدواعش من إعلان الخلافة، ويقول: (ونحن في جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة بالسودان نعتقد أن الدعوة للخلافة، وإقامتها، وترسيخ العقيدة والإيمان في الأرض من أوجب واجباتنا التي نعمل لها،

 

 

 

 

 

ولقد أفرحنا قيامهم بهذا الواجب الذي عجز الكثيرون عن القيام به، ومما هو مقرر في الشريعة أن يفرح المؤمن بقيام الواجب الذي عجز عنه إن تولاه غيره وتصدى له، إذ النظر هنا إلى تحقق الواجب بقطع النظر عمن قام به، لا سيما إذا كان من تصدى لهذا الأمر من أهل الجهاد والشوكة ومراغمة الأعداء فبذلك يحصل استثمار الجهود، وتحقق الموعود، إذ الغاية هي إقامة أمر الله تعالى و تعبيد العباد له سبحانه.

 

 

 

 

 

وقد فوت المسلمون والمجاهدون خاصة في العقود المتأخرة سوانح كبيرة لإعلان الخلافة بعد جهاد عظيم، وبذل جسيم، ولمّا لم يفعلوا انتهزها الزنادقة والمرتدون وقطفوا ثمرات جهاد المجاهدين ودماء شهداء المسلمين.

 

 

 
وإننا في جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة بالسودان نعلن تأييدنا ونصرتنا لهذه الخطوة المباركة، ونرى أن هذا الحدث فرصة عظيمة لتوحيد المسلمين وتقوية صفهم في مواجهة أعدائهم سائلين الله أن يحفظها ويديمها فتعم سائر بلاد المسلمين )

 

 

 

 

وخرج بيان آخر للتنظيم يبارك فيه إحراق الجندي الأردني الكساسبة فيه يقول: (حينما أحرقت دولة الخلافة الإسلامية- أيدها الله – أحد الكفرة المرتدين المحاربين تحت راية الصليب، إذ كان يرمي حممه الحارقة التي تحرق الأخضر واليابس والبشر والشجر،

 

 

 

 

 

وبينما هو يستمتع بهذه الطلعات المحرقة وينفذ مهمة تحريق المسلمين ونسائهم وأطفالهم، إذ برمية المجاهدين تصيبه فيقع أسيرا بأيديهم ثم يقتلونه بعد مدة بالنار إحراقا؛ جزاءً وفاقا، تنكيلا وإرعابا، وإرهابا لمن خلفه؛ أولياءه وحلفه، فشكر المسلمون صنيعهم خاصة أولئك الموتورين في أهليهم وأبنائهم الذين أحرقتهم تلك الحمم ).

 

 

 

 

توفي الشيخ سليمان أبو نارو في ديسمبر 2014م بعد حياة حافلة بالتقلبات من الإخوان حتى السرورية و انتهاء بالسلفية الجهادية  وبايعت من بعده جماعة الاعتصام الشيخ عمر بن عبد الخالق، الذي قال إنه سيظل متمسكا بخط الشيخ سليمان، فهل يا ترى سيبايع داعش بشكل رسمي أم يكتفي بتأييدها بالبيانات الشفوية و المكتوبة ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد