هل يموتُ الذي كان يحيا كأنّ الحياة أبدْ! * أمل دنقل

كانت بداية معرفتي بالدكتور الشَّيخ طه العلواني، يوم السبت، 9 نوفمبر، 2013. نعم الأمر مُؤرَّخ بالنسبةِ لي.

(1)

رتَّب لي صديقي معه مقابلة عمل، كانت خطواتي الأولى في عالم البحث والكتابة المتقنة المتماسكة، وبدأتُ عملي، كنتُ في هذه المرحلة على أعتابِ عالمٍ شخصيٍّ جديدٍ، وكنتُ في انتظارِ موقفي من التجنيدِ، والذي كان يمثِّلُ لي هاجسًا كبيرًا، لكنَّني لم أعلم أنني على أعتابِ عالمٍ فقهيٍّ جديدٍ أيضًا. بدأتُ العمل على مسودَّةٍ كان الدكتور قد بدأها منذُ سنوات حول التصوُّف، أنجزتُ ما بدأته خلال شهرٍ ونصف، قبل الموعد المحدد، أثنى الدكتور على القدرة البحثيَّة العالية التي أمتلكها، لم يكن الأمر بالنسبة لي حقيقيًّا، فالدكتور طه قامة لم أتصوَّر أن أعمل معها، ناهيك أن يثني عليّ، كانت هذه هي البداية، ما بعد ذلك أكبر.. بكثير.

بعد هذه المسودَّة، طلب إليّ الدكتور أن أعمل معهُ بدوامٍ كامل لكنَّني لم أوافق، وإذا به في اليوم التالي يعطيني راتب عملٍ كامل، ضحكت وقلت له إنني لن أوافق، قال لن توافق ولكنك ستأخذ الراتب كاملًا، كانَ يقولُ لي: «أنت باحث كلاسيكي يا عبدو، وأنا أحبُّ الكلاسيكيين»، ويثني عليّ، أنا بدوري أتبسَّم وأخرجُ من عنده، وأضحك، لا لستُ بهذه القدرة الفائقة التي يقول عنها الدكتور طه، أنا أقلُّ من هذا، لكنّ الرجل الطَّيب كان يقول إننا -نحنُ الأربعة باحثين في الأكاديميَّة- سنكونُ خلفاءً له وامتدادًا لمدرسته، وعندما كنَّا نتأخر في تسليمِ المشاريع والأبحاث إليه كان يقول، بلهجة مصريَّة– عراقيَّة: «خلاص، أنا مش هقول إنكم امتداد لي بعد وفاتي»، وكنَّا نضحك جميعًا، لأننا نعرفه، ولأنني عرفتهُ بعد ذلك، لم يكن يأخذُ الأمور بقسوةٍ، ولا بالجدّ المبالغِ فيه، كان رفيقًا رقيقًا، يضعُ نفسَهُ في موضع الآخر دومًا ويتلمَّسُ لهُ الأعذار تلو الأعذار، ولا يخبر أحدًا عن سوءٍ حدث إلا بأرقِّ الألفاظ وأقلُّها حدَّةً، ويأخذُ آراءنا في حياته الشخصيَّة، خصوصًا سارة.

(2)

القرآنُ الكريم والحاكميَّةُ المطلقة

مثَّل موقف الدكتور من القرآن والسنَّة لي موقفًا جاوبني عن العديد من الأسئلة التي كانت مبهمة جدًّا بالنسبة لي، ليس بالضرورة اقتناعي بأفكار الدكتور جميعها أو كيف جاوب على هذا السؤال أو ذاك، الأمرُ مختلف قليلًا. لم أقتنع ببعض إجابات الدكتور طه، لكنني أصبحت لديّ الأداة التي أعملُ بها «القرآن».

القرآن حاكم على جميع الديانات السابقة، وفقًا للآية الكريمة «وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ» (آل عمران: 81). وطالما كان رسول الله حاكمًا على جميع الأنبياء ورسالته خاتمةً على الرسالات السابقة، فكذلك القرآن الكريم حاكمًا على جميع مصادر التشريع التي استنبطها علماء الأصول. وها هنا إشكاليةٌ أخرى، هوجم الدكتور الشيخ عليها كثيرًا، وهي موقفه من السنَّة النبوية المطهَّرة.

اعتبر البعض منهج الدكتور طه «قرآنيًّا»، وهو الموقف الذي يتبرَّأ منه الدكتور تبرؤًا واضحًا، وقد سألتهُ في يناير الماضي ونحنُ نتدارس أحد الأبحاث التي قمتُ بها عن موقفه من القرآنيين، وكان رده أنّه كانت بينه وبين بعضهم مراسلات، وكانت لديه القدرة على نقاشهم وخلافه، لكنَّه في الفترة الأخيرة لم يعد يُطيقُ أسئلتهم، وقال باللفظ: «مش عاوزين يدرسوا ولا يقرؤوا، عاوزين يخلُّوا النبي مجرد حد شال رسالة وصَّلها ومشي، حاشا لله». السنة عند الدكتور طه يُستأنسُ بها، ويعملُ بها أيضًا لكنَّها ليست حاكمةً على القرآن الكريم، سواء كان الحديث آحادًا أو صحيحًا أو غير ذلك من مراتب الحديث.

(3)

سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّم

كعادة الشافعية الأشاعرة، يكون أغلبهم من المتصوِّفة أمثال الإمام «أبو حامد الغزالي» مثلًا، لكنّ الدكتور طه وإن كان ليس صوفيًّا كما هي الصوفية الآن، إلَّا أنَّهُ كان مُحبًّا شديد المحبَّة لسيدي رسول الله ولآلِ بيته، لم يكن الشيخ طه ليصلِّي على النبي دون أن يقول: «وآلهِ وسلَّم»، وكثيرًا ما كنتُ أدخلُ عليه لأجدهُ يمسكُ مسبحتهُ ويصلِّي على سيدنا رسول الله وآله وسلَّم، ولم يكن يقول: «رسول الله» دون أن يقرنها بكلمة «سيِّدي أو سيِّدنا». ولم يكن يقول: «الله»، أو «ربّ» دون تعظيم، فيقول: «ربِّي جلّ شأنه»، ويقول: «الله عزّ وجلّ»، ومن يقرأُ كتبه سيعرفُ ما أقول.

درسَ الشيخ طه العلواني على يدّ الشيخ العلامة «محمد فؤاد الآلوسي»، وقد كان صوفيًّا بشكلٍ كامل، يبدأُ يومه بزيارة سيدي عبد القادر الجيلاني، وينهيه بزيارة سيدي موسى الكاظم، كذلك كان شيخه الآخر، «قاسم القيسي»، ورغم أنّ الشيخ طه لم يكن يؤمن بزيارة الأضرحة ولا بالتبرُّكِ والتوسُّل، إلا أنَّهُ درس عندهما، وعند الشيخ أمجد الزهاويّ أيضًا وهو المائل للسلفية. كان الدكتور طه العلواني محبًّا شديد المحبة لسيدنا رسول الله وآله، وتكفي هذه شفاعةً لهُ عند الله.

أذكر وأنا أقرأُ معه بعض الأبحاث، توقَّف عند آية «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ» (الطور: 48). وشرد بعينه، وعاد إليّ وهو يقول: يا سبحانَ الله، وكأنَّ هناك ارتباطًا عضويًّا، بين رسول الله وربِّي جلّ شأنُه، رغم أننا أكثر دين توحيدي، وكررَ بذهول «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا».

(4)

«لا إكراه في الدين»

انطلاقًا من نفس المنهاجيَّة كان اجتهاد الدكتور الأشهر، عن إشكالية الردَّة والمرتدين وكيفية تعامُل الإسلام معهم، متتبِّعًا السِّياق التشريعيّ لحدّ الردة، في القرآن أولًا، ثمّ كيف تداخلت روايات السنَّة في التشريع القرآني، وكيف اختلط الدينيّ بالسياسيّ، وبقدر ما كانت معرفتي بالدكتور طه معرفةً مهمَّةً على المستوى الشخصيّ في جوانب مهمَّة كثيرة، كان هذا الكتاب مهمًّا على المستوى الفقهيّ، فبدأتُ أوَّل ما بدأتُ بالنَّظرِ في بقيَّة الحدود الإسلاميَّة، لم أصل لنتيجة وقد لا أصل الآن، لكنّ الأداة أصبحت متوفِّرة عبر كتاب الدكتور ونقاشاتنا معًا.

اهتمّ الشيخ العلواني اهتمامًا خاصًّا بالقرآن، واستنبط منهاجيَّة تفسير القرآن بالقرآن وكتب في بعض موضوعاتها كتبًا، كـ «لسان القرآن» و«الوحدة البنائية للقرآن المجيد» و«الجمع بين القراءتين». كانت هذه المناهجية إطارًا واسعًا وفضفاضًا بالنسبةِ لي، أستطيعُ خلالها النظر عبر زوايا مختلفة للقرآن الكريم وقضايا الإنسان والآخر والله والكون، حاول الدكتور طه مشكورًا أن يواكب العصر عبر اجتهاداته الفقهية التي بناها بناءً متينًا عبر قراءاته في القرآن الكريم، وتدبره وتأمله، كان يقولُ لنا في اجتماعتنا بشكلٍ متكرِّر: «… فنحنُ، يجب أن نجمعَ أسئلتنا ونصيغها بشكلٍ محدد ودقيق، ونأتي للقرآن الكريم لنسأله، ونحاول أن نجد إجاباتنا، فقد كان القرآنُ كتاب الله المسطور، كما كان الكونُ كتابَ الله المنظور، وعلينا أن نجمع بين القراءتين: قراءةُ القرآن وقراءة الكون». وهي النظرية التي بنى عليها المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد. وقد كان صديقًا للدكتور، أتذكر أنّ الشيخ العلواني ذكر لنا أنهما تناقشا كثيرًا حول هذه النظرية، واستطاع كل منهما أن يصيغها كما رآها.

ومن هذا المنطلق، متوازيًا مع منطلق أنّ رسول الله «كان قرآنًا يمشي على الأرض»، بالتالي لا بدّ من وجود سيرةٍ نبويَّةٍ في ثنايا القرآن، وعلينا استنباطها لنرى كيف كان رسولُ الله يتعامل مع كافة أموره، باعتباره مثالًا يحتذى في تمثيله للقرآن وتمثُّلهُ به، وقد تشرَّفتُ بالعمل على هذا البحث -الذي لم يسبقنا إليه سوى «محمد عزة دروزة» في بدايات القرن الماضي- مع الشيخ الحبيب، منذ يناير 2014، وكنا نضعُ الرتوش الأخيرة قبل دخوله العناية المركزة بشهرين، وكنت أراجع المسودة التي اعتمدها عندما جاءني خبر وفاته الحزين.

(5)

عرفتُ الدكتور طه العلواني، ومنذُ عرفتهُ تغيَّرت ليس فقط مواقف فكرية وفقهيَّة كثيرة كنتُ قد أجلُّتها إمَّا لعدم وجود أجوبة عليها وإما لأنَّها صارت ثقيلةً عليّ، وجدتُ إجابات كثيرة، ليست إجابات تفصيلية بقدر ما أصبحَت لديّ الأداة التي طوَّرها الدكتور وأشربني إيَّاها في تعامله مع التراث والقرآن وخلافه من أمور الدين.

كان الدكتور طه قد أسَّسَ فكرًا ومسارًا جديدًا، لكنَّه ومع ذلك لم يكن يتمسَّكُ تمسُّكَا مهووسًا بما وصل إليه، بل كان منفتحًا دومًا على الأفكار الجديدة، والإضافات التي نضيفها نحنُ الباحثون الصغار على منهاجيته وأفكاره، لم يكن يخاف من طرح الأسئلة، ولا أن نناقشهُ في أشدّ أفكارهِ وأعمقها، كان يتقبَّلُ هذا النقاش ويتقبل أن يرجع عن رأيه أيضًا إن وجد حقًّا في الرأي المخالف.

أزعمُ أنني خالطتُ بعض العلماء، حسب أقدار الله، وإن لم أخالطهم نفس المخالطة التي خالطتها للرجل الطيب، ولكنني لم أجد أحدًا أرقُّ منهُ ولا أكثر تقبُّلًا للخلاف منه، ولم أجد عالمًا مفتوحًا على الأفكار الجديدة ولا على الإضافات التي يضيفها إلى منهاجيته الباحثون الصغار مثلي، قبيل وفاته بأسبوعين على التقريب كان يناقش باحثي أكاديميّته بأنّ لديهِ بعض الإشكاليات، التي عاد يقولُ لنا أنه كان قد وصل لإجابات، لكنَّ هذه الإجابات ليست مقنعةً له الآن، وأنهُ يريد أن يناقشنا فيها لنصل لإجابةٍ مقنعةٍ جميعًا!

***

خالطتُ الشيخ طه العلواني، واختلط العملُ بالحياةِ الشخصيَّة، وكانَ الأبّ الذي يسمعُ منَّا جميعًا، ليس ما يختصُّ بالعمل، وإنما ما يختصُّ أيضًا بالحياة الشخصيَّة، كان ينادي الجميع بأسماء «دلع»، فكريم يصير «كرُّوم» وعبد الرحمن يصبح «عبدو حبيبي» ودخاخني يُصبح «دخَّان أفندي»، وهند تُصبح «هنُّود»، وكذلك بقيَّة الأصدقاء الذين اجتمعنا معًا في بيت الشيخ، الرجل الطيب، والأبُ، والصَّديق!

سيتعجب القراء من قولة «صديق»، لكنَّني أقسمُ على هذا، كان الدكتور طه صديقًا لنا جميعًا، نستطيع أن نقترض منهُ مالًا، وأن نحكي له تجاربنا وقصصنا الفاشلة، ويستطيع أحدنا أن يطلب من الدكتور مفتاح شقته في المنطقة الراقية تلك، لأنه يريد أن «يغير جوّ»، ولم يكن الدكتور يمانع، بل كان يعرضُ علينا هذا بنفسه واللهِ.

كان أبونا، يحبُّ لأحدنا أن ينشر مقالًا أو بحثًا بأحد المواقع أو الدوريات، وكان ينتظر منَّا أن نقرأَ ما كتبنا عليه، في أحد الأيام قرأتُ عليه قصَّةً قصيرة نشرتُها في جريدة البديل، وكان فرحًا بذلك، أحبَّنا الدكتور كأولاده، وأحببناهُ كوالدنا.

(6)

المحبَّة العابرة!

قبيل تدهور حالته الصحية، كنتُ أقابلهُ كلّ يوم جمعة، أصلُ في العاشرة صباحًا، نشرب الشاي، ونبدأُ في القراءةِ، والتعديل، والإضافةِ، والمراجعة، نتناول غداءنا معًا ونشربُ القهوة، ونتناقش في شؤون الحياة بعيدًا عن البحث والكتابة، وكنتُ أثناء الغداء وبعده أناقشهُ في أسئلتي المحيرة، وفي لحظاتٍ أخرى أستثيرُ بعض الأسئلة الحساسة لديه ليحكي لي، كان بحرًا من الحكايات.

العراق في الخمسينيات والستينيات، عندما كان ملازمًا في الجيش وحكاياته مع عبد الكريم القاسم، الزعيم العراقيّ، الذي سجنه أولًا ثم طلبه للعمل في مكتبه، وكيف كان مسؤولًا عن تصحيح خطابات «الزعيم»، ثم كيف دارت الدنيا دورتها ليُقتَلَ الزعيم ويصبح أهله فقراء وتطلب أخته من الشيخ طه إعانتها. وكيف خرج من العراق تاركًا مكتبتهُ ودنياهُ هناك، هربًا من البطش والظلم، وكيف عاش في أمريكا، وذكريات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وحكاياته عن الفاروقي والمسيري و«أبو القاسم حاج حمد»، والقرضاوي والشيخ محمد الغزالي، وذكرياته في القاهرة أيام دراسته بالأزهر، والفندق الذي كان يقطنه بمنطقة سيدنا الحسين، وذكريات المظاهرات التي خرجت بإيعاز من عبد الناصر لإقالةِ شيخ الأزهر حينها الخضر حسين باعتباره تونسيًّا، وحكايته المتكررة الجميلة عن رفيقته الدكتورة «منى أبو الفضل»، «مُناي» كما كان يُطلقُ عليها، عالم من الحكايا قصَّهُ عليّ.

وفَّر لي الشيخ طه مسكنًا في نفس البناية التي يقطنها، وكان يرنّ الهاتف بشكل يومي، عليّ وعلى صديقي «عبدو حبيبي، يلا تعا الغدا جاهز»، وأحيانًا يهاتفنا لنجلس معًا، فقط نجلس نتجاذب أطراف الحديث والحكايات، ويعرف آراءنا وأفكارنا وحكاياتنا، لقد عشنا معًا زمنًا جميلًا.

حاولنا أن ندرس على يديه، كتاب «المحصول في أصول الفقه» للفخر الرازي، وبدأنا بعض الحصص ولكنّ مشاغل الحياة والعمل أخذتنا بعض الشيء، لم يغضب علينا الدكتور ولم يعاتبنا، اعتذرتُ له ذات مرة، فقال لي: «أنا أعرف مشاغل الحياة، وأعرف هِمَّتكم».

قبيل دخوله العناية المركزة، كنتُ على سفر، قابلته قبل سفري بيومٍ واحد، يوم الثلاثاء 9 فبراير، بعد الاجتماع، أشار إليّ بيده وقال: «اقعد عبدو عاوز أقلك رأيي في حاجة تخصَّك»، وقال رأيه مبتدئًا إياه بالجملة المحببة للغاية، والتي كلما تذكرتها من يوم وفاته ابتسمت «شوف إبني». موضِّحًا في النهاية «هذا رأيي بخصوص هذا الأمر، لكن لا تترك رأيي يؤثِّرُ عليك، أنا فقط أعطيك زاويةً أخرى، وأنت وما تريد» قالها بالفُصحى. كان حينها مُتعبًا وجميعنا لاحظنا هذا، يوم الجمعة السابق عليه 5 فبراير، ألغى موعدهُ معي لأنَّهُ مريض.

سافرتُ وعدتُ لأجدهُ في غرفة العناية المركَّزة، ذهبتُ لزيارته، كان مستيقظًا وعيناه تتحركان لتسلِّم علينا؛ كريم، وطارق، وأنا. قبَّلتُ يدهُ للمرةِ الأولى، وقلت: «مستنِّيك يا دكتور، عاوزين نخلَّص الكتاب»، فهزّ رأسه متحمِّسًا –وأنا أعرفُ هذا من عينيه– ثمّ أشارَ بعينيه للسَّماء أن دعواتكم. يوم الثلاثاء الماضي زرتُهُ في غرفة العناية المركَّزة، كان مُتعبًا، وكانت حالته أسوأ، ظللتُ واقفًا في الغرفة لا أعرفُ ماذا أقول، طارق على الناحية الأخرى، وابنه الدكتور أحمد العلواني خلفي، قبَّلتُ يدهُ هامسًا «مستنِّيك يا دكتور»، وخرجتُ مسرعًا. وجاءني الخبر الحزين يوم الجمعة.

لأنني كنتُ على سفر لم أكن عنده عندما نُقل للمستشفى، لكنّ سارة كانت واقفة، نقلت إليّ مشهدًا مبكيًا وحزينًا للغاية: استفاق الدكتور من التَّعب، وكان أول ما نطق به «مشروع البحث الفلاني، والمشروع الفلاني…» متلهِّفًا على إنهاء الكتب التي تحملُ أفكاره، ثمّ وصَّى أولادهُ علينا فردًا فردًا، وأوصَّى بأن توقف جميع أمواله في مصر لتكملة أبحاثه، كانت هذه اللحظة جديرة برجلٍ كانت مكتبته في أمريكا تحملُ 19 ألف عنوان كتاب!

رحم الله الدكتور طه، الرجل الذي رحل تاركًا إرثًا فكريًّا، وأفكارًا متناثرة في ذهني وأصدقائي في أكاديميته، وترك أكثر منها عاطفةً جيَّاشة، وحنينًا في قلبي لكلمته الجميلة «شوف إبني»، ومحبَّةً صافيةً، عابرةً للموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد