يبحث كل مِنَّا هُنا وهناك بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة بحثًا عنه في كل شيء، يُنقبون عنه وكأنه شيء ثمين، بل بالفعل هو كذلك، أو لأكون منصفة هو أمر ضروري لا يُقدر بثمنٍ، ولا يُمكننا حصره ضمن إطار المقارنة مع أي شعور آخر.

تشعرهُ بين يدي خالقك وأنت واقف بين يديه تُناجيه، تضرع إليه، تشكو إليه قلة حيلتك وضعك، عجزك وخوفك وحزنك، فتراهُ يقول لك: «وَءَامنهم مِنْ خَوْف»، كلما ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وكلما ضاقت عليك نفسك، وكلما تسرب إليك الخوف والفزع والقلق، فإنك تأمن فقط بوجود الله وذكره، يطمئن قلبك كلما ذكرته وقدسته أَلا بِذكرِ اللهِ تَطيبُ القلُوب.

إِنهُ هذا الشعور الذي نُخلق منهُ ونحن في بطونِ أمهاتنا، نشعرُ بالأمانِ، إذًا لا خوف بعد الآن، ولا ضير فإنا مع من خُلقنا منها، نحيا في هذا القرارِ المكين آمنين مُطمئنين، ويكون هذا الشعور هو حلقة وصل من ضمن الكثير من الحلقات التي تربط الطفل بأمه، فتراه لا يهدأ إلا بين ذراعيها، يسكن ما إذا ضمته أمه لصدرها، وحتى بعدما يكبر ويصبح شابًا، وتضيق عليه الأرضُ بما رحبت، لا يجد الأمان إلا في دعوتها التي تخرج من قلبٍ نقي لرب الكون دون حجاب.

تراهُ في قبلة حانية يضعها الأب فوق جبين صغيره فور ولادته، وكأنها بمثابة عهد وميثاق من الأب لطفله أني معك وإلى جوارك دومًا، تظهر في أولِ خطوةٍ للمسجد يخطوها الصغير مع أبيه، وأيديهما متشابكة، وقلوبهما مُلتحمةً ومتصلة، في السجودِ ترى الأب ينسى الكون كله، ولا يذكر إلا ابنه في دعائه، وكأن الدنيا خالية من كل البشر، ولم يحي عليها سوى الصغير فقط، حينها يتسلل لقلبِ الصغير شعور بالأمان، لا يدركه هو، ولكنه يغذي قلبه المتصل بقلب أبيه، وما إذا أصاب الابن شيئًا ما، ترى الأب كتفًا لكتف، يقف بجانب ابنه، يُواجه الدنيا كلها، ويخوض آلاف الحروب، ولا يصاب رفيقه الذي هو قطعة منه بأي سوء.

لَهُ طعمٌ خاص بين الأزواج، تكون الزوجة مشغولة البال، تفكيرها يُنغص عليها يومها، ويؤرق نومتها، فتذهب لرفيق قلبها وقرة عينيها، وما إن تراهُ أمامها يذهب كل هذا الشعور الخبيث سُدى، فتقف تصرخ للدنيا أن لا بأس فزوجي معي، يسندني دومًا، ترتمي في حضن زوجها كطفلٍ يتيم ضعيف وجد قوته، تشعر به الزوجة في كل يومٍ يعود إليها زوجها بعد يومٍ شاق، فتوقن أن هناك من يتعب لأجلها، لأجل أن تأمن وتهنأ.

ويظهر في عيون الزوجِ عندما يعود من عمله، ويرى زوجته أمامه تُسعده بطلتها، فيأمن هو من غدرِ الحياة وكدرها، يهنأ بين ذراعي من جعلها الله سكنًا له، ومعينًا لا ينضب، يأمن كلما رآها بخير أمامه، يأمن كلما تأمن هي، ويأمن متى يهديها الأمان ذاته، ويهدأ كطفلٍ صغيرٍ بكلمةٍ عذبةٍ منها، وضحكةٍ هادئة طيبة، وكلماتٍ عِذاب يَخرجن من قلبها فتنشر بهن شذى الأمان في أرجاء بيتهما.

أُحبه بين الرفاق وأستشعره جيدًا، ويظهر واضحًا جليًا، في عناقتهم بعد غياب، لا تتعانق الأجساد حينها فحسب، بل تتعانق هذه القلوب، ويهدي كل منهما الآخر الكثير من الأمان والسكينة، ألا تبتئس يا رفيق، فمهما حدث لا يمكننا أن نفترق، ومهما جرى في الكون، ومهما تبدلت الأحوال، فإنا بجوار بعضنا البعض، يشد كل منا بأزر الآخر، لا تنحرف خطواتنا في طرقٍ مختلفة، فإن طرقاتنا مُتقاطعة دومًا، وهذا الدفء والأمان الذي بيننا لا يُمكنه أن يغيب.

يلمع في يدٍ تربت على كتفك في وقت ضيقٍ، وفي كلمةٍ طيبة تخرج من قلبٍ صادق، فيهدأ بها قلبك ويزول همك ويذوب حزنك، في ضحكة الصغار أمامك، أن لا تحزن، فإنا موجودون ننشرُ الأمان في الكون بضحكاتنا البريئة، وهذا الأمان يُصيب كل من رأى ضحكتنا ومن لم يرها، هذا الأمان تراهُ في نومةٍ هادئة، ويتمثل أمامك في حلمٍ هادئ بعد يومٍ ملئ بالنصب والتعب، في دعواتِ الكبار، وفي ملامح وجوههم الطيبة، تراهُ في الأخاديد المحفورة على وجوه الأجداد، يخبرونك بها أنا قد دفعنا عنك قسطًا من الهم والحزن والخوف لتأمن وتسعد فلا تبتئس.

إن الأمان عظيم، أعظم من أن تُسطره كلمات، وأعمق وأقدس وأطهر مما نظن، هو هذه النعمة الجلية التي أهدانا الله إياها، فبها نحيا، وإليها دومًا نحن نسعى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المأوى
عرض التعليقات
تحميل المزيد