في صباح يوم الأربعاء أمسكت هاتفي وذهبت لتطبيق «تويتر» لتصفحه كالعادة، وإذ بي أفاجأ بأخبار عن استهداف الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، تأثرت كثيرًا، فرغم مقاطعتي للأخبار منذ سنوات تجنبًا لتأثيرها في، إلا أن عقلي لوهلة استرجع صوتها في أذني، ذلك الصوت الرزين الذي يختتم التقرير بطريقتها المعتادة شيرين أبو عاقلة الجزيرة ثم المكان الذي تطلعنا على جرائم الاحتلال منه!

فقد حفر في ذهني منذ سني مراهقتي عندما اشترى أبي «طبق الدش » – أو طبق القمر الصناعي- حيث بدأنا نشاهد الجزيرة و غيرها من القنوات.

كنت وقتها في عامي الرابع عشر، كبرتُ وكبرتْ شيرين لتحتل مكانًا في قلوب العرب جميعًا، وليس أعجب من رثاء الكل لها من مختلف الدول العربية ومن مختلف الطوائف والاتجاهات كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالًا، ولا أعرف كيف أخذت بألبابنا جميعًا بهذا الشكل الأخاذ، بصوتها الهادئ وشخصيتها القوية الصامدة أمام جنود الاحتلال المجرمين، الذين يضعون الفلسطينيين هدفًا لهم، ويضايقهم مجرد وجود الفلسطيني ويمارسون تطهيرًا عرقيًّا واضحًا، وهم من أتوا من أقاصي الكرة الأرضية ليحتلوا أرضًا ليست لهم، وليعمروا بيوتًا اغتصبوها وقتلوا ساكنيها وشردوا آخرين، يبدلون الحق بالباطل، ويتلبسون أقنعة لن تليق بهم، فيتباكون مدعين أنهم ضحية الإرهاب الفلسطيني، وهم أنفسهم الإرهاب بعينه وفي صورته الفجة، ورغم كل هذا يصمت العالم المنافق أمام هذا الإجرام اليومي، أمام حقوق الإنسان الانتقائية التي تفتح فمها عندما يتعلق الأمر بالأوكرانيين، وتخرس عندما يتعلق الأمر بفلسطين والعراق وسوريا ومسلمي الهند والإيغور!
 وأمام العنصرية التي تتصدر للدفاع عن أفعال لا أخلاقية متغافلة عما يمارسه الاحتلال تجاه الفلسطينيين ليل نهار!

ورغم الرصاصة التي استهدفت رأس شيرين كي تصيبها في مقتل، ورغم الترصد والقصد، فإن الإحتلال ولأنه جبان، لا يملك حتى أدنى قدرٍ من الشجاعة ليعترف بجريمته!

ولم يكتفوا بذلك بل هرعوا إلى منزل أهل شيرين واقتحموه لأنهم وضعوا أعلامًا فلسطينية على المنزل، لقد أغاظهم صمود شيرين وكلمة الحق التي كانت تنطق بها، ورغم أنهم قتلوها، فإن الحقد ما زال يأكل قلوبهم فلم يحتملوا رؤية الهوية الفلسطينية متمثلة في العلم يرفرف على منزل الشهيدة، وفعلوا ذلك رغم دموع الأهل والجيران والناس، وكأن كل ما هو فلسطيني يصيبهم بالهستيريا، بالهلع وبالجنون!

نأتي لموكب تشييع البطلة شيرين في جنين، التي أبكتني، وأنا أرى تنافس الناس على حملها رجالًا ونساء مسيحيين ومسلمين، صحافيين ومواطنين، ويحف بهم المقاومين الأبطال يكبرون ويهتفون بهتافات فلسطينية تنضح بالحماس والثأر وتعظيم الشهداء، وأعجب من هذا الحب والحزن الكبير الذي ارتسم على وجوههم وعلى وجوهنا جميعًا.

ليس هذا فحسب ما أثار دهشتي، فعند وصول جثمانها للكنيسة في جنين، خرج رجل الدين المسيحي ليدعو لها، ثم هتف أحد الجموع قولوا آمين، فدعا لها بمغفرة الذنوب في دعاء يشبه دعاءنا نحن المسلمين ليهتف الجميع آمين، فكيف حدث هذا التلاحم وهذا التداخل بين المسلمين والمسيحيين! ولا أعتقد أننا قد نشاهد مشهدًا كهذا في أي بلدٍ آخر!

ثم لم يكن هذا التشييع الأخير ففي حملها في طريق طويل عبر القدس لمثواها الأخير اغتاظ الاحتلال واعتدى على حاملي النعش، وأشعلت فيهم الحقد هذه الجموع الغفيرة المحبة المخلصة لمن أحبتهم وأفنت سنوات طويلة من عمرها لتنصر قضيتها وقضيتهم، لتغمرهم بالحب والقرب والتفقد، ولذا استبسل الرجال الفلسطينيون في مواجهة هؤلاء المجرمين، حافظوا على نعشها مرفوعًا على الأكتاف رغم الضرب والاعتداء الوحشي!

كانت جنازة شيرين توحيدًا ليس للفلسطينيين فحسب بل لنا كعرب، أقرأ التعليقات على مواقع التواصل فأجد المعزين من كل الدول العربية يبكون رحيلها ويتمنون النصر لفلسطين الحبيبة.

كانت شيرين شاهدة على تجبر الاحتلال في حياتها، وفعلت ذلك حتى في موتها.

ثم إني أتعجب من دموعي وتأثري كلما شاهدت صورتها أو شاهدت لقطات من جنازتها، كيف يدرك المرء أن في قلبه مكانًا لأحد لم يعرفه، ولم يلتق به، كيف فعلت شيرين ذاك؟ كيف لمست قلوبنا كلنا بهذه الرقة، برقة فراشة لم تشعر أنها حطت على فؤادك وطارت، كيف جلست وتربعت هناك، وكيف جمعتنا على حبها! ما زلت أتعجب و لا أجد تفسيرًا!

بات الأمل لدي ينمو وبشدة أن يوم النصر بات أقرب مما نتوقع، يخشى الاحتلال علم فلسطين فيرفع الفلسطينيون العلم، يخشى الاحتلال التجمع والصمود وباتت ترعبه الجنازات، فأصبح يهاجم النعوش والجنائز، وها نحن نشاهد مواكب الشهداء وكيف يُجن الاحتلال فيضرب ويعتدي على المشيعين وأهالي الشهداء خلال الثلاث أيام الأخيرة بالتحديد!

لن ننسى شيرين أبو عاقلة وآمل أن يأتي اليوم الذي تثمر فيه كل تضحيات الفلسطينيين اليومية، وأن ينعموا بوطنهم كاملًا بلا دنس صهيوني واحد، وأن يهنأ كل فلسطيني مهاجر بعودته لبلده ولبيته الذي احتفظ بمفتاحه أبًا عن جد، وأن نصلي ولو لمرة واحدة في الأقصى المبارك ونلمس تراب فلسطين، تلك الأرض التي تحملت الكثير وقدمت الكثير والتي وطئتها أقدام الأنبياء والشهداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد