لطالما كانت فكرة الإعلام والصحافة في المجتمعات واحدة من أهم وسائل نقل الحقيقة للعالم بمختلف أطيافه وأعراقه وأديانه، ففكرة نقل الحقيقة نابعة من الوجدان الإنساني للبشر فهي نابعة من الشعور العميق بالمسؤولية تجاه الواقع والمجتمع والإنسان، لذلك كان صعب على مزورين الحقائق تقبل فكرة وجود من يعطل عليهم تزويرهم وإجرامهم، أو أن يعطل عليهم مصالحهم المتمثلة في فرض سيطرة، أو إظهار قوته على مجموعة من الضعفاء أو في احتلال مجتمع آخر، والصفة الشنيعة التي يتصف بها كل من يحمل لواء الاستبداد والظلم والفساد وهي صفة عدم القدرة على التنبؤ بتبعات أفعاله وحلوله دائمًا متصفة بالعنف، فهو لا يستطيع تجاوز فكرة أحقيته بامتلاك مصير وحياة الناس هذا الشعور بنشوة السطوة وتحديد المصائر يقوده إلى إعطاء أوامر تضعه في مواقف عدم فهم ردات فعله، وفي فلسطين من حمل لواء الإعلام من الجيل المعاصر، وعندما نتكلم عن الجيل المعاصر نتكلم عن جيل ما بعد الاحتلال فتوجه أحدهم لمجال الإعلام في مجتمع محتل سطوة الجلاد فيه لا تعرف أي نوع من أنواع الالتزامات الاخلاقية تجاه الإنسان هو في النهاية وجد المبرر لايجاد حق له على أرض لا يملكها كيف سيجد اعتبارات انسانية لمن يقتل ويهجر ويأسر، ذلك التوجه لنقل الحقيقة كان لا بد عن أن يتبعه وعي بالضريبة التي يمكن أن يدفعها وأن يفهم حجم تلك المسؤلية التي على عاتقه وسيعرف بمرور الوقت أهمية ما يعمل فهو سيرى كل أنواع الألم الذي يعيشه من أراد أن يظهر وجعه وبمرور الوقت ستصبح تلك الأوجاع هي وقود استمراريته مع أنه يعلم جيدًا حجم التهديد المحيط به شيرين أبو عاقلة التي حملت هذا العبء لأكثر من 20 عامًا بجملة فهم معناها العالم بعد رحيلها – ربما لا أستطيع تغيير الواقع، لكن على الأقل تمكنت من إيصال ذلك الصوت إلى العالم – من المؤكد أنها فهمت تلك المعاني جيدًا، بل تشبع وعيها بتلك التضحية التي تقدمها فهي لم تكن مجرد ناقلة لحقائق مجتمع غريب عنها، بل كانت تنقل واقع حياتها هي كانت تزور أهل الشهداء والأسرى الذين كانوا ربما جيرانها بعض الأحيان، لذلك كان على المجتمع أن يجد ذلك القدر من الاحترام والتقدير الذي يقدمه لتلك الإعلامية هو كاد يكون يراها كل يوم ويسمع صوتها تنقل الحدث حتى طُبعت صورتها في عقله ووجدانه يعرف تفاصيل وجهها بدقة لكثرة رؤيتها بالتلفاز، فالمجتمع يشعر بذلك الشعور بالمسؤولية تجاهها فهي جزء منه قد يراها في الشوارع والأحداث وينظر اليها تلك النظرة المتسائلة التي تقول إنها فعلًا إنسانة مثلنا؟ فهي طبعت في عقل متجمعها ذلك الإنسان الخارق الذي ينقل الحقيقة وسط الحروب والعدوان، فكيف لمجتمع تقبل رحيلها بتلك البساطة كيف له أن يتقبل رحيل البطل الذي لطالما كان شخصية مجتمع لا يمكن لأحد المساس به سيهزم أعداءه دائمًا، وحتى بعد التعرض للضرب والتعذيب ينهض باستمرار، ويستمر في أداء واجبه، إلا أن هذه المرة بطل المجتمع الفلسطيني رحل ولن يعود – وسيبقى أمل أن يكون البطل على قيد الحياة وسيعود بأي وقت – وبالرغم من رحيله، ولكنه أبقى شخصية البطولة داخل كل من سمع و آمن أنه خارق، أبقى معاني المسؤولية تجاه العدل والحقيقة في نفوس من تربوا على بطولته، وأن معاني بطولته قد اكتملت بعد رحيله فهو خلَّد اسمه في ذاكرة أهله ومجتمعه والعالم وهنا تكتمل صورة البطولة، أما قاتل شيرين ستبقى اللعنة تلاحقه حتى آخر مؤمن ببطولتها، وكما قلت في البداية هو غبي جدًا عنجهيته تغيبه عن فهم تبعيات أفعاله هو ظن أنه سيسكت الحقيقة، أو أنه سيخيف أبطالًا آخرين حملوا اللواء مع شيرين، ولكنه بفعلته أكمل لنا صورة البطل الذي سيريد الجميع أن يحمل فكرته، وأن ينضم لأكاديمية الأبطال التي خرجت منها شيرين نقل الحقيقة وجرم المحتل، بجرمه ذكرنا بأنه لا يملك مرجعية أخلاقية تردعه عن فعل ما هو أعظم من قتل الأبطال، بفعلته أعاد لنا ذكريات الدرة وأنه نفس المشهد بشخصيات مختلفة مهما حاول إنكار أنه الفاعل فهل يهم فعلًا أن يعترف وهو لم يعترف باحتلال أرض فهل يعترف بقتل من يعيش عليها ستقبى شيرين أبو عاقلة ناقلة الحقيقة مراسلة الجزيرة صوت الحق الذي أرعب كيان محتل بجيوشه وعتاده لم يجد حلًا إلا اغتيالها، وستبقى تذكِّر ذلك المحتل بأن الحقيقة واضحة، ولا يخفي الحقيقة إلا من لا يملكها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد