حتى نهاية القرن الثالث الهجري لم يكن الصدام الطائفي الشيعي السُني قد اشتعل؛ إذ لم يذكر لنا التاريخ قيام فتن وصدامات تسبب فيها اختلاف العقائد بين الطرفين. لم تعرف الشيعة في القرن الرابع الهجري الاضطهاد سوى في بغداد، وكان اضطهادهم من جانب الحنابلة، أما في خارج بغداد فكانوا في أحسن حال، فكان الحمدانيون في حلب والموصل شيعة، وبنو مزيد حكام الحِلّة شيعة، وكانوا أكثرية في بلاد فارس في عهد البويهيين، وكان الفاطميون حكام مصر والشام والمغرب العربي، بل وكان يُخطب للخليفة الفاطمي في مكة والمدينة عوضًا عن الخليفة العباسي.

لكن انقلب الحال إلى اضطهاد الشيعة في الدولة الإسلامية ككل في القرون الخامس والسادس والسابع الهجريين – ثم خفَّ الاضطهاد بعد ذلك -، ومن هنا ينشأ تساؤل هام عن سبب ما حدث من اضطهاد للشيعة في عموم بلاد الإسلام في تلك القرون، وسبب التشكك في عقيدة الشيعة إلى يومنا هذا.

القرامطة والحشاشون خوارج وليسوا شيعة

كان مما يجمع الخوارج القدماء أنهم كفَّروا سيدنا عليّ بن أبي طالب، فلم يكن هناك أدنى احتمال للالتباس بينهم وبين الشيعة، ولا إلى زيادة التطرف ضد الشيعة للتشكك في كونهم خوارج.

إضافة للشيعة الإمامية، والشيعة الزيدية اللتين تحدثنا عن عقائدهما في مقالين سابقين، توجد طائفة تُعرف بالشيعة الإسماعيلية‏ (الفاطميين)؛ يدعون إلى إمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.‏ وكان انشقاق طائفتين من الخوارج عن الشيعة الإسماعيلية أثره في زيادة معاناة الشيعة عمومًا طوال القرون التي عاث فيها هؤلاء فسادًا، وما زال يوجد من يخلط بينهم وبين الشيعة إلى وقتنا هذا.

القرامطة

القرامطة هم فرقة من الخوارج، كانوا من الشيعة الإسماعيلية، ثم انشقوا عن الفاطميين الإسماعيلية أواخر القرن الثالث الهجري، بعد أن أعلن ‏عبيد الله المهدي أنه إمام من نسل محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فرفضوا إمامته، ‏وقطعوا علاقتهم به، وأقاموا لنفسهم دولة بالبحرين، وعُرفوا باسم القرامطة نسبة إلى أمرائهم.

ولعله لم تبلغ فرقة من الخوارج درجة من الفسق وانتهاك الحرمات مثلما فعلت القرامطة، ‏حتى وصل الأمر إلى سرقة أهل مكة والإغارة على الحجاج، وانتزاع الحجر الأسود من ‏الكعبة سنة 317هـ، وخلع أستار الكعبة، ولم يُعِد زعيمهم أبو طاهر القرمطي الحجر ‏وأستار الكعبة إلا سنة 339هـ، بعد تهديد الفاطميين الذين أعادوا موسم الحج لما كان ‏عليه، وكان يُخطب لهم بمكة طيلة قرنين من الزمان بدلًا من العباسيين. لكن كان ‏القرامطة يضايقون حجاج العراق ويمنعونهم من الحج، وكانوا من أهم أسباب اضطهاد حنابلة بغداد للشيعة الإمامية بالمدينة. بدأ الضعف يسري في القرامطة منذ نهاية ‏القرن الرابع الهجري، ثم بادوا.‏

الحشاشون (الباطنية)

في مطلع القرن الخامس الهجري انفصلت عن الشيعة الإسماعيلية (الفاطميين) فرقة من الخوارج، تحدثنا عنها مطولًا في مقال «هل يجوز تكفير الخوارج؟2». تعتبر تلك الفرقة سببًا رئيسًا في الالتباس الحادث لدى كثير من السُنة حول الشيعة، وسببًا لتشككهم في عقائد الشيعة.

هؤلاء الخوارج هم الحشاشون ASSASINs أو الإسماعيلية النزارية أو الإسماعيلية من باب التخفيف؛ فهم منشقون عن الإسماعيلية – ودائمًا ما تسبب هذا التخفيف في الالتباس بين الشيعة الإسماعيلية والخوارج الإسماعيلية النزارية -. اُشتُهروا بين العامة باسم الباطنية. واتفق أهل الإسلام على كفرهم رغم عدم تكفير علماء المسلمين فرق الخوارج الأُول.

تمركزهم كان في بلاد فارس. وكانوا يُستأجرون للقيام بالاغتيالات السياسية عن طريق مباغتة الضحية بخنجر بعد التربص به، وعُرِف عن قادتهم أنهم يُعطونهم مخدر الحشيش بكميات كبيرة حتى يدمنوه، ويكون من السهل التأثير عليهم والانقياد لهم لتنفيذ ما يؤمرون به من عمليات. وبالرغم من عدائهم مع الخلافة العباسية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لها في الشرق كالسلاجقة والخوارزميين، وكذا الزنكيين والأيوبيين، وعدائهم العقائدي والسياسي مع الفاطميين، إلا أن أحدًا لم يستطع استئصالهم بسهولة لأنهم اتخذوا من القلاع فوق الجبال حصونًا لهم، أشهرها قلعة «ألموت» أو «الموت» بالقرب من قزوين.

عمّت البلوى بهم ما بين القرن الخامس والسابع الهجري. وفي القرن الخامس زاد شرهم في بلاد فارس، وقاتلهم سلاطين ووزراء السلاجقة. وفي نهاية القرن الخامس والقرن السادس تسلطوا على الكثير من الأمراء والوزراء وقتلوهم، حيث كثر قتلهم غيلة ونسبة القتلة إلى الباطنية. ووصل الأمر إلى قتل الخليفة المسترشد بالله سنة 529هـ، كما قيل في سبب موت الخليفة الراشد سنة 532هـ ثلاثة أقوال، أحدها أنه سُقي السم ثلاث مرات، والثاني أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في خدمته، والثالث أنه قتله الباطنية وقُتلوا بعده. واختلف المؤرخون كذلك حول قتل الوزير السلجوقي نظام الملك هل قتله أحد الحشاشين أم سلّط عليه السلطان ملكشاه من قتله سنة 485هـ.

وكان للحشاشين بعض قلاع في بلاد الشام، ولكن لم يكونوا مارقين بنفس كيفية ودرجة من في بلاد فارس. كان لهم عداء مع الأيوبيين بالإضافة إلى الصليبيين، وحاولوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي، كما اغتالوا المركيز كونراد من مونفيراتو ملك بيت المقدس الصليبي. قضى هولاكو على الحشاشين بفارس عند الغزو المغولي وأحرق قلاعهم سنة 655هـ، ثم قضى السلطان بيبرس على بقيتهم في الشام واستولى على قلاعهم سنة 671هـ.

بداية الأسطورة.. عداء السلاجقة للحشاشين

ملك السلاجقة بلاد فارس منذ عام 432هـ بعد أن دالت دولة الغزنويين السُنة والبويهيين الشيعة، وكان السلاجقة يعتبرون الحشاشين «الإسماعيلية النزارية – الباطنية» أعدى أعداء دولتهم، ولكن عداء السلاجقة، الذي بدأ من عهد ملكشاه ووزيره نظام الملك، لم يتوقف على النزارية الباطنية، بل عمَّ الشيعة كلهم، فلم يميزوا بين الشيعة الإمامية، وغلاة الشيعة، والباطنية.

يذكر يوسف بكار محقق كتاب «سياست نامه» الذي أودع فيه نظام الملك وزير السلاجقة الشهير خلاصة خبراته السياسية (ص30) «كان نظام الملك يُعد الشيعة أو الرافضة – على حد قوله – والإسماعيلية، سياسيًا ومذهبيًا، من خصوم المملكة، والذين لا سبيل إلى مهادنتهم، وذهب إلى أن أصلهم وأصل المزدكية والخرمدينية واحد. هكذا قضى عمره كله سعيًا في دفعهم. لقد عدَّهم في كتابه – ما أُتيح له المجال وواتته الفرصة – ضالين غواة، ولم يتورع عن سبِّهم وإلصاق كل أنواع التهم بهم، وإن تصرفه مع فقهاء الشيعة في الريّ لنموذج على شدة مسلكه في هذا الأمر. تأمل هذه الرواية: «ولمّا كان عهد ملكشاه الكريم استطاع نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق أن يتبين سر عقيدتهم – أي فقهاء الشيعة -، فأذلَّهم جميعًا، وكان كلما ادّعى أحدهم في الريّ أنه عالم من مثل: حسكا بابويه، وأبي طالب بابويه، وأبي المعالي الأمانتي، وحيدر الزيارتي المكي، وعلي العالم، وأبي تراب الدوربستي، وأبي المعالي بخارجر، وغيرهم من الرافضة، كان يأمر بإصعادهم إلى المنابر حاسري الرؤوس، وأن يُقال لهم باستخفاف ودون أن تُراعى لهم أية حُرمة: أنتم أعداء الدين الذين يلعنون السابقين في الإسلام. إنّ شعاركم شعار الملحدين، آمنوا؛ فكانوا يؤمنون طوعًا أو كرهًا، ويُعلنون نفرتهم من مقالة الرافضة». ومن هذه الخشونة يتضح السبب الذي كان نظام الملك من أجله يضع الشيعة، أيضًا، في مصاف المجوس واليهود؛ من حيث عدم لياقتهم وصلاحيتهم لأن يكونوا في سلك خدمة الدولة» اهـ.

وأقول: إن تلك الرواية وأمثالها تؤكد أن عداء الوزير نظام الملك لم يكن فقط مع الحشاشين الباطنية، بل أيضًا مع غلاة الشيعة ممن يسبُّون الصحابة، وكانت تمتلئ بهم الريّ، وسبق أن نُكبوا سنة 420هـ على يد محمود بن سُبكتكين الغزنوي، ولكن يبدو أن نظام الملك كان يرى الشيعة كلهم غُلاة. ولا يراهم أعداء الدولة فقط، بل أعداء الدين أيضًا.

ومن الإشارات على سوء علاقة نظام الملك بالشيعة عمومًا وليس الباطنية فقط، قصة أوردها ابن الأثير في «الكامل» (ج9، ص111) عن ظروف استوزار أحمد بن نظام الملك سنة 500هـ، وذلك بعد مقتل أبيه نظام الملك بخمسة عشر عامًا. يذكر ابن الأثير «كان سبب قدومه إلى باب السلطان أنه لمَّا رأى انقراض دولة أهل بيته لزم داره بهمذان، فاتفق أن رئيس همذان، وهو الشريف أبو هاشم آذاه، فسار إلى السلطان شاكيًا منه ومتظلمًا» اهـ. وفي زمان كهذا كان الناس يحفظون المودة، ولم يكن والي البلد ليؤذي ابن وزير الدولة السابق لو كانت علاقته بأبيه جيدة.

لكن نظام الملك يورد في كتابه (ص227) ما يمكن أن نلمح فيه تعليلًا لهذا التشدد المذهبي من جهته، حيث كتب تحت عنوان «أعداء الملك والإسلام» ما نصه: «وإذا ما نزلت – والعياذ بالله – بهذه الدولة القاهرة نازلة سماوية، فإن هؤلاء الكلاب يظهرون من أوكارهم ومعاقلهم، ويخرجون على دولتنا بدعوى التشيع، مستمدين أكثر قوتهم ومددهم من الرافضة والخرمية، ولن يألوا جهدًا في بث الشر والفساد والقتل والبدع. إنهم يدّعون الإسلام في الظاهر، لكنهم ينهجون نهج الكفار في الباطن. باطنهم خلاف ظاهرهم، وقولهم عكس عملهم. وليس ثمة من هو ألدّ عداوة لدين محمد عليه السلام، أو أكثر شؤمًا وويلًا على مُلك مولانا منهم في الدولة اليوم، ممن يتسنمون المقامات الرفيعة، ولهم فيها هالة، من يُطلّون برؤوسهم من أقبية الشيعة وليسوا منهم، بل هم في حقيقة أمرهم من هؤلاء القوم (الإسماعيلية)» اهـ. ويوضح محقق الكتاب أن نظام المُلك يعني بهذا الوصف: وزراء ملكشاه الآخرين مثل: مجد الملك القميّ الذي كان شيعيًا، وتاج الملك الشيرازي الذي عُرف بميله إلى الإسماعيلية.

وأقول: إن كلام نظام الملك ظاهره واضح، فهو يرى أن الباطنية، الذين يعنيهم بعبارته «يظهرون من أوكارهم ومعاقلهم»، لأنهم كانوا يعيشون في قلاع فوق الجبال، إن استطاعوا الخروج على الدولة فسيستمدون قوتهم من الرافضة الإمامية، كما أنه يتشكك أن من يدعي التشيع هو حقيقة ليس شيعيًا، بل يحسبه باطنيًا، لكن بما أن نظام الملك من طوس، وبها مشهد الإمام علي بن موسى الرضا، والمفترض أن يميز الإمامية عن النزارية، فربما كانت حقيقة الأمر غير ظاهره، وهو أنه يريد أن ينقل هذا التشكك العام في الشيعة للملك؛ لكون أحد أكبر خصومه السياسيين، وهو مجد الدين القمي، شيعيًا، لكن الغريب أن تاج الملك أبا الغنائم الشيرازي، مستوفي السلطان ملكشاه، ومنافس نظام الملك الأول، هو باني المدرسة التاجية، والتي تم تخصيصها للأشاعرة الشافعية، فهل كان بناؤه تلك المدرسة ردًا على اتهامات نظام الملك له، خاصة وقد شُرع في بناء المدرسة التاجية سنة 480هـ، بعد أقل من عام من إهداء نظام المُلك كتاب «سياست نامه» للسلطان ملكشاه، حيث كان ملكشاه قد أمر سنة 479هـ بضعة من كبار رجال الدولة بكتابة خبراتهم؟ قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج16، ص271) «في سنة 480هـ بُنيت التاجية بباب أبرز، وجُددت على الزاهر مسناة، كان لها أساس قائم، وغُرِس فيه نخل وشجر وسُوِّر عليها، وذلك بأمر السلطان ملك شاه».

على كلٍ، موقف نظام الملك مفهوم في عالم السياسة، ولم يكن هؤلاء المنافسون له يتورعون في المقابل عن السعاية المستمرة ضده. ونظام الملك نفسه الذي كان يُشكك في الشيعة في كتابه، نجده في نفس الكتاب يحكي قصصًا عن الصاحب بن عباد وفخر الدولة البويهي، وعضد الدولة البويهي، ولا يُسيء إليهم.

ولم يكن هذا التعصب قاصرًا على نظام المُلك؛ إذ يبدو أن هذا كان الحال في تلك القرون، في بلاد فارس وبلاد الشام، وأغلب ديار الإسلام، خاصة في مناطق تمركز الخوارج الإسماعيلية الباطنية.

يروي ياقوت الحموي في «معجم البلدان» (ج3، ص116-117) ما فعله التعصب المذهبي بمدينة الريّ، يقول: «أما الريّ المشهورة فإني رأيتها، وهي مدينة عجيبة الحُسن مبنية بالآجر المنمق المحكم الملمع بالزُرقة، مدهون كما تُدهن الغضائر في فضاء من الأرض، وإلى جانبها جبل مشرف عليها أقرع لا ينبت فيه شيء، وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها، واتفق أنني اجتزتُ في خرابها في سنة 617، وأنا منهزم من التتر، فرأيت حيطان خرابها قائمة، ومنابرها باقية، وتزاويق الحيطان بحالها لقرب عهدها بالخراب، إلا أنها خاوية على عروشها، فسألت رجلًا من عقلائها عن السبب في ذلك، فقال: أما السبب فضعيف، ولكن الله إذا أراد أمرًا بلغه. كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل؛ وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم، لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة، وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفيين، ولم يكن فيهم من الشافعية أحد، فوقعت العصبية بين السُنة والشيعة، فتضافر عليهم الحنفية والشافعية – أي تضافروا معًا على الشيعة -، وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يُعرف، فلمّا أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت بينهم حروب، كان الظفر في جميعها للشافعية، هذا مع قلة عدد الشافعية، إلا أن الله نصرهم عليهم، وكان أهل الرستاق، وهم حنفية، يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك، ويساعدون أهل نحلتهم، فلم يُغنهم ذلك شيئًا حتى أفنوهم، فهذه المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية، وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية، وهي أصغر محال الريّ، ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يُخفي مذهبه؛ ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض، ودروبهم التي يُسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك، فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات، ولولا ذلك لما بقي فيهم أحد» اهـ.

وأقول: يبدو أن ياقوت قد وصل الريّ سنة 617هـ، قبل أن يصلها التتر، الذين وصلوها في نفس السنة، وفقًا لابن الأثير، في طلب خوارزمشاه، لأنهم بلغهم أنه مضى منهزمًا منهم نحو الريّ، وفعلوا بها الأفعال التي لم يُسمع بمثلها، وليست بغريبة عليهم. والقصة إن صدقت، هي نموذج لما يمكن أن يصل إليه التعصب المذهبي والعقدي، وليس السياسي، إلا إن كانت دعاوى التشكك في كل شيعي بأنه باطني قد وصلت للعامة!

وفي الريّ أيضًا، وأغلب أهلها شيعة منذ زمن البويهيين، وفي سنة 496هـ، قُتل الواعظ أبو المظفر ابن الخجندي، وهو أشعري شافعي، قُتِل في الجامع، بعدما فرغ من درسه. قيل قتله باطني، بينما قال ابن الأثير «قتله علوي»، أي شيعي إمامي وربما كان يعني أنه علوي النسب بالفعل، وأقول: ربما كان هذا من علامات الخلط الذي شاع في تلك القرون بين الشيعة الإمامية والباطنية، وربما كان من علامات التعصب المذهبي بين أهل الريّ، والذي حكى ياقوت قصة عنه، جرت في القرن السابع. ولكن ابن الأثير كان أكثر دقة عند وصف القاتل سنة 524هـ، حيث قُتِل النائب على سمرقند نصر خان بن أرسلان خان محمد. قال ابن الأثير في «الكامل» (ج9، ص253) «كان بسمرقند إنسان علوي فقيه مدرس، إليه الحل والعقد والحكم في البلد، فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصر خان فقتلاه ليلًا، وكان أبوه غائبًا». فمن المؤكد هنا أن القاتل ليس باطنيًا، كونه فقيهًا مدرسًا. وفي هاتين الروايتين دليل على تعصب مضاد من عوام الشيعة ضد السُنة.

عامة، فإن الفتن بين العوام بسبب المذاهب، كالتي حكى عنها ياقوت، يندر الوقوف على مثلها في هذه القرون – أعني الخامس والسادس والسابع -، مقارنة بما كان عليه حال الحنابلة مع الشيعة الإمامية في بغداد، خاصة في القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، حيث تتابعت الفتن بين العوام تترى، وكانت لا تكاد تنتهي؛ ذلك أن الاضطهاد الذي عانته الشيعة الإمامية خارج بغداد في القرون التي اُبتلي فيها المسلمون بالباطنية – خاصة في القرن السادس – كان على المستوى الرسمي، من السلاطين والأمراء، وليس من العامة. ولا يمكن فهم ذلك الاضطهاد بمعزل عن الحوادث السياسية، حيث تتابع الغزو الصليبي، وعمّ البلاء بالباطنية، وقد سبق ومرَّ بنا عند ذكر فتن الخوارج أمثلة كثيرة لمن قُتلوا من خلفاء عباسيين وسلاطين وأمراء ووزراء وعلماء على أيدي الإسماعيلية النزارية، حتى إنهم قتلوا أحد خلفاء الفاطميين الشيعة، وأحد كبار قواد الجيوش في مصر! فكان من المنطقي أن يضطهد الأمراء من يخشون على أنفسهم وملكهم منهم، ولكن الشيعة الإمامية ظُلموا لأنه نالهم ما نالهم من تطرق الشك إليهم.

ولم يكن الملوك والسلاطين فقط من يخافون أولئك الغجر وأرباب العصابات الذين عُرفوا بالباطنية، بل حتى عوام الناس تضرروا منهم. وسبق أن روينا عند عرض فتن الخوارج بعض ما كانوا يفعلونه مع العامة من خطف وقتل، بل وغزو وسبي. كانت الباطنية الإسماعيلية النزارية هي هاجس الجميع في ذلك العصر، حتى صنَّف الإمام الغزالي كتبًا في هذا الباب، أشهرها كتابه «فضائح الباطنية»، والذي صنَّفه بعد مقتل نظام الملك على أيديهم بعامين، وتحديدًا سنة 487هـ. وأسهم ما كتبه الغزالي في هذا الكتاب وغيره في زيادة التشكك في الشيعة الإمامية، لأن الإسماعيلية النزارية أيضًا يدَّعون التشيع، بينما يتسترون بالتشيع وباطنهم الكفر.

ولا شك أن الوشايات والأحقاد قد لعبت دورًا رئيسيًا في تصفية الحسابات والانتقام، وأن كثيرين ممن اُدعي عليهم أنهم باطنية، لم يكونوا كذلك، وربما لم يكونوا شيعة أيضًا!

ذكر ابن الجوزي في «المنتظم» (ج17، ص74)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (ج16، ص181) «أنه في المحرم من سنة 495هـ قُبض على إلكيا أبي الحسن علي بن محمد الهرّاسي المدرس بالنظامية – الأشعري الشافعي -، فحُمل إلى موضع أُفرد له، ووكل به جماعة، وذلك أنه رُفع عنه إلى السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي بأنه باطني! وكتب أبو الوفاء ابن عقيل –الفقيه الحنبلي المعتدل – خطة له بصحة الدين، وشهد له بالفضل، وخُوطب من دار الخلافة في تخليصه فاُستنقذ».

وحكاية أخرى عن مدرسي النظامية، يرويها ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» (ج5، ص1964)؛ ذلك أن علي بن محمد بن علي الإستراباذي المشهور بالفصيحي، تلميذ الجرجاني، والمتوفى عام 516هـ، «قدم بغداد واستوطنها إلى حين وفاته، ودرَّس النحو بالنظامية بعد التبريزي، ثم اُتُهِم بالتشيع، فقيل له في ذلك، فقال: لا أجحد، أنا متشيع من الفرق إلى القدم، فأُخرِج من النظامية، ورُتِّب مكانه الشيخ أبو منصور الجواليقي، فكان المتعلمون يقصدون داره التي انتقل إليها للقراءة عليه، فقال لهم يومًا: اذهبوا إلى من عُزلنا به» اهـ. وكما نرى فرغم كونه نحويًا مع علو شأنه في النحو، ولا علاقة له بتدريس العقائد والفقه والحديث، لم يشفع له ذلك ليستمر في التدريس بالنظامية. وربما كان عليه أن يحمد الله أن ما نُقِل عنه للسلطان كان تشيعه فقط، وإلا كان تعرض لمحنة إلكيا الهراسي إن قيل عنه باطني.

وفي حوادث سنة 494هـ، ذكر ابن الجوزي في «المنتظم» (ج17، ص62-63) «في هذه السنة، قتل السلطان بركيارق خلقًا من الباطنية ممن تحقق مذهبه، ومن اُتُهِم به، فبلغت عدتهم ثمانمائة ونيفًا، ووقع التتبع لأموال من قُتِل منهم، وكُتِب بذلك كتاب إلى الخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يُظن فيهم ذلك المذهب، ولم يتجاسر أحد أن يشفع في أحد لئلا يُظن ميله إلى ذلك المذهب، وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا، وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب، فيُقصد ويُنهب، حتى حُسِم هذا الأمر فانحسم» اهـ.

وفي حوادث سنة 500هـ، ذكر ابن الأثير في «الكامل» (ج9، ص111) أن «السلطان محمد قبض على وزيره سعد المُلك أبي المحاسن، وأخذ ماله وصلبه على باب أصبهان، وصلب معه أربعة نفر من أعيان أصحابه والمنتمين إليه، أما الوزير فنُسِب إلى خيانة السلطان، وأما الأربعة فنُسِبوا إلى اعتقاد الباطنية» اهـ.

الباطنية في بلاد الشام

كان نشاط الباطنية في بداية أمرهم في القرن الخامس منحصرًا في بلاد فارس، ثم امتد نشاطهم إلى بلاد الشام بدءًا من أواخر القرن الخامس، وتمركز أغلبهم بجانب حلب. وكانت حلب منذ عهد الحمدانيين يغلب عليها التشيع، واستمر هذا غالبًا على سكان المدينة، في عهد آل مرداس وآل عقيل، حتى إن ياقوت الحموي قد قال عنها في «معجم البلدان» إن أهلها يُفتون على مذهب الإمامية.

فلمَّا كثر الإسماعيلية حول المدينة، وتغير حكامها، وصاروا سُنة في وقت كانت الحروب الصليبية مستعرة، كان من المنطقي أن تكون حلب من أكثر المدن التي شمل أهلها من الشيعة التضييق. وكانت الفتن تنشأ من نفس السببين الأساسيين اللذين طالما كانا سبب الفتن بين الشيعة وحنابلة بغداد، وهما إضافة الشيعة عبارة «حي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر» إلى الأذان، والجهر بسب الصحابة.

ومن أشهر من حكموا حلب في ذلك العصر، نور الدين محمود زنكي، الذي حكمها بدءًا من سنة 541هـ، وحتى وفاته سنة 569هـ. وكان حنفيًا باتفاق المؤرخين، كملوك السلاجقة، ولم تُحدد عقيدته (أشعرية أم ماتريدية)، وإن كانت أشعرية على الأرجح، وكان قد أسند التدريس في دار الحديث التي أنشأها في دمشق إلى الحافظ ابن عساكر، وهو أشعري، واستفاد نور الدين زنكي من خريجي المدارس النظامية في التدريس بمدارسه، وعُرف عنه عدم تمييزه بين أهل المذاهب السُنية الأربعة، وإن كان أغلب ما بنى من مدارس كان للأحناف والشافعية، كون أغلب أهل السُنة منهم.

وبما أن الإسماعيلية الباطنية يحيطون بمدينته، ويمثلون أحد الخطرين الكبيرين عليها؛ هم والصليبيين، فإنه بعد دخول زنكي حلب بعامين، وبعد استتباب الأمور له، بدأ في اتخاذ إجراءات تظهر الوجه السُني لدولته. في سنة 543هـ، منع الشيعة من الأذان على الطريقة الشيعية، وأنكر الجهر بسب الصحابة، مما اعتبرته الشيعة تضييقًا عليهم. وبعد وفاته في شوال سنة 569هـ، تولى ابنه الصالح إسماعيل، وحدثت فتنة كبيرة بين السُنة والشيعة بالمدينة، بعد وفاته.

وفقًا لابن العديم في «بُغية الطلب في تاريخ حلب»، فإن الفتنة وقعت في حلب بين السُنة والشيعة بعد وصول الكتاب من دمشق إلى شاذبخت والي قلعة حلب بموت نور الدين زنكي، وأخذه البيعة للصالح إسماعيل. وكان الأمر أشبه بإعلان عصيان وتمرد من جانب الشيعة، وعلى رأسهم كبيرهم القاضي ابن الخشاب، خاصة وقد ترك نور الدين ولدًا واحدًا صغيرًا لم يبلغ الحُلُم.

يقول ابن العديم (ص1823) عن أسبابها: «وكان شمس الدين علي بن محمد ابن داية نور الدين بقلعة حلب مع شاذبخت، وكان قد حدَّث نفسه بأمور، واختلفت كلمة الأمراء، وتجهز الملك الناصر صلاح الدين من مصر للخروج إلى الشام، وطلب أن يكون هو الذي يتولى أمر الملك الصالح وتدبير ملكه وتربيته، ووقعت الفتنة بين السُنة والشيعة بحلب، ونهب الشيعة دار قطب الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين أبا يعلى ابن أمين الدولة، ونزل أجناد القلعة من القلعة، وأمرهم ابن الداية أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشاب، فزحفوا إليها ونهبوها، فاختفى ابن الخشاب» اهـ. ثم إن الملك الصالح إسماعيل قدم من دمشق إلى حلب، في المحرم من سنة 570هـ، وظهر القاضي أبو الفضل ابن الخشاب، وركب في جمع عظيم إلى القلعة، وصعد إليها والحلبيون من أتباعه تحت القلعة، فقُتِل – أي ابن الخشاب – في القلعة، وتفرّق من كان تحت القلعة منهم، وقُبِض على أبناء الداية الثلاثة، وكانوا السبب في تصاعد الفتنة من جانب السُنة، وأُودِعوا السجن.

وظل للإسماعيلية النزارية تمركزهم بجوار حلب. ولم يُخالف الصالح إسماعيل سيرة والده نور الدين محمود في محاربتهم، وإن كان قد خفَّف على الشيعة الإمامية بالمدينة. فهذا ما كان من أمر حلب.

الأيوبيون والإسماعيلية

ينقل محمد جمال الدين سرور في كتابه «تاريخ الدولة الفاطمية» (ص89-90) عن أبي المحاسن ‏في «النجوم الزاهرة» ما فعله دعاة الحاكم بأمر الله الذين قدموا إلى مصر من بلاد فارس، حمزة بن علي ‏الزورني، والفرغاني المعروف بالأخرم، والبخاري الدُرزي، في أواخر عهد الحاكم، من المغالاة فيه، ‏والدعوة إلى تأليهه، والتي استمرت سرًا من سنة 405هـ، وحتى 408هـ، حيث كان حمزة بن علي ‏أول من جهر بها سنة 408هـ، واجتمع إليه طائفة من متطرفي الشيعة، ولم تلق تلك الدعوة ‏ترحيب السُنيين والمعتدلين من الشيعة، وأنهم استطاعوا قتل الأخرم، وكادوا يقتلون الدُرزي، ولكن ‏الحاكم دبّر له الفرار، وأمره بالمسير إلى الشام، ونشر دعوته في الجبال، وأتباعه بها هم الدُرزية. ‏وانتهى الأمر باختفاء مريب للحاكم، يعتبر سرًا من أسرار التاريخ. وكانت هذه الدعوة أول ‏الحركات الباطنية التي اُبتُلي بها المسلمون بدءًا من مطلع القرن الخامس.

يمكن القول إنه رغم أن التشيع الإسماعيلي كان قد وجد له تربة خصبة في مصر لقرنين من الزمان طوال فترة حكم الفاطميين، إلا أن العكس كان صحيحًا بالنسبة للإسماعيلية النزارية، فانتشرت الباطنية في بلاد فارس وبلاد الشام، بينما لم تجد لها في ‏مصر أرضًا خصبة‏. لكن هذا لم يمنع أن تُحارب الشيعة الإسماعيلية أيضًا مثل باقي فرق الشيعة في تلك القرون التي استفحل فيها أمر الباطنية.

اتخذ صلاح الدين الأيوبي خطوات كثيرة للقضاء على التشيع الإسماعيلي الذي كان قد انتشر بمصر منذ زمن الفاطميين، فقطع الخطبة للخليفة الفاطمي العاضد، وعطَّل خطبة الجمعة في الأزهر، واستمرت معطَّلة مائة عام، وأتلف وحرق كتب الإسماعيلية، وألغى أعيادهم، وأبطل عملاتهم، وكان من الطبيعي ألَّا يميز بين إمامي وإسماعيلي في مصر، فكلهم أعداؤه. ومن أشهر الحوادث التي جرت:

  • سنة 566هـ، عزل صلاح الدين القضاة الشيعة في مصر واستناب قضاة شافعية.
  • سنة 569هـ، صلب صلاح الدين الأيوبي جماعة من الحاشية، لتآمرهم لإعادة الحكم الفاطمي، كما حاولوا الاتفاق مع الفرنجة، وفيهم الشاعر عمارة اليمني وهو سني شافعي، لكنه موالٍ للفاطميين لإحسانهم إليه.
  • كانت هناك محاولة ثانية لإعادة الحكم الفاطمي من جماعة صغيرة من العوام الشيعة، عِدّتهم اثنا عشر رجلًا، وذلك سنة 584هـ.

والقارئ للمؤرخين ممن دوّنوا تاريخ مصر في عهد الأيوبيين، يتلمّح بين السطور أن كثيرًا من المصريين لم يكونوا راضين عن حكمهم، واعتبروهم مغتصبين للخلافة من الفاطميين، وكانوا راغبين في إعادتها، وربما كان لإرهاق الأيوبيين المصريين بالضرائب لأجل الجهاد وبناء قلعة الجبل والسور حول القاهرة أثر في ذلك، وربما كان بسبب انتشار عقيدة الشيعة في البلاد بعد أكثر من قرنين من حكم الفاطميين، وكانت المدارس أيضًا سبيلًا للأيوبيين في نشر التسنن مرة ثانية في مصر، وإعادة المصريين لمذهبي الإمامين الشافعي ومالك.

والأيوبيون تحديدًا حاربوا كل أشكال التشيع، إماميًا كان أو إسماعيليًا أو زيديًا. يخبرنا المؤرخون أن الأيوبيين قد دخلوا معارك متوسعة مع الشيعة في اليمن. ففي سنة 569هـ، ملك شمس الدولة تورانشاه بن أيوب، وهو أخو صلاح الدين الأكبر، زُبيد وغيرها من بلاد اليمن، فاحتل عدن، وقلاع تعز والنعكر والجَنَد وغيرها.

وتابعهم المماليك الذين خلفوا من بعدهم في محاربة التشيع بالطرق ذاتها، كإقامة المدارس لتدريس المذاهب السُنية والعقيدة الأشعرية، وأيضًا تولية المناصب وأهمها القضاء. يحكي الإمام ابن حجر العسقلاني في «الدُرر الكامنة» (ج2، ص46) عن الإمام جلال الدين ابن شواق الإسنائي، أنه تعرض لمكيدة من بعض الحُسّاد، فدسّوا عليه من رماه بالتشيع، ومن القصة يتضح أن من كان شيعيًا، في بداية عصر المماليك، كان يلزمه أن يُقرّ بالشهادتين ويُظهر التوبة من الرفض.

لكن هذا لا يعني أن كل من كان يُضطهد في تلك القرون كان لشك في كونه من الباطنية، فهذا من التلبيس، ولا أدعيه، وهناك من الشيعة الإمامية من اُضطهد لأسباب سياسية أخرى، وكرد على ما كان قد تقدم منهم. على سبيل المثال:

  • سنة 547هـ، قُتِل الأمير سيف الدين الغوري، حاكم غزنة. قال ابن الأثير (ج9، ص376) «ثار أهل غزنة على سيف الدين الغوري، فأخذوه بغير قتال، وكان العلويون هم الذين تولوا أسره، ثم إنهم سوَّدوا وجه سيف الدين، وأركبوه بقرة، وأطافوا به البلد، ثم صلبوه، وقالوا فيه أشعارًا يهجونه»، مما تسبب في انتقام أخيه علاء الدين له، وأخذ العلويين الذين أسروا أخاه فألقاهم من رؤوس الجبال. علمًا بأن سيف الدين لم يحكم المدينة سوى مدة يسيرة لا تستحق أن يفعلوا به ما فُعِل.
  • سنة 558هـ، أمر الخليفة المستنجد بالله العباسي بإهلاك بني أسد، أهل الحِلّة المزيدية. وهم من الشيعة الإمامية، فقُتِل منهم أربعة آلاف قتيل؛ وذلك لمساعدتهم السلطان محمد لمّا حاصر بغداد.

أما في المغرب العربي، فكان السُنة قد ضجّوا من تعصب الفاطميين الإسماعيلية ضدهم، كونهم فعلوا من الأفاعيل ما يملأ الكتب، حتى إنهم منعوا الإفتاء على مذهب الإمام مالك، وهو أكثر المذاهب انتشارًا في المغرب العربي، وكانوا يمنعون علماء السُنة من التدريس، ويتلفون كتبهم…، وقد استطاع السُنة أن يتمردوا عليهم، وينفصلوا عنهم، ثم في سنة سبع وأربعمائة تمت إبادة الشيعة في أفريقية، وكان هذا في عهد المعز بن باديس، ثم أتى ابن تومرت بعده بزمان، وكما حدث في المشرق حيث خلط حكام المسلمين السُنة بين الإمامية والإسماعيلية، فانتقموا منهم جميعًا، فقد تكرر المشهد في المغرب العربي.

وما زال المتشددون من السُنة، على اختلاف عقائدهم، يعتقدون نفس الاعتقادات التي سادت عن الشيعة في القرون التي استفحل فيها أمر الباطنية، حيث يظنون أن كل شيعي هو باطني، وبالضرورة له اعتقادات يخفيها، يلزم منها كفره!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد