كان من أهم آثار حدوث الفتنة الكبرى بين المسلمين تصدُع وحدتهم، وانقسامهم إلى حزبين كبيرين، ثم في مرحلة لاحقة ظهر تصنيف السُنة والشيعة، والذي أسهم العباسيون في نحته وبلورته لاحتياجهم إليه لرفع أسهمهم أمام أسهم منافسيهم السياسيين من العلويين، رغم أن ذرية آل البيت لم تكن بالضرورة على عقائد ومذاهب الشيعة.

وطوال التاريخ الإسلامي حدثت من الفتن بين الشيعة والسُنة ما يستحيل إحصاؤها، وكان اختلاف العقائد سببًا رئيسيًا فيها، لا يقل أثره عن الدور الذي لعبه السياسيون والذي تحدثنا عنه في مقال «لعبة الدين والسياسة».

عقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كان ولا زال أكبر اضطهاد تجده الشيعة من جانب الطائفة المنسوبة للسُنة التي شطّت عقديًا وفقهيًا حتى وصلت إلى تكفير المخالف، وهي تلك الفرقة من غُلاة الحنابلة التي أصبحت تُطلق على نفسها في العقود الأخيرة اسم السلفية. وكان السبب الرئيسي في إحداثهم الفتن هو تطبيق الحنابلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشقيه الاجتماعي والعقدي باليد؛ فكانوا يطبقونه –ولا زالوا- في الإنكار والاحتساب على عقائد الفرق الأخرى مما أدى لمصادمات عديدة بينهم وبين غيرهم من المسلمين.

قال ابن حزم في «الفِصل» (ج5، ص19): «اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم. ثم اختلفوا في كيفيته»أهـ.

وإن كان الحنابلة أكثر الفرق التي طبّقت الأمر والنهي باليد، على العكس من رأي الإمام أحمد بن ‏حنبل!، ‏فقد أخذت الشيعة الإمامية في المقابل برأي أبي بكر الأصم المعتزلي –والذي خالف فيه ‏عامة المعتزلة- في ألّا يكون الأمر بالمعروف باليد، إلا إن ظهر الإمام –المهدي- فيجب عليهم ‏سل السيوف معه، رغم أن هذا مخالف لقول وفعل الإمام عليّ في كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن ‏المنكر، والذي كان يرى وجوبه باليد!

وكانت ممارسات الحنابلة في تطبيق الأمر والنهي خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين أشبه بممارسات أرباب العصابات وقُطّاع الطرق، وحكى لنا التاريخ عن جماعات المطوعة التي نشأت أول مرة ببغداد، وكان من أشهرها جماعة عبد الصمد. وكان لأبي محمد الحسين بن علي بن خلف البربهاري الحنبلي، والذي كان قائد الحنابلة بدءًا من سنة 296هـ وحتى وفاته سنة 329هـ، دور في فتن كثيرة رغم شهادة المؤرخين له بحسن الديانة. كان البربهاري أول من طبّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عقائد الفرق الأخرى بتلك الطريقة الهمجية التي لا تقرب من قريب أو بعيد لنهج الإمام أحمد بن حنبل، والذي كان من أبعد الناس عن العنف وإثارة الفتن رغم كل ما مر به من محنة طويلة. وبسبب البربهاري وجماعات المطوعة حدثت فتن كثيرة ببغداد خاصة، وبمراجعة كتب التاريخ الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجريين تحديدًا نجدها مليئة بذكر أخبار الملوك والحروب في كل بلاد الإسلام، إضافة إلى ذكر الفتن ببغداد بين الحنابلة والشيعة، وكأنه لا فتن بين العوام على ظهر الأرض إلا ببغداد.

ويذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (ج 18، ص546-548) في ترجمته لأحد أعلام الحنابلة؛ وهو الشريف أبي جعفر عبد الخالق بن أبي موسى عيسى العباسي ‏الهاشمي، المولود سنة إحدى عشر وأربع مائة، وهو أكبر تلامذة القاضي أبي يعلى «وقال أبو الحسين ابن الفراء: لزمته خمس سنين، وكان إذا بلغه منكر عظم عليه جدًا، وكان شديدًا على المبتدعة، لم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه يقمعونهم، ولا يردهم أحد»، وقال ابن النجار: «كان منقطعًا إلى العبادة ‏وخشونة العيش والصلابة في مذهبه، حتى أفضى ذلك إلى مسارعة العوام إلى ‏إيذاء الناس، وإقامة الفتنة، وسفك الدماء، وسب العلماء فحُبس»أهـ. وأقول: وتراجم الحنابلة مليئة بمثل هذا النموذج مثل إسحق العلثي وعبد الغني المقدسي.

وكان هذا نهج تلك الفرقة أينما كانوا، بل وعُرِف عن عامتهم المسارعة في أذى العلماء والأئمة المخالفين لهم، وكم جرت للوعّاظ، بل لكبار أئمة المسلمين محن بسبب تلك الفرقة، ليس هنا موضع التفصيل فيها.

ولا شك أن بعض عقائد الشيعة الإمامية كانت سببًا في إثارة الفتن، كما أن للحنابلة تحديدًا عقائد لا تقل كارثية وانفرادًا عن باقي المسلمين سُنة وشيعة. وكل فرقة منهما –الشيعة الإمامية والحنابلة- لديها ما تُخطِّئ به الأخرى وفقًا لعقيدتها إن أرادت النبش وإثارة الضغائن؛ لذا ينبغي التنبيه على أن اليد الأولى التي كانت تشعل الفتن كانت في بعضها يد الحنابلة، وفي البعض الآخر يكون إشعال الفتيل بيد الشيعة؛ بالرغم من ذلك كان للحنابلة النصيب الأكبر من إشعال الفتن قياسًا بالإمامية بسبب الخلاف بين الفرقتين في كيفية تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أوضحنا.

أما الشيعة الزيدية فترى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون باليد، ويظهر هذا في مجتمعهم المتحفظ الشديد الانضباط في اليمن، كما يظهر أيضًا في الجهاد ضد الأئمة الجائرين، فهم يوجبونه بالسيف. لكن كان موضع أغلب الفتن القديمة التي حكى عنها مؤرخو الإسلام بين عوام السُنة والشيعة هو بغداد، وكانت تحديدًا بين الحنابلة والإمامية، لكون الزيدية لا يكثرون بالعراق حيث مركز الحنابلة القديم، ولكون عقائد الزيدية لا تثير حفيظة الحنابلة ولا يعدونها بدعًا كما هو الحال بالنسبة لعقائد الإمامية. ولكن مؤخرًا أصاب الزيدية نصيب من فتن الحنابلة الوهابية، حتى دمّروا اليمن، ولنا عودة معها عند الحديث عن المهدي.

أهم أسباب الفتن المنسوبة إلى الشيعة

بمراجعة أهم ما وقع من فتن في التاريخ الإسلامي القديم والحديث كان الشيعة هم المتسببون فيها نجد أسبابها كلها تدور حول القول بتحريف القرآن وسب الصحابة وإقامة شعائرهم وعدم الولاء للخليفة في زمن الخلافة، كما كانت تنشب الفتن أحيانًا بسبب مغالاة الشيعة في سيدنا عليّ وغيره من أئمتهم. ولم توجد فتن قام بها عوام الشيعة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محاولةً منهم لتغيير سلوكيات السُنة التي يخالفونهم فيها الاعتقاد.

وبالرغم من أن عقيدة الشيعة في صفات الله تعالى تنزيهية أقرب لعقائد عموم أهل السُنة من الأشاعرة والماتريدية، وأن الحنابلة كانت عقيدتهم في الله مثقلة بالتجسيم والتشبيه، فإن التاريخ لا يحكي لنا ولو مرة واحدة أن ذلك قد تسبب في أي من الفتن التي حدثت بين الفرقتين رغم التباين الواسع بينهما في اعتقادهما في صفات الله.

أما فقهيًا فهناك مواطن خلاف صالحة أن تكون سببًا في إثارة الفتن، كإجازة الشيعة الإمامية زواج المتعة. وإن كنت لم أقع على فتنة ذكرها المؤرخون قامت لذلك السبب.

  • التحرش السُني الشيعي بسبب إقامة شعائر خاصة بكلا الطائفتين

حدثت بين الفرقتين؛ الشيعة الإمامية والحنابلة، مئات الفتن ملأت أسطر كتب المؤرخين ممن دوّنوا تاريخ الإسلام بدءًا من زمن ظهور الحنابلة نهاية العصر العباسي الذهبي. كما حدثت أيضًا فتن بين الشيعة الفاطمية الإسماعيلية مع أهل السُنة في المغرب العربي ومصر والشام.

ذكر الذهبي في «السير» (ج16، ص250)، في ترجمته لعضد الدولة البويهي «أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال»أهـ، حيث يُنسب إلى عضد الدولة اختراع مواسم الشيعة في عاشوراء والغدير، لكن هذه المواسم وإن مرّت على خير في البداية إلا أنها قد تسببت بعد ذلك في اشتعال الفتن مع الحنابلة بدءًا من سنة 363هـ، حتى وصل الأمر أن أظهر السلفية بدعًا مقابلة!!

فبعد سكوت طويل من الحنابلة ببغداد دام عشرة أعوام عمّا اعتبروه بدعة ابتدعها الشيعة في عاشوراء والغدير، قرروا سنة ثلاث وستين وثلاثمائة أن تكون لهم بدعهم الخاصة للتحرش وإثارة الفتن. يذكر ابن كثير في ‏«البداية والنهاية» (ج15، ص344) «فيها -يعني في عاشوراء- عُملت البدعة الشنعاء على ‏عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السُنة والروافض، وكلا الفريقين ‏قليل عقل بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من السُنة أركبوا امرأة ‏وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب ‏علي بن أبي طالب. فقُتل من الفريقين خلق كثير». ويذكرها ابن الأثير في ‏»الكامل» (ج7، ص340)‏ في حوادث تلك السنة -363هـ- أنه «وقعت فتنة عظيمة بين السُنة والشيعة ببغداد، وحمل أهل ‏سوق الطعام -وهم من الحنابلة- امرأة على جمل وسموها عائشة، وسمى بعضهم نفسه ‏طلحة، وبعضهم الزبير، وقاتلوا الفرقة الأخرى، وجعلوا يقولون: نقاتل أصحاب ‏على بن أبي طالب، وأمثال هذا من الشر»‏أهـ.

ومثلما فعل الشيعة الإمامية ببغداد من استحداث الاحتفاء بذكرى كربلاء وعيد الغدير، تابعهم الفاطميون الإسماعيلية في إظهار تلك الشعائر بمصر، فتسببت أيضًا في حدوث اضطرابات وفتن بين العامة من السُنة الذين كانوا غالبين في أهل مصر زمن دخول الفاطميين.

كان المعز الفاطمي قد انتقل للقاهرة سنة 362هـ، وفي 18 ذي الحجة من نفس العام احتفل الشيعة ومن معهم من المغاربة بغدير خُم. ينقل محمد جمال الدين سرور في كتابه «تاريخ الدولة الفاطمية» (ص77) عن المقريزي في «اتعاظ الحنفا» الحوادث المترتبة على إقامة تلك الشعائر التي تكاد أن تقترب من حد الفتن؛ حيث كان يقترن بها في كثير من الأحيان اعتداءات الشيعيين والمغاربة على المصريين السُنة، حتى إن جوهر الصقلي خرج بنفسه ليحول دون تماديهم في الاعتداء على أموال الأهالي في احتفالهم بالغدير (18 ذي الحجة 362هـ)، كما تعطلت حركة الأسواق وقامت القلاقل بسبب اعتداءات الشيعة والمغاربة على من لم يشاركهم من المصريين النوح في مواكبهم في عاشوراء سنة 363هـ.

ولم يكن السُنة المصريون حملانًا وادعة، فقد استحدثوا مكايدة للشيعة في 26 ذي الحجة سنة 362هـ احتفالًا لا أساس له، بذكرى دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم غار ثور هو وأبي بكر الصديق، أثناء رحلة هجرتهما إلى المدينة!! علمًا بأن رحلة الهجرة بدأت في أواخر صفر، ودخول الرسول وصاحبه المدينة كان في ربيع الأول! ولم يمنعهم الفاطميون من إقامة هذا الاحتفال المزعوم الذي اختاروا موعده مكايدة بين موعديّ احتفال الشيعة بالغدير أواخر ذي الحجة ونواحهم في عاشوراء أوائل المحرم!، وكان لحنابلة بغداد نفس رد الفعل باستحداث نفس المناسبة!

ولم تكن تلك البدع الأولى والأخيرة التي ابتدعها الحنابلة لمناكدة الشيعة، ولو كانوا صادقين ما ابتدعوا ووقعوا في نفس ما يقع فيه الشيعة ويعيبونه عليهم، ولكن كلا الفريقين قليل عقل كما وصفهم صادقًا ابن كثير. وعلى سبيل المثال، يحكي ابن كثير في ‏«البداية والنهاية» (ج15، ص466)‏ أنه –وبعد سنوات من حادثة تمثيلية موقعة الجمل- «في المحرم من سنة 386هـ كشف أهل البصرة –من الحنابلة- عن قبر عتيق، فإذا هم بميت طري، عليه ثيابه وسيفه، فظنوه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه، واتخذوا عند قبره مسجدًا، ووُقفت عليه أوقاف كثيرة، وجُعل عنده خُدام وقُوام وفُرش وتنوير»أهـ. وذكر الخبر ابن الجوزي في «المنتظم».

  • عقيدة الإمامة وسب الصحابة

أما عن عقيدة الشيعة في الإمامة، يقول الإمام ابن حزم في «الفِصل» (ج4، ص156): «وأما القائلون بأن الإمامة لا تكون إلا ‏في ولد علي رضي الله عنه فإنهم انقسموا قسمين. فطائفة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصّ على عليّ ‏بن أبي طالب أنه الخليفة بعده، وأن الصحابة بعده عليه السلام اتفقوا على ظلمه، وعلى كتمان ‏نص النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء المسلمون الروافض –يعني الإمامية-، وطائفة قالت لم ينص النبي صلى ‏الله على عليّ لكنه كان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالأمر، وهؤلاء هم الزيدية، نُسبوا ‏إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب»أهـ. وأما الشيعة الإسماعيلية فهم أشبه في عقائدهم بالإمامية، ولكنهم يدعون إلى إمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.

فبالنسبة للإمامية تُعتبر عقيدة الإمامة العقيدة الرئيسية التي ينبني عليها مذهبهم، فهم يعتقدون أن إمامة المسلمين في سيدنا علي بن أبي طالب، وأبنائه الاثني عشر المنصوص عليهم من بعده. ومن عداهم ممن يتولى أمر المسلمين هو مغتصب للخلافة، وهم يعتقدون بعصمة الأئمة الاثني عشرية، ويبجلونهم أيما تبجيل، وبالتالي قد يؤدي هذا بكثيرين منهم إلى سب الصحابة، كونهم لم ينصروهم وسلبوهم حقهم، وكانت هذه العقيدة المعروفة عنهم سببًا في إثارة كثير من الفتن. فإما أن يسب الشيعة الإمامية الصحابة فتبدأ الفتنة، أو يُسيِّر الحنابلة المداحين والمنشدين والوعاظ لمدحهم والاحتكاك بالشيعة لتشتعل الفتنة. وكثيرًا ما كانت الحنابلة تتشكى وتفتعل الفتن عندما يمدح الشيعة آل البيت، أو يكتبون ذلك على أبواب مساجدهم وبيوتهم، أو ينوحون في عاشوراء على الحسين، أو يحتفلون بذكرى غدير خُم، فيثورون لمنعهم وفقًا لعقيدتهم في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد.

كما حدثت فتن أيضًا بسبب إشاعة الفاطميين سب الصحابة في بعض الفترات، خاصة زمن الحاكم بأمر الله، مثل الذي حكاه المقريزي في «الخطط» (ج2، ص341) في حوادث سنة ‏‏395هـ.

وعلى ذكر الحاكم بأمر الله، والذي غالى فيه بعض أتباعه ودعوا إلى تأليهه، وقتل المصريون أحدهم، بينما دبّر الحاكم لآخر الفرار، وأمره بالمسير إلى الشام، ونشر دعوته في الجبال‏، وأتباعه من الدروز والنُصيرين بها حتى يومنا هذا، فقد اكتشفنا بعد كل هذه القرون، وعلى خلفية الحوادث في سوريا، أن عقيدتهم في تأليه الإمام لا زالت مفعّلة؛ فرأيناهم يجبرون من يُعذبونهم على الإقرار بأن بشّارًا ربهم!

  • القول بتحريف القرآن

ومن العقائد التي كانت تتسبب في إثارة الفتن –وإن تسببت في فتن قليلة-، قول الإمامية بأن هناك تبديلًا في القرآن الكريم؛ حيث يُنسب للإمامية القول بتحريف القرآن رغم إعلانهم أن اعتقادهم فيه أنه معجزة خالدة لا يقبل التحريف، وأن المذكور بكتبهم القديمة من وقوع التحريف فيه يُقصد به تغيير التأويل وليس تغيير الألفاظ.

وتعتبر أشهر الفتن الناشئة عن تلك العقيدة هي الفتنة الشهيرة ببغداد المسماة بفتنة «مصحف عبد الله بن مسعود»، عندما أحضر الإمامية مصحفًا يختلف عن المصاحف التي بين أيدي المسلمين، وقالوا إنه مصحف عبد الله بن مسعود. وهنا ثارت ثائرة الحنابلة عليهم، لأن في القول بتحريف القرآن –على ظنهم دون تروي- خروج من الإسلام.

لكن حقيقة الأمر أن التلاوة بقراءة ابن مسعود الهذلي التي تخالف المصحف المجموع على عهد الخليفة عثمان بن عفان في بعض الأحرف -كونها بلغة هذيل وليس لغة قريش- قد أثنى عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلا تُسمى تحريفًا للقرآن الكريم. أورد الحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج3، 5386/984) قول الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءة ابن مسعود: «إن عبد الله يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل». و (5390/988) «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». وهي أحاديث صحيحة الإسناد لم يخرجها الشيخان.

وقد خرّج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، في فضائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (114/2462) أن ابن مسعود قال: ‏﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏‏﴾‏‏ [آل عمران: 161]، ثم قال: «على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ فلقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، ولقد علِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه». ومثل تلك الأحاديث بروايات عديدة مما يثبت صحة القراءة بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه.

قال الإمام النووي في شرحه للحديث في «المنهاج» (ج16، ص16) «معناه أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرقوه كما فعلوا بغيره فامتنع، وقال لأصحابه: غلُّوا مصاحفكم أي اكتموها، ومن يغلُل يأت بما غلّ يوم القيامة، يعني إذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفًا، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته وأترك مصحفي الذي أخذته من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»أهـ.

لكن رغم أن ابن مسعود كان صحابيًا من السابقين للإسلام، وكان عدلًا لم يطعن به أحد، لكن الخطة التي اختطها زيد بن ثابت في جمع القرآن كانت ثبوت القرآن بالتواتر وليس بنقل الواحد وإن كان عدلًا، وقد استمرت قراءة ابن مسعود بلغة هذيل في العراق حتى زمن الإمام أبي حنيفة وما بعده، كما كان هناك من يقرأ بها في الحجاز حتى زمن الإمام مالك أواخر القرن الثاني الهجري، والآثار في الكتب تثبت هذا. يقول الشريف العوني في «تكفير أهل الشهادتين» (ص126: 128) «كانت هناك صور من اعتقاد زيادة أو نقصان في القرآن الكريم وقعت بعد الجمع العثماني من بعض المسلمين: كخلاف الفقهاء في البسملة، وكإنكار بعض القراءات المتواترة من بعض الأئمة، وهناك صور أخرى: كاستمرار بعض السلف على قراءات تخالف المصحف العثماني (والتي يسمى بعضها بالشاذة: على اصطلاح)، وما وقع من استمرار بعضهم يقرأ بقراءة ابن مسعود المخالفة للمصحف العثماني، حتى زمن الإمام مالك (ت179)، ومع ذلك لم يُكفِّر بشيء من ذلك أحد يُعتد بقوله، مع أن كل هذه الصور من صور اعتقاد التحريف هي مما وقع بعد الجمع العثماني»أهـ.

وكان ابن مسعود قد أقام بالكوفة سنينًا، وانتشرت قراءته بها، كما تسببت كراهية الكوفيين للحجاج بن يوسف في تقديمهم قراءة ابن مسعود التي حاربها الحجاج، على قراءة أبي عبد الرحمن السُلمي التي أخذها عن علي بن أبي طالب!. ولكن القراءتين متوافرتان، فقراءة أبي بكر شعبة بن عياش عن عاصم بن بهدلة أبي النجود شيخ الإقراء بالكوفة عن زر ‏بن حبيش عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وقراءة حفص عن عاصم ‏عن أبي عبدالرحمن السُلمي مقريء الكوفة عن علي رضي الله عنه. وإنكار حرف منهما يكون إنكارًا لبعض القرآن، وليس في إخراج الشيعة لمصحف ابن مسعود ما يستحق حدوث فتنة من قِبل الحنابلة. وقد وقعت أيضًا على فتنة أثارها الحنابلة مع الأشاعرة بسبب استنكارهم قراءتهم بالبسملة!

السلفية وتسافلهم في حق آل البيت عمومًا

عُرِف عن رؤوس السلفية قبل عوامهم قلة أدبهم مع آل البيت، ومع من يناصرون آل البيت ويصححون فضائلهم من كبار أئمة المسلمين، فالأمر غير مقتصر على مكايدة عوامهم عوام الشيعة. والعجيب أنهم في هذا يُخالفون تمامًا مسلك الإمام أحمد بن حنبل الذي يدّعون أنه إمامهم، فلم يكن ابن حنبل ناصبيًا، وكتابه «فضائل الصحابة» كان لسيدنا عليّ نصيب الأسد منه.

بعض من نالهم أذى السلفية ورُموا بالتشيع من كبار علماء المسلمين بسبب دفاعهم عن آل البيت

من أهم أسباب المحنة التي جرت للإمام ابن جرير الطبري، شيخ المفسرين والمؤرخين والعالم بالقراءات ‏والفقيه ‏المجتهد، مع الحنابلة؛ كان تصحيحه لروايات حديث ‏غدير خُم، ‏حتى منعوا دفنه في مقابر المسلمين عندما مات سنة 310هـ.‏

كانت هناك عداوة بين الإمام الطبري وأبو بكر بن أبي دارود السجستاني، وكان الأخير شيخًا من شيوخ الحنابلة في وقته، وكان ‏مشهورًا بالنصب وبغض الإمام علي. وقعت العداوة بسبب تصحيح الطبري لحديث غدير خُم؛ والذي كان ابن ‏أبي داود يُكذِّبه في مجالسه ببغداد نكاية في الشيعة، بل ويكتب الأشعار في ذلك، وفقًا لرواية ‏ياقوت في «معجم الأدباء» (ج6، ص2464). ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (ج14، ‏ص274) في ترجمة الطبري نقلًا عن أبي محمد الفرغاني تلميذ الطبري «ولمّا بلغه –أي الطبري- ‏أن أبا بكر بن أبي داود تكلم في حديث غدير خُم، عمل كتاب «الفضائل» فبدأ بفضل أبي بكر، ‏ثم عمر، وتكلم على تصحيح حديث غدير خُم، واحتجّ لتصحيحه، ولم يُتم الكتاب». قال الذهبي ‏‏(ج14، ص277) «جمع –أي الطبري- طرق حديث غدير خُم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، ‏فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك».

‏ويكفي أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني الحنبلي أن ‏أباه الإمام أبا داود قال عنه إنه كذّاب، كما روى الذهبي في «سير ‏أعلام النبلاء» (ج13، ص227-228) في ترجمته، ثم يكفيه البهتان الذي رمى به سيدنا علي بن أبي طالب، وافترى ‏نسبته إلى الزُهري، وكاد يقتله لأجله أمير أصبهان بعد أن شهد عليه الشهود، ثم قولته الشهيرة ‏الفاجرة: إن صحّ حديث الطير –وهو في فضائل علي- فنبوة النبي صلى الله عليه وسلم باطلة! ونبوة محمد صحيحة ‏صحّ الحديث أو لم يصح. روى القصتين الذهبي في ترجمته في «السير» (ج13، ص229- ‏‏232).

وكذا اُستشهد الإمام النسائي على يد النواصب بالشام، وقيل فيه تشيع لأنه رفض أن يُحدِّث بفضائل معاوية. وموقف مشابه حدث للإمام الحاكم النيسابوري صاحب «المستدرك على الصحيحين» مع ‏الكرامية المجسمة النواصب ببلاد فارس.

ابن تيمية ونصبه في حق آل البيت

ومن أشهر رؤوس الحنابلة، الذي وإن كان قد تجاوز في حق كثيرين، إلا أن خطأه في حق سيدنا علي والسيدة فاطمة وتحقير شأنهما كان فائضًا، ابن تيمية.

مما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمته لابن تيمية في «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» (ج1، ص154: 156) «وقال ‏في حق عليّ أخطأ في سبعة عشر شيئًا، ثم خالف فيها نص الكتاب، منها اعتداد المتوفي عنها ‏زوجها أطول الأجلين… ومنهم من ينسبه إلى النفاق؛ لقوله في عليّ ما تقدم، ولقوله أنه كان مخذولًا حيث ما ‏توجه، وأنه حاول الخلافة مرارًا فلم ينلها، وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله أنه كان يحب الرياسة، وأن ‏عثمان كان يحب المال، ولقوله أبو بكر أسلم شيخًا يدري ما يقول، وعليّ أسلم صبيًا والصبي لا ‏يصح إسلامه على قول، وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل، وقصة أبي العاص ابن الربيع، وما يؤخذ من مفهومها، فإنه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق ‏لقوله صلّى الله عليه وسلّم –لعليّ- ولا يبغضك إلا منافق»أهـ.

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه «الفتاوى الحديثية» عن ابن تيمية (ص115: 117): «ولم يقنع بسب الأحياء، حتى حكم بتكفير الأموات، ولم يكفه التعرض على من تأخر من صالحي السلف حتى تعدى إلى الصدر الأول، ومن له أعلى المراتب في الفضل. فيا ويح من هؤلاء خصماؤه يوم القيامة، وهيهات أن لا يناله غضب، وأنىّ له بالسلامة وكنت ممن سمعه وهو على منبر جامع الجبل بالصالحية، وقد ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إن عمر له غلطات وبليات وأي بليات. وأخبر عنه بعض السلف أنه ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مجلس آخر فقال: إن عليًا أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان، فياليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ علي بزعمك كرم الله وجهه وعمر بن الخطاب…».

وابن تيمية كذلك يرفع من قدر السيدة عائشة فوق قدر السيدة فاطمة رغم وجود نصوص في حق الأخيرة أنها عليها السلام من كوامل النساء، وهي من أصحاب الكساء الخمسة وفقًا لحديث السيدة أم سلمة، والسيدة عائشة لا شك عالمة، شهد لها الرسول بالعلم، قبل أن يشهد لها الصحابة، ولكنها ليست أرفع قدرًا من واحدة من خير نساء العالمين كما يدّعي ابن تيمية، ولعله كسائر طائفته لا يفعل هذا سوى كيدًا في الشيعة. وكأن لسان حال السلفية كان ولا زال يقول: ليس حبًا في معاوية وإنما بغضًا في علي.

الوهابية والمهدي المنتظر!

كانت الزيدية دائمًا بمنأى عن أذى الحنابلة، أكثر الفرق الإسلامية تحرشًا بالمخالفين، حتى بعد ظهور الوهابية منهم، ولكن مؤخرًا زاد تحرش الوهابية، خصوصًا بالزيدية، حتى وصل الأمر إلى الكذب في الادّعاء بأن زيدية اليمن جارودية، بينما كل من له علم ولو بسيط بالعقائد يعلم أن الفرع المتبقي من الزيدية هو الهادوية!

وما لا يعلمه كثيرون أن تخوف الوهابية من ظهور المهدي هو سبب تضييقهم الزائد في السنوات الأخيرة على شيعة المنطقة الشرقية، كما أنه سبب شن حربهم على اليمن؛ فمنذ سنوات ظهر باليمن شخص ادّعى أنه المهدي المنتظر، وكثر أتباعه، وهم يشيعون أنه سيملك ويُستخلف بأن تؤخذ له البيعة في الكعبة بين الركن والمقام.

وبغض النظر عن صحة أحاديث المهدي أم لا، فاللافت حقيقةً أن يرفضها الوهابية، وهم الذين يُكفِّرون ويُفسِّقون كل من يناقش متون الأحاديث مقبولة السند!، ولكنها السياسة وفعائلها، والخوف على الكراسي، وكذا كيد عوامهم في الشيعة، وعقولهم أصغر من عقول الأطفال.

أخيرًا، هل الشيعة خارجون عن ملّة الإسلام كما يشيع السلفية؟
هل يستحقون كل هذا التهويل الذي لا يفتر من جانبهم؟

لقد كان ولا زال الشيعة أشبه بالهاجس السلفي، بل ويمكن أن نسميهم صادقين بـ(البُعبُع السلفي)!؛ فكبار من يُسمون بعلماء السلفية حريصون على تصوير الشيعة، خاصة الإمامية، لأتباعهم على أنهم خارجون عن ملة الإسلام، لا يتعبدون كعبادتنا، فلهم صلاتهم وقرآنهم ومناسكهم الخاصة في الحج والعمرة!، والخلاصة أنهم كافرون ورجس يجب النفور منهم وإساءة معاملتهم كسائر المبتدعة والكافرين.

ونظرًا لأنني قد اتيحت لي فرصة مراقبة الشيعة مرارًا وتكرارًا في الحرمين الشريفين فقد تبين لي أن تلك الفرضية السلفية –إن جاز أن تُسمى كذلك- هي فرضية خاطئة تمامًا، فهم يتوضؤون مثلنا حتى لو كان تمسيحًا وليس بإسباغ الوضوء، ويصلون كل صلاة بنفس عدد الركعات ونفس الأركان والشروط، حتى لو لم يعتبر بعضهم صلاة الجماعة مع إمام سُني تُجزئهم وغالبًا يعيدونها، ومناسك الحج والعمرة لا يختلفون فيها عنا، ويتناولون بأيديهم المصاحف الموجودة في الحرمين للقراءة منها مثلما نفعل، كما طلبت ذات مرة من حاجة إيرانية كانت تجلس في انتظار إقامة الصلاة بجانبي أن أنظر في مصحفها، والذي كانت كل صفحة فيه بالعربية تقابلها على اليسار صفحة بالفارسية، وقلبّت فيه ولم أجد آية واحدة مختلفة في عينة الآيات التي تخيرتها عشوائيًا، وهذا من فضله سبحانه تعالى ورحمته بهذه الأمة.

ثم أن السلفية يُبالغون في تصوير الأمر على أن كل شيعي هو بالضرورة يسب الصحابة!، وهذا ليس صحيحًا أبدًا، وإن قلتَ ذلك أمام سلفي فستُتهم ولا بد بنقص العقل والسذاجة، وأنك لا تدرك كم يستغفلونك ويستخدمون التقية معك. ورغم عدم اقتناعي بتلك الفرضية السلفية من الأساس، فحتى لو تنزّلنا بأنهم جميعًا يفعلون، فهل أنت مطالب بالبحث عمّا في قلوب الناس أم أن عليك التعامل وفقًا للظاهر؟

ثم أن هؤلاء الغُلاة من الشيعة، والذين لا يجحد عاقل وجودهم، لا يقتلون أحدًا، وما يفعلونه في عاشوراء يؤذون به أنفسهم وحسب، وأقصى ما يسيؤون به هو سب الصحابة، ولم نقرأ عن واحد منهم فجّر نفسه في الآمنين. والحقيقة أن فرقة الغُلاة لدينا نحن معشر السُنة هم الأشد إمرارًا وأذى للبشرية.

ولقد رأينا عبر التاريخ كيف أن الغُلاة منا ومنهم يتصرفون كالأطفال ويكيدون لبعضهم بعضًا. وفي عصرنا الحاضر نرى عوام السلفية على مواقع التواصل الاجتماعي ينطلقون سبًّا كالقطيع ضد كل من ينطق كلمة حق في موقف تاريخي، ويحاول أن ينتصف لآل البيت متهمين إياه بالتشيع، ثم يبدأون في سرد كلماتهم التي يحفظونها دون وعي كالرسائل المسجّلة: زواج متعة- سب صحابة…!

كما لا يُفوِّت السلفية فرصة يمكن أن يحشروا فيها اسم إيران إلا وفعلوا، فهي الشيطان الأعظم، وهي سبب كل البلاء على ظهر الأرض، ويصل عدم الحياء مبلغه عندما يُشير بعضهم إلى دور لها في صناعة داعش الذين يتعاملون بفتاوى السلفية، وقال شيخ الإسلام، وقال ابن القيم!

وقريبًا رأينا رد فعل أقل ما يُقال عنه أنه همجي عندما تناول يوسف زيدان صلاح الدين الأيوبي بحديث شكّك فيه من بطولته. ربما أخطأ يوسف زيدان وبالغ كثيرًا عندما وصف صلاح الدين بأنه من أحقر شخصيات التاريخ لمجرد أخطاء ارتكبها باعتباره حاكمًا!، فصلاح الدين لم يكن هولاكو أو هتلر حتى يوصف مثل ذلك الوصف الشنيع.

لكن في المقابل نتساءل عن سبب تقديس السلفية تحديدًا لصلاح الدين حتى حوّلوه إلى نبي غير مصرح بالاقتراب من ذكراه؟ ولم يكلف أي واحد منهم نفسه أن يرجع للمراجع التاريخية العربية التي وثقت لتلك الحقبة، كالكامل والخِطط، مكتفين بنقل ما كتبه مؤرخو الغرب الذين احترموه بوصفه قائدًا عسكريًّا، ولا تعنيهم أحوال المسلمين وكيف عاشوا في ظل الأيوبيين، بينما مؤرخو المسلمين الذين أرّخوا لعصره -بلا استثناء فيما أعلم- نقدوه باعتباره حاكمًا ورووا حكايات عن عدم وفائه مع ابن أستاذه نور الدين محمود، ورفضه الانصياع تحت راية الخلافة العباسية، وتوسعه في ضم الإمارات حتى بعث حملة لضم اليمن ومقاتلة أهلها، فهل كان هناك صليبيون في اليمن؟، وكذا تضييق وزيره قراقوش على العوام، وتخريب وهدم في القاهرة وصل إلى هدم بعض الأهرامات ونقض مكتبة دار الحكمة التي لم تكن فيها كتب الشيعة الإسماعيلية فقط بل كتب في مختلف الصنوف.

وما كان من السلفية إلا أن كبّوا كل ما رواه مؤرخو المسلمين، مع التشكيك في بعضهم، خاصة عمدة المؤرخين المسلمين ابن الأثير، والذي يُعتبر كتابه «الكامل» المرجع الأول للحملات الصليبية على مستوى العالم، وصار من يناقش تاريخ صلاح الدين يقومون عليه كأنه سب نبيًا، فصاروا بذلك كمن يصر أن يُغلق إحدى عينيه ليرى بعين واحدة المنظور الذي يفضله، ويتعامى عن الجانب الآخر مفضلًا إنكار وجوده. الرجل كان سلطانًا، ولم يكن نبيًا، وله حسنات وله في المقابل سيئات، ولم يكن محبوبًا من رعيته خاصة قبل حطين. ما المشكلة أن نقول ذلك؟

وإجابة السؤال عن سبب قدسية صلاح الدين عندهم تظهر من الاتهامات التي لاكوها ليوسف زيدان عندما أطلقوا رعاعهم عليه، فلقد كانت اتهامات أغلبهم ليوسف زيدان تنصب على أنه ولا شك يحقد على صلاح الدين لأنه قضى على الفاطميين! وهذه الاتهامات إشارة لسبب يبدو أننا لم نكن منتبهين إليه لتفسير قدسية هذه الشخصية عندهم، لا يقل لديهم عن استعادة القدس.

ومنذ فترة كتبت تعليقًا تحت مقال تناول الفتنة الكبرى بين المسلمين لافتة إلى ما تغافل عنه كاتب المقال من دور محوري لمروان بن الحكم في حدوثها، وفوجئت بشخص بدا من صورته وصفحته على الفيسبوك أنه سلفي يلفتني إلى أن هذه رواية الشيعة!، فنقلت له من «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي (ج3، ص477) نصًا قصيرًا حمل اتهامًا صريحًا لمروان من الإمام الذهبي، جاء فيه «كان كاتب ابن عمه عثمان، وإليه الخاتم، فخانه، وأجلبوا بسببه على عثمان، ثم نجا هو، وسار مع طلحة والزبير للطلب بدم عثمان، فقَتل طلحة يوم الجمل –اتهام من الذهبي لمروان بأنه هو من قتل سيدنا طلحة-، ونجا لا نُجِّي، ثم ولي المدينة غير مرة لمعاوية. وكان أبوه قد طرده النبي إلى الطائف…»أهـ. فإذا بهذا السلفي يُصر أن هذا الكتاب لا شك من كتب الشيعة!

فالإمام الذهبي صار شيعيًا، وكتاب «سير أعلام النبلاء» صار من كتب الشيعة، لأن الذهبي طعن في مروان بن الحكم! لأن مروان كما نعلم من بني أمية. ففي عُرف السلفية، يمكن أن يتجاوزوا في حق آل البيت، بل وقد يتسافلوا، لكن لا يُسمح لك بالانتقاص من قدر أتفه شخص في بني أمية ورأس مصائب المسلمين إلى يومنا هذا، بدعوى التوقف عمّا شجر بينهم!، ولو كان المتقدمون قد توقفوا لما رووا لنا مجلدات في التاريخ والتراجم، ثم لماذا يتحتم التوقف عند ذكر مصائب بني أمية تحديدًا؟!

حادثة أخيرة أذكرها للتمثيل، قريبًا وفي ذكرى الشيخ شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله، نُشرت على إحدى الصفحات على الفيسبوك فتواه الشهيرة بصلاحية التعبد على المذهب الشيعي الجعفري، وانقسمت تعليقات السلفية الذين دخلوا الصفحة كالقطيع ما بين هجوم متواصل على أدمن الصفحة وكل من حاول تصحيح نسبة الفتوى إلى الشيخ أو سب للشيخ ذاته!

باختصار أقل ما يُقال عن منهجهم أنه منهج عفن، وعفونته تفوح تجاه كل من عداهم، فهم لا يرون مؤمنًا على ظهر الأرض غيرهم لمجرد أنهم تسمّوا باسم السلف مع كل مخالفاتهم الجوهرية لعقيدة وفقه السلف، وأكثر من يلقى منهم الأمرّين هم أهل الكتاب والشيعة.

ماذا يلزم لتفكيك عقيدة السلفية التكفيرية تجاه الشيعة تحديدًا؟

أرى أن أهم الأفكار التي ينبغي التركيز على تكوينها لدى السلفية لتفكيك عقيدتهم التكفيرية تجاه الشيعة هي:

  • من ثبت إيمانه بيقين لا يُكفَّر بشك.
  • الناس تتعامل مع بعضها البعض بطيب مهما كان اعتقادها مختلفًا.
  • الناس تُحاسب على سلوكها وليس اعتقادها.
  • ليس عليك التفتيش في جوهر اعتقاد الناس.
  • سب الله ورسوله فقط هو ما يُخرج من الملة.
  • سب الصحابة ذنب عظيم، ولكن لا يُقتل فاعله، ولا يُخرج من الملة.
  • أذية الشيعة لأنفسهم وطقوسهم العجيبة في عاشوراء ليست مُخرجة من الملة، وليس لنا دخل بها، طالما لا يؤذوننا.

ولا زالت السلفية تحصد أرواح الشيعة حتى يومنا هذا، نتيجةً منطقية لتكفيرهم، وتأبى أن تتركهم ‏وما يعتقدون. وهم مع هذا لا يستحوون، والدولة التي تتبنى فكرهم العفن لا تتدفق منها الأموال إلا لمحاربة الشيعة، فنراهم يدمرون اليمن تارة، ولو قدروا لحاربوا إيران، وليس مستبعدًا أن تكوين ضمن اتفاقياتهم الأخيرة مع الأمريكان تمويل لعمل عسكري ضدها، وكانوا أهم أسباب تفاقم الكارثة الإنسانية في سوريا، وتحويل ثورة السوريين على حاكم ظالم إلى فتنة طائفية، طبعًا مع عدم إغفال أن جميع الأطراف المتحاربة في سوريا لا يستحق أي فرد منهم مسمى إنسان.

المراجع

أحمد بن حجر شهاب الدين الهيتمي. (د.ت). الفتاوى الحديثية. بيروت: دار المعرفة.

أحمد بن علي بن محمد شهاب الدين المعروف بابن حجر العسقلاني. تحقيق: سالم الكرنكوي الألماني. (1993). الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة. بيروت: دار الجيل.

أحمد بن علي تقي الدين المقريزي. (1987). المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار «المعروف بالخطط المقريزية». ط2. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.

إسماعيل بن عمر بن كثير أبو الفداء القرشي الدمشقي. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. (1997). البداية والنهاية. القاهرة: دار هجر.‏

حاتم بن عارف العوني (2016). تكفير أهل الشهادتين «موانعه ومناطاته- دراسة تأصيلية»- الطبعة الثانية. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات.

عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن زين الدين السَلامي. تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين. (2005). ذيل طبقات الحنابلة. الرياض: مكتبة العبيكان.

عبدالرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج ابن الجوزي.‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. (1995). ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.

علي بن أحمد بن حزم أبو محمد الظاهري الأندلسي‏. تحقيق محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة. الفصل في الملل والأهواء والنحل. بيروت: دار الجيل.

علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري. تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق. (1987). الكامل في التاريخ. ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏

محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق. (1996)‏. سير أعلام النبلاء. ط 11.‏ بيروت: مؤسسة الرسالة.

محمد جمال الدين سرور. (1995). تاريخ الدولة الفاطمية. القاهرة: دار الفكر العربي.

محمد بن عبد الله أبي عبد الله الحاكم النيسابوري. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. (2002). المستدرك على الصحيحين. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.

مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (د. ت). الجامع الصحيح «المشهور بصحيح مسلم». ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: ألفا للنشر والتوزيع.

ياقوت بن عبد الله شهاب الدين الحموي الرومي. تحقيق: إحسان عباس. (1993). معجم الأدباء «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب». بيروت: دار الغرب الإسلامي.

يحيى بن شرف بن مري محيي الدين النووي. ‏(1929). المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. القاهرة: المطبعة المصرية بالأزهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد