لولا خشيتنا من لعنة أحفادنا لنا مستقبلًا، بأننا لم نأنُ ألمًا ولم نبك حزنًا ولم نكتب قلمًا عما آلت إليه أمور أمتنا، لما رسمنا حرفًا ووثقنا سطرًا لحالة ندرك مسبقًا بأنها لن تجد آذانًا مصغية ضمن شعوب جُل همها رغيف خبز لبطونٍ خاوية وسقفٍ فوق رؤوس ذات عقول بالية.

فلا حاجة اليوم لإطلاق تحذيرات ودق ناقوس خطر، فضلا عن البوح بأهازيج رنانة تشحذ الهمم، فالأمة العربية في بؤس وإحباط لن يحرك مشاعرها مشاهد قدسها ومسجد أقصاها وقد قصف بألف صاروخ وأكثر.

واقع لن يحجبه غربال دق الطبول وألحان أناشيدنا الوطنية التي يتسمر أحدنا وقوفا لأجلها إجلالا وعيناه شاخصة لرفرفة رايات أعلامنا التي باتت رمزا لفرقتنا وتشرذم أمتنا.

أمة كفكفت دموعها ليس عن أنفة ولا وقار، بل جفت مضارعها وتلبدت مشاعرها التي كفنتها ودفنتها في تابوت مسخ أجهضته ثورات الربيع العربي، وسلاما سلاما لحكامنا الذين نجو من عصف التغيير ليثبتوا لنا بأنهم مباركون منتخبون من السماء ومرضاة طاعتهم واجبة لا أدنى شك.

لا مبرر للقلق مما قيل بأنه احتلال ايراني لأربع عواصم عربية، جعلت من الجزيرة وخليجها وبحرها حديقة ومسرحا لطهران ومشروع ثورتها العابر للقارات، وإن أكد ذلك حيدر مصلحي، وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد، والذي أشار إلى أن الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود وهي لكل الشيعة.

ففي الوقت الذي تحتفل فيه بلدان عربية بافتتاح أخطر لعبة وأكبر مدينة لهو مائية، فإن إيران تنفق سنويا وبحسب تقرير لصحيفة واشنطن تايمز نشر عام 2015، ما يقارب الـ 30 مليار دولار على أحزاب وميليشيات مسلحة مرتبطة بها في المنطقة العربية وبلدانٍ شرق آسيوية.

ووفقًا للتقرير الذي تبنته خدمة أبحاث الكونجرس والذي أنجز بناءً على طلب من السيناتور الجمهوري مارك كيرك، فقد تبين أن إيران تنفق ما بين 100 و200 مليون سنويًا على حزب الله اللبناني، و 3.5 مليار دولار سنويًا لدعم نظام بشار الأسد، وما بين 12 و26 مليون دولار سنويًا على الميليشيات الشيعية في العراق، و10 إلى 20 مليون دولار لدعم تمرد الحوثيين.

ومن الواضح للعيان، أن إيران أفلحت في تصدير ثورتها مع ضبط أنغامها، بينما فشل العرب والمسلمون السنة في إيجاد توافق على صيغة صحية لعلاقة الدين بالسياسة، أما طهران فقد حبكت اللعبة واستفادت من انعكاسات وتأثيرات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، بعد أن ساهمت المكنة الإعلامية الغربية في تصوير الإرهاب على أنه نسخة سنية محضة، وتقديم الإسلام السياسي الشيعي كبديل آمن ومسالم يمكن التعامل معه عبر التفاوض مع قياداته.

خضوع الغرب وجلوسه مع طهران على طاولة واحدة للحوار حول البرنامج النووي، يُعد نصرًا مؤزرا دفع بقادة إيران لأقصى حالات النشوة والجرأة والإفصاح عن حقائق كانت تعد حتى وقت قريب تدليسا ضد ولاية الفقيه ومشروع الممانعة إن نطق بها أعداء الثورة «الإسلامية»، فخلال اجتماع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في لندن عقد مؤخرا، أكد مساعد الرئيس الإيراني ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، أن الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان صبَّ في مصلحة بلاده، وأدى للقضاء على عدوين إقليميين لإيران، هما نظام صدام حسين وحركة طالبان، كما أنه ساهم في إنجاز الاتفاق النووي.

أما وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وفي مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد قال إن «أمراء الریاض يواجهون مشكلة رئيسية تتمثل في عدم إدراكهم بعد أن صدام حسين قد مات منذ سنين ولا يمكن إعادة الزمن إلى الوراء»، أي لا حرب بالوكالة وواجهونا إن استطعتم؟!

تصريحات متناسقة توحي بأنها تعزف على أوتار متناغمة، تستلهم نوتاتها من الواقع العربي المزري، الذي ساهم في انتشار سريع للثورة الإيرانية فاق توقعات الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، والذي أعرب عن دهشته لرؤية أذرع بلاده وقد امتدت في وقت قصير إلى العراق سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان، حسبما نقلت عنه وكالة مهر الفارسية للأنباء، فيما زال الفتح المبين مستمرا نحو بلدان أخرى في المنطقة حسب قول نائب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء إسماعيل قائاني.

مراقبون لم يستبعدوا أن تعلن إيران عن دولتها الكبرى خلال عقدين من الزمن في حالة استمرار طهران بالعمل على نفس نمط خطاها الحالية، وهو مصداق لما قاله على يونسى، مستشار الرئيس الإيرانى حسن روحانى، إن «إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد»، قاطعا الطريق على أي محاولة للتشكيك حين أشار إلى إن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة، معتبرًا أن «كل منطقة شرق الأوسط إيرانية»، وهو تصريح يعد امتدادا لما قاله أبوالحسن بني صدر أول رئيس إيراني بعد الثورة الإيرانية بأن العراق كان جزءًا من بلاد فارس عبر التاريخ.

مهمة سيتكفل بإنجازها جيش التحرير الشيعي الذي أعلن عن تشكيلة القيادي في الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي خلال مقابلة أجراها في 18 أغسطس (آب) مع وكالة المشرق الإخبارية.

بوادر حدود هذه الإمبراطورية نستقرأها في تصريح لعلي شمخاني، الذي أكد إن إيران باتت الآن على ضفاف المتوسط وباب المندب، فضلا عما قاله فيروز آبادي رئيس أركان الجيش الإيراني الذي لفت بالقول الى إن نفط الخليج والمنطقة برمتها كانت دائمًا ملكًا لإيران وتقع في مناطق فارسية.

الخلل ليس في إيران كدولة كانت وما زالت مبنية على أسس عنصرية ونزعات توسعية، بل لو أن العرب بذلوا نصف ما يبذلونه من جهد في محاربة تنظيم الدولة وتوجهوا نحو التصدي للمشروع الإيراني، لما رأينا اليوم وقد أطبقت طهران على خناق الأمة عبر احتلالها لرئتي الوطن العربي وهما العراق وسوريا وصولا لضفاف المتوسط.

إيران ورغم امتلاكها لأكبر الاحتياطات من النفط والغاز، وفقا لتقرير «بريتش بيتروليوم» لتأتي في المرتبة الرابعة بعد فنزويلا والسعودية وكندا، فإن تقارير أخرى تتحدث عن أكثر من 17 في المائة منذ التسعينات هاجروا من إيران، لا سيما بعد الحرب الإيرانية – العراقية، وحسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عام 2009، فإن طهران تتصدر قائمة الدول التي تفقد نخبها والطبقة المتعلمة بما يتجاوز 180 ألفا كل سنة.

بالتالي فإن مستقبل إيران ومحاولة ردم الفجوات التي نخرتها تدخلاتها في المنطقة، مرهون بحجم التنازلات التي ستقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لطهران حول ملفها النووي وأرصدتها المجمدة، ومع حالة الصمت العربي وعدم وجود رغبة جادة لاستغلال الفرصة، فلا أمل على المدى القريب لتنفض الأمة ثوبها من غبار حوافر فرسان فارس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد