حساسية الموضوع وخطورته، تستوجب التعاطي مع هذا الملف بحذر وتناول القضية بأبعاد سياسية بحتة، فضلاً عن الأخذ بعين الاعتبار وجوب الابتعاد عن الخوض في المسائل الفقهية.

من جهة أخرى، فلا يمكن القفز على الحقائق ونفي وجود صراع مذهبي متجذر اتخذ أشكالاً وصورًا متعددة منذ عقود مضت، والملفت للنظر أن الذهن التعبوي الجماهيري المعاصر لطالما ألصق أشكال المواجهة بكلٍ من إيران والسعودية، عادا إياهما أنهما يمثلان تكتلين فكريين سياسيين وهما الشيعي الاثنا عشري والسلفي السني، في حين أن الأطراف المصطفة ضمن خندق المواجهة هي أكثر بكثير من حصرها في دولتين.

الصراع بين هذين القطبين خلال الفترة الماضية كان وبحسب المفهوم الحديث بمثابة حرب باردة أو مواجهة بالوكالة، ولكنه سرعان ما تطور بعد سلسلة من التصريحات والاتهامات المتبادلة ليصل الأمر إلى قطع للعلاقات بكل أشكالها.

السعودية أيقنت أن الدبلوماسية وسياسة الاحتواء ما عادت مجدية وهي تشاهد الخطى المتسارعة للتقارب الأمريكي والغربي صوب طهران بعد تبني الطرفين لشعار عفا الله عما سلف.

ويبقى أخطر أنواع الحروب هي تلك التي يتم الحشد لها وفقـًا لدوافع عقائدية ودينية، ولا دخل للجهل والتخلف هنا، فحتى وقت قريب كان قلب أوربا المتحضرة ينزف على إثر اقتتال دموي بين بريطانيا الكاثوليكية وإيرلندا البروتستانتية.

ولا شك أن إيران تملك باعًا طويلاً وخبرة في العمل السياسي فضلاً عما تتميز به من دهاء في المحاكاة والمناورة جاءت امتدادًا من البهلوية العلمانية إلى الخمينية الدينية، فالأخيرة استخدمت العقيدة لإعطاء زخم سلطوي وجماهيري دفع نحو تحريك النزعات الداخلية التي كانت تهفو نحو إعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية بصبغة إسلامية، وعبر تمهيد نفسي ممنهج ساهم كتاب وأدباء للترويج العاطفي بأن الوقت قد حان للانتقام  لكورش الكبير مؤسس أول إمبراطورية عالمية أنشئت فوق أشلاء بابل العظمى عام 539 قبل الميلاد.

أما خارجيًا، فقد سعت إيران لمغازلة وجدان الشيعة العرب وتحريضهم على حكوماتهم، فاستخدمتهم في أكثر من مكان كحطب لسياساتها التوسعية، وهو ما نبه إليه الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي العلامة محمد علي الحسيني من تبني إيران لسياسة فرق تسد لخدمة مصالحها الخاصة، فيما سبقه الشيخ صبحي الطفيلي أول أمين عام لحزب الله اللبناني الذي حذر مرارًا من خطر إيران الدولة على التشيع.

إيران الفقيه فقهت اللعبة عكس السعودية، حيث استغلت التضاد ما بين المعسكرين الشرقي والغربي وتحالفت مع دول كروسيا والصين، فيما ظنت السعودية أن الغرب سيوفي بالعهود ولن يتخلى عن حلفائه على المدى الطويل، فلم تدرك أن النظرة الأوربية والأمريكية للجزيرة العربية سيشوبها دومًا الشك والريبة بسبب نظرتهم للمنطقة التي يعدونها المصدر والمغذي للفكر المتطرف.

إيران استخدمت مفهوم المظلومية ومعاداة الإمبريالية لغرض الاستقطاب وتشكيل خلايا نائمة وأخرى نشطة داخل العمق العربي وتنشئتها، استخدمتها كأوراق ضغط عبر الإشاعة والترويج لما قيل إنها حقوق مسلوبة للأقليات المذهبية في بعض دول الخليج، فيما ساهمت الآلة الإعلامية الغربية بإسناد تلك الدعوات من خلال شيطنة السعودية للرأي العام.

هذا النشاط الاستخباراتي جاء بالتزامن مع عمل دؤوب لغرض توسعة الهلال الشيعي وبالشكل الذي يضمن تطويق وإحاطة السعودية وتضييق الخناق حولها بدءًا من بغداد فدمشق، وصولاً إلى لبنان فاليمن ثم عُمان.

التصريحات الإيرانية التي انتقلت من شخصيات عامة إلى أكثر المستويات رسمية استفز السعودية ومن هم حولها، ودفعهم بالتأكيد لدق ناقوس الخطر حين سمعوا الرئيس الإيراني حسن روحاني وهو يعلن أن إيران أصبحت اليوم إمبراطورية كسالف عهدها في إشارة إلى العهد الساساني، وإن قيل فيما بعد إن التصريح قد حور إلا أنه لم يتم تكذيبه.

السعودية أدركت وإن كان في وقتٍ متأخر خطر هذا المخطط، فسارعت لقلب الطاولة على أعقابها، لتشكل تحالفـًا أقوى عبر تطويق إيران من جوانبها الأربعة بدءًا من الساحل الخليجي غربًا وتركيا شمالاً وباكستان شرقـًا.

أما روسيا المتهالكة اقتصاديًا والحليف الاستراتيجي لطهران، فتاريخها المليء بالتغير في الولاءات يشجع لسلخها وصرفها عن دعم إيران بتقديم بعض الضمانات لنفوذها في المنطقة، فضلاً عن صك مالي يمكن أن يلين  التعنت والعنجهية لدى قيادات الكرملين.

المواجهة وأسلوب المناورات بدأ بشكله العسكري في الـ 14/ من آذار عام 2013 حين أرسلت السعودية قوات درع الجزيرة إلى البحرين لغرض منع عملية انقلاب كانت وشيكة.

أما سوريا فلم تكن حقيقة المواجهة فيها واضحة المعالم كما هو الحال عليه اليوم، فالأطراف المتقاتلة هناك باتت تعلن صراحة عن أسماء وعناوين مرجعياتها، وما الشد والجذب ضمن مفاوضات جنيف إلا دليل على ذلك.

لكلٍ من إيران والسعودية وسائلهما في لوي الأذرع، ولم تعد المعارك تقليدية كما كانت قياسًا لحجم ما تملكه الدولة من قوة عسكرية وذخيرة قتالية في السابق، بل إن الحروب الاقتصادية التي تسهم في استنزاف الإمكانيات أصبحت أكثر وقعًا وتأثيرًا في حسم المواجهة ودفع الطرف الآخر للرضوخ والاستسلام، وبالرغم من الانخفاض الهائل في أسعار النفط عالميًا فما زال يعد ورقة ضغط لا يستهان بها خاصة إن علمنا أن تكلفة استخراج البرميل الواحد في السعودية لا يتجاوز الثلاثة دولارات، في حين أن تكلفته في إيران تتجاوز السبعة عشر دولارًا.

على السعودية أن تستفيد من تجربة الحرب العراقية الإيرانية إبان فترة الثمانينات من القرن المنصرم ولا تنجر لكمين مذهبة المواجهة، فالرئيس الراحل صدام حسين كان حذرًا في التعاطي مع مجريات الحرب آنذاك، حيث أعطاها صبغة قومية لكونه يدرك بأن نحو نصف الشعب العراقي يعتنق المذهب الجعفري وإن كان لا يؤمن بفكر ولاية الفقيه.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد