لبس ثوب الحمل ومارس دور البراءة بكل إتقان حتى خدع الكثير من العرب المعدلين، فصافحوه وابتسموا في وجهه، وأطلقوا عليه «حمامة سلام» لكنه في حقيقة الأمر (إنسان يحمل في جوفه قلب ذئب)، ولدماء الأطفال والنساء العرب معه حكايات طويلة منذ احتلال فلسطين، ولما مات ذهب بعض العرب للمشاركة في جنازته وذرفوا عليه الدموع، ورثوه وكتبوا عنه قصائد.

شمعون بيريس هو أحد أبرز رواد المشروع الصهيوني وبناة إسرائيل، وهو الأب الفعلي لمفاعل ديمونا.
بيريس كان شاهدًا على كل الحروب التي خاضتها إسرائيل على العرب، بل كان أبرز رموزها، لكنه لما أدرك أن الحرب وحدها لن تجلب الأمن لإسرائيل، هداه تفكيره إلى الولوج للمواطن العربي من خلال فكرة ستدغدغ مشاعره، فكانت فكرة كتاب «الشرق الأوسط الجديد» القائمة على تكتل دول الشرق الأوسط اقتصاديًا لمواجهة الأزمات التي يعيشها المواطنون فيه من فقر وجهل، مؤكدًا أن هذه الأمور والقضايا وغيرها هي منبع ومنبت الحركات «الأصولية الإرهابية» كما يسميها والتي تهدد أمن الجميع.

في صفحة 79 من كتابه الشرق الأوسط الجديد يقول بيريس «إن هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم ذات سوق مشتركة وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعات الأوروبية، وأن الحاجة لهذا الإطار الإقليمي تقوم على أربعة عوامل جوهرية.

1- الاستقرار السياسي الذي يضمن اضمحلال نفوذ الأصوليين.
2- الاقتصاد: فارتفاع مستوى المعيشة هو شرط مسبق لتخفيف التوترات في الشرق الأوسط.
3- الأمن القومي: يتم تحقيقه من خلال تحالف قومي يساعد على منع طرف ما من الضغط على الزر المهلك الذي لا يبقي ولا يذر.
4- إشاعة الديمقراطية فالديمقراطية ليست مجرد عملية تضمن الحرية الشخصية والمدنية، بل هي أيضًا هيئة رقابة تحرس السلام وتعمل على تبريد العوامل الكامنة وراء التحريض الأصولي، ويستشهد بيريس بما كتبه نزار قباني من منفاه «إذا احتاج الطائر إلى تصريح من وزير الداخلية كي يحلق، وإذا احتاجت السمكة إلى رخصة السباحة فسنعيش في عالم لا يطير فيه طير ولا تسبح فيه سمكة».

لكن من يتابع الوضع العربي الحالي خاصة في الشرق الأوسط يلحظ أن فكرة بيريس تعدت الجانب الاقتصادي، بل إن الجانب الاقتصادي كان هو المدخل فقط، فالأنظمة العربية تحاول التقرب من إسرائيل بشتى الطرق، رغم أن دماء العرب تنزف يوميًا في فلسطين، ورغم أن إسرائيل تهود كل ما هو ممكن من المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، ثم إن الصراعات الدائرة والتي كان لإسرائيل الفضل الأكبر في استمراريتها تنسجم كثيرًا مع فكرة الشرق الأوسط الجديد من الناحية السياسية حيث يتقاتل أبناء الوطن الواحد ويستنفدون طاقتهم البشرية والمادية كي تبقى فكرة تحرير فلسطين آخر الاهتمامات.

أختم، بما ذكره بيريس في هذا الكتاب في صفحة 11 (ما دار بينه وبين أبو علاء قريع مسئول وفد التفاوض الفلسطيني، حيث قال له أبو علاء: (إن هذه الاتفاقية هي هدية عيد ميلادك)، فيعقب بيريس (يا لها من هدية فريدة لا متوقعة، بل يستعصي سبرها).

وفي صفحة 26 يقول (إننا نحكم على الناس بعد قول وصنع كل شيء، لا بما يهرفون بل بما يفعلون) وهذا لعمري يؤكد عدم اكتراث إسرائيل لكل من يتقن فن الحديث فقط، ورغم ذلك يصر الحكام العرب على السلام مع قتلة البلابل في مهدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد