قبل أيام قليلة وتحديداً في 30 أبريل 2014 وخلال مؤتمر فلسطيني أوروبا في باريس أعاد جمال ريان الإعلامي الفلسطيني الشجاع  تذكيرنا بما دار بينه وبين شمعون بيريز على قناة الجزيرة  قبل سنوات حين قاطع ريان وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك بيريز الذي كان يغالط الحقائق التاريخية مخاطباً له قائلا :  “شمعون بيريز أنت بيتك على أرضي”

ربما مر على هذه المقابلة أكثر من 8 سنوات لكن بيريز عاد من جديد في بداية مايو الحالي لتلفيق الحقائق  لكنه أدخل معها بعض المعلومات الصحيحة لتبدو في ثوب أجمل يغطي الجرائم المتراكمة والبشعة  التي تمارسها اسرائيل كما تعود الرجل أن يفعل، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن شمعون بيريز  الرئيس الاسرائيلي الحالي ومهندس المشروع النووي الإسرائيلي الذي ولد في بولندا  1923  وعمره 90 عاماً لا يزال حتى الآن لا يكل ولا يمل في تزيين وتحسين صورة إسرائيل أينما ذهب.

قال بيريز خلال مقابلة صحفية معه قبل أيام حول الثورات العربية أن الثورات العربية تعتبر نهاية “مرحلة اتفاقية سايكس بيكو التي بدأت منذ عقود، وأن ما جرى هو نتاج تحولات كبيرة بدأت منذ انهيار الدولة العثمانية، وتقسيم الشرق الأوسط بين الإمبراطوريات”.

بالفعل تعتبر موجات الربيع العربي ردة فعل متأخرة على سايكس بيكو – التي في طريقها للانهيار- والتي تمت عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا وبمصادقة روسية لاقتسام منطقة المشرق العربي على وجه الخصوص  بعد انهيار الدولة العثمانية، ومع تسيد الولايات المتحدة للنظام العالمي اليوم بالرغم من ظهور مؤشرات تراجع قوتها فإن الأحداث والسياسات تفيد بأن الدولة العظمى تسعى بشكل واضح للاستفادة من الأحداث وتوجيهها إلى حيث تريد، وصحيح أن الولايات المتحدة وحلفائها كإسرائيل التي بدت الخاسر الأكبر من الربيع العربي لم يكونوا يتوقعون تماما مسارات الربيع العربي فور انطلاقه لكنهم طبقوا معها شعارهم ” إذا لم تصنع الموجة فلا يعني أنك لا تستطيع ركوبها” لذا فهم يسعون إلى قطع أصغر من تلك التي أحدثتها سايكس بيكو.

قال بيريز أن الإمبراطوريات “أقامت كيانات سياسية لم تتأسس على القومية بل على الصدفة”، ولم يذكر بيريز الحقيقة  كاملة وهي أن الامبراطوريات خطت حدود تلك الكيانات وفق مصالحها الاستعمارية وأطماعها الخاصة. ولم يذكر بيريز احتلال “اسرائيل” لشبه جزيرة سيناء وجنوب لبنان ولهضبة الجولان وغور الأردن  فهل كانوا حينها يبحثون عن القومية أيضا؟

تجاهل العجوز الصهيوني أن الكيان الإسرائيلي هو كيان مصطنع وقائم على المجازر والاغتصاب للحقوق والأراضي العربية والفلسطينية إذ قاموا بتهجير 60% من الفلسطينيين عام 1948 واحتلوا 78% من أرضهم لينفذوا توصيات المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897 والذي كان برئاسة ثيودور هرتزل.

زاد بيريز من جرعة تبجحه فقال:”أن القوى الاستعمارية بنت كيانات مصطنعة لهذا هي تتفكك اليوم”، بل بالغ في تبجحه عندما قال: “هم قاموا بجمع أجناس مختلفة في نفس الكيان السياسي”.

تناسى بيريز الذي ولد في بولندا أن عدد اليهود في فلسطين سنة 1837 لم يتجاوز 1500 شخصا، وأن كثير منهم جاء عبر الهجرات التي زادت عن ست هجرات رئيسية حتى 1948 والتي سهلتها الدول الاستعمارية التي ذكرها، بيريز اليوم الذي لا يريد الاعتراف بالفلسطينيين كشعب تجاهل أيضا أن عدد اليهود في 15 أيار 1948 كان 650 ألف نسمة تقريبا في فلسطين، بينما كان عدد الفلسطينيين مليون و300ألف، بل أن بيريز بنفسه توجه إلى روسيا بنفسه في 1985 للتنسيق لهجرة اليهود إلى اسرائيل وليس الولايات المتحدة، وهذا بدون التطرق للحق الديني والتاريخي للعرب والمسلمين في فلسطين يشير لنا بوضوح أن الكيان الإسرائيلي هو كيان مصطنع.

لكن ما ينبغي الوقوف عنده طويلاً أن هذا الكيان المصطنع نجح بالوصول إلى حالة استقرار وتنمية وتطور لم تصلها بلداننا العربية وهذا يطرح التساؤل حول كيفية نجاح الكيان المصطنع وفشل بلادنا؟، مما لا شك فيه أن أنظمة الاستبداد العربية  أفادت اسرائيل بقدر أكبر من إفادتها وخدمتها لشعوبها، ثم جاءت لحظة التغيير العربي من تونس وتبعتها مصر وليبيا واليمن وسوريا لتكون داعية لوجود أنظمة تكون أولوياتها هي تحقيق مصالح الشعوب والأمة بالمقام الأول، لكن هذه الحالة لم تلبث أن تعثرت خاصة في كل من مصر وسوريا، ليكون الكيان الإسرائيلي هو المستفيد الأول من تعثرها،  ويضاف لهذا أن الكيان المصطنع والمقصود بالمصطنع هو الكيان المبني ضد إرادة ورغبة التاريخ والجغرافيا والحقوق، أن هذا الكيان قد يطول عمره لأسباب تعود لتعزيزه لمقومات قوته وعلاقاته، ولغفلة “من واجه إرادتهم” عن تنمية وتحقيق مقومات قوتهم، وفي المقابل فإن كثير من المشكلات بدأت تتفاقم في الكيان الإسرائيلي مثل  انتشار الفساد، وتصاعد معدلات الهجرة المعاكسة، وصعوبة تحقيق الأمن والفرار من الخدمة العسكرية وارتفاع معدلات الانتحار.

ختم بيريز كلامه بنبرة تشاؤمية نوعاً ما حيث قال “أنه ليس بمقدور أحد التكهن أو التخمين ما سيحل مستقبلاً بدول الربيع العربي” وواقع الحال غير المستقر في المشرق العربي كله ودول شمال أفريقيا يؤكد هذه المقولة، لكن نقول أيضا أن الربيع العربي بما أحدثه من تغيير لم يكن متوقعاً أيضاً، ويبقي هذا السؤال مفتوحاً أمام الشباب العرب خصوصاً  حول دورهم في مستقبل نهضة الأمة فها هو الكيان الإسرائيلي الذي بدأ كياناً غريباً محتاجاً للاعتراف به محاصراً من كل الجهات بمن لا يريده ولا يطيق سماع اسمه إلا بين علامتي تنصيص عند البعض، قد استطاع أن يكون دولة قوية تكنولوجياً وعسكرياً واعلامياً وزراعياً وأمنياً بالرغم من كل العقبات والمعوقات، وهنا لا ننكر دور القوى الاستعمارية الكبرى في تهيئة الساحة له ودعمه بشتى أنواع الدعم، لكن الإرادة كانت متوفرة في لحظة ما معززة بالثقافة الخاطئة خاصة لدى الأجيال الحديثة من الإسرائيليين بالحفاظ على كيانهم وتوسعه ويهوديته أيضا.

في الجهة المقابلة أجج الربيع العربي إرادة العرب والمسلمين والفلسطينيين نحو قضية فلسطين ككقضية أمة ومشروع مركزي لها، هذه الإرادة – بالرغم مما حدث في مصر وسوريا إلا أنه يوجد أمل وقناعة بأن الشباب العربي قادر على إعادة ضبط البوصلة- تحتاج كل أساليب الدعم والعمل والمشترك لتحقق الكلمة التي قالها بيريز نفسه بأن ” الكيانات المصطنعة ستتفكك” وإن طال الزمن مهما بلغت محاولات تزييف الحقائق وتهميش الحقوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد