الحجرة في اللغة تختلف عن الغرفة، الحجرة قاصرة على ساكنيها وتوحي بالضيق، وغالبًا ما تكون في دور سفلي عكس الغرفة التي توحي بالاتساع ووصف بها غرف الجنة.

أول ما لفتني هو العنوان، واتضح لي فيما بعد وعندما انتهيت من قراءة الرواية أنه عنوان جرى اختياره بعناية ودقة وأصاب الهدف، وجرى توظيفه دراميًّا بشكل رائع كما بقية مفردات الرواية.

الحجرات الكثيرة التي انقسمت بين حجرات داخل البيت وحجرات أخرى خارجه، وأخيرًا طريق الخروج منها جميعًا، تلك الحجرات التي عبرناها سويًّا مع الكاتبة، حجرات قد نكون سكناها بالفعل لكننا لم نلاحظ ما لاحظته الكاتبة ووثقته ذكرى لأشياء فارقتها لكن ذكراها باقية.

تدور الرواية والتي رويت على لسان البطلة، وشرحت لنا دواخل نفسها وما استشفته من الشخصيات حولها، تحكي معاناة امرأة حالمة، كانت لها توقعات ثم فاجأتها الحياة بواقعيتها المفرطة.

البطل في الرواية هو الأثاث، الديكور الذي يتحرك معنا كأننا مشاهدون في مسرح والديكور يتغير بتغير المشهد.

الكاتبة هنا انتقلت بنا بين حجرات البيت، والبيت يوحي بالدفء والاحتواء، في غرفة المعيشة، حيث الراحة ويكون الإنسان أكثر ما يكون على سجيته، ومنطلقًا وهادئًا، وكيف بدت جلسة البطلة والبطل في أول الأمر متقاربين، لا يفصل بينهما حدود ولا حواجز ولا اختلافات، ثم وصفت آخر الأمر حين اختار كل منهما مكانًا يبعد عن الآخر بمسافة قُدرت في غرفة المعيشة بمتر أو أقل، حين كان كل منهما في الواقع في وادي غير الآخر.

تناقش الرواية أيضًا مشكلة الخرس الزوجي، واختلاف الاهتمامات، والكلام الحلو الذي نستبدل به فيما بعد كلامًا عسرًا على الفهم والهضم معًا.

حين ندخل المطبخ نكتشف أن مقولة أقصر طريق لقلب جوزك معدته، لم تطلق من فراغ، رغم هزليتها لكنها ترسخ في أذهان الكثيرين حقيقة وأمرًا واقعًا.

التفاصيل انفردت بالدور الثاني في الحكاية، واستخدمت في موضعها بالضبط، حيث إنها قربت الصورة، ولم تفرط في الوصف، تفاصيل مهمة لا يمكن الاستغناء عن تفصيلة منها.

يقولون المرأة تهتم بالتفاصيل أكثر من الرجل، وتفاصيل الرواية تكمن في الزوايا، في الردهات، في حجرات البيت أو حجرات أخرى زارتها البطلة واكتشفت فيها نفسها وأشياء أخرى.

الكتابة هي فعل التلبس بجريمة ما أردنا نسيانه بشدة فوثقناه دون أن ندري، لكنها في الوقت نفسه علاج، كالرسم والموسيقى ووسائل العلاج الأخرى.

الكتابة بوابة مرور الكتوم، الذي يجد مرارة في ابتلاع الكلمات أو النطق بها، فتأتي الورقة بلسمًا شافيًا ودواء ناجعًا.

الشعور الذي سيطر عليَّ أثناء القراءة، أني أقرأ رسالة طويلة من رسائل كُتبت لتعبر عن شجون وذكريات حلوة، وأحداث نعيشها، ومواقف ترددنا في حسمها مرات.

الحجرة الضيقة، في آخر الرواية استحالت لطريق واسع رحب، تمشي فيه البطلة، بعدما اجتازات ما اجتازته وتخطت صعوبات وآن لها أن تستمتع بالرحلة خارج الحجرات.

اللغة السلسة التي تكتبها شيرين، لغة القرب والتلامس، لغة تعبر عن لحظات الضعف والانكسار بمنتهى القوة. لغة مناسبة لأجواء الرواية الهادئة في خارجها، وداخل الحجرات براكين تستعر.

أكثر ما تفعل القراءة أنها ترشدنا وتدلنا دون أن تتعمد ذلك، وأكثر ما يريح فيها هي تلك المواساة التي نجدها بين السطور وكأنها وسادات للراحة والاتكاء عليها في لحظات الصفا.

قد يوحي العنوان بأن الرواية لن تأتي على ذكر أشياء أخرى قبل أو بعد المرور بين الحجرات، لكن هذا لم يحدث حين وصفت الكاتبة الحال في السيارة مثلًا، بالزجاج الذي لا يعمل، والمساحات التي تحتاج لتحريكها، بالأغاني التي تسمعها حين تقود وحين كان هو يقود.

وهذا ما يثري الرواية، ويجعل الساكن فيها متحركًا طوال الوقت، يشهد على حياة البطلة وعلى ذروة الأحداث ثم على وضع كلمة النهاية أو النقاط فوق الحروف.

أصدق الكلام ما خرج من القلب، ليصل إلى القلب، هذا كان شعورى حين انتهيت من رواية الحجرات للأديبة د.شيرين سامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد