قبل عدّة أيام، جرى بث الحلقة الأولى من برنامج «برلمان شعيب» الذي رُوّج له على نطاق واسع وبشكل مكثف في الفترات التي سبقت عرض أولى حلقاته؛ ترويجًا قلّما يحظى به كثير من البرامج التي ربما تكون ذات فاعلية ونفع أكبر على أرض الواقع. يمكن تلخيص فكرة البرنامج اليوتيوبي بكونه برلمان شبابي افتراضي مواز للبرلمانات الحقيقية في الدول العربية، يتألف من أعضاء شباب من مختلف أجزاء العالم العربي، يمثلون الشعوب العربية ويناقشون قضاياهم ومشكلاتهم، ويساهمون في طرح حلول لها، ويتم التصويت لهم من قبل الشباب العربي عن طريق حملات انتخابية افتراضية يقودها المترشحون على منصاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

ومن بثّه الأول أُخِذَ على البرلمان الافتراضي الكثير من الجوانب السلبية التي بدت للمشاهد بشكل تلقائي وفوري، والتي تمحورت حول الأداء الضعيف والسطحي والمبتذل الذي صدر عن أغلب الأعضاء في نقاشاتهم المحتدمة وجدالهم الطفولي الصاخب حول منصب النائب ومقاعد اللّجان، مما كان سببًا لسقوطهم أمامنا منذ اللحظة الأولى ولفَجْر تلك الفقاعات والهالات الوهمية التي تحيط السوشيال ميديا مؤثريها والمشاهير عليها بها.

ولأُقارب الصواب وأكون أكثر موضوعية، من الصعب الحكم على برنامج من أولى حلقاته، والشطب عليه أو مباركته كليّا، لكن طريقة العمل والبداية التي تكون هي دائمًا الواجهة الرئيسية، والجاذب أو المنفّر الأول للمشاهد، والجزء الأهم والأكثر خطورة وحساسية في العمل الإعلامي خصوصًا، تترك الكثير من الانطباعات وإشارات التعجب بالقلم الأحمر الغامق صعب المحي، كما يُبنى عليها الكثير.
حيث إنه من المستحيل أن تُترك قضايا الشعوب العربية المخنوقة بسياط الأنظمة الحاكمة والمقطوعة اللسان إلى شباب يسعى إلى منصب نائب الرئيس بناء على اشتراط «الوالد حفظه اللّه» إمّا أن ترجع بعريس أو بالنيابة. أو بعضو ثاني يرى أن القضية الفلسطينية العظيمة مرتبطة بشخصه الكريم، إن حضر حضرت وإن غاب غابت وطُعِنت في الظهر والصدر وأُهملت، وهو نفسه العضو – وبغير ذكر أسماء لأنني أهرب من تشخيص الأمور – الذي ذكر في مستهل كلمته أنه كان يظن أن لا وجود للمشاكل في العالم العربي على الإطلاق غير القضية الفلسطينية، حتى التقى بزملائه البرلمانيين، وعرف أن العالم العربي يتكون من 21 دولة غير فلسطين، ترزح تحت جحيم الحروب والاستعمار والفقر وسوء الخدمات، إضافة للقبضة الأمنية الحديدية واستبداد معظم الأنظمة الحاكمة.

يمكننا إرجاع كل المآخذ على أداء أعضاء البرلمان الافتراضي والمنتخبين افتراضيا إلى كون جميع الناجحين في بلوغ مقاعد البرلمان تم التصويت لهم بناء على صورتهم الافتراضية التي عملوا جاهدين طويلاً على صناعتها بدقة وحرفية لدى جمهورهم في مواقع التواصل الاجتماعي، تلك المنصات التي جرت في ساحاتها وأزقتها وعلى أرصفتها الزرقاء والحمراء والصفراء كل المعارك الانتخابية، وكانت العامل الأهم والأكبر الذي مكّن معظمهم من الحصول على العضوية في برلمان شعيب.
دائمًا ما كنا نرفع أصابع التحذير، ونكيل الاتهامات لمواقع التواصل الاجتماعية بسبب تزوير الشخصيات المؤثرة في ميادينها المختلفة وإصباغ مسحة من الكمال والجمال غير المنقوص عليهم، وكنا نؤكّد على سلبها إنسانية الإنسان المتثملة بالنقص البشري الذي يعتريه وعثراته الطبيعية، ومن هنا نبعت خيبات الأمل لدى المشاهد، فالمشاركون سقطوا في اللحظات الأولى وسرعان ما تكسّرت هالتهم أمامنا.

أنا لست في سياق تقييم البرنامج ككل أو إعطائه شهادة نجاح أو رسوب ومن ثُمَّ أسدل الستارة وأمشي، ففكرة البرنامج بحد ذاتها جديرة بالاعتناء والعمل عليها حتى تكتمل وتنضج وتعطي ثمارها، وهي فكرة سبق وأن طُرحت في العالم العربي – في سوريا تحديدًا – قبل سنوات ولكن لم تر النور ولم تخرج للعلن بسبب التضييق الأمني وإغلاق منافذ الحريات.
وعن ناحية الانتخاب والتصويت الافتراضي، فعلى البرنامج برأيي أن يعمل ويطوّر في المستقبل آلية انتخابية تكون أقرب إلى الواقع الحقيقي منها إلى الافتراضي بحيث يكون هناك معرفة عن قرب والتحام أكبر وأكثر حقيقية بين المترشحين والناخبين، فيتثنى لغير مشاهير السوشيال ميديا الترشح، ولمن هم أكثر أحقية وجدارة لتمثيل الشعوب العربية ومناقشة همومها وآمالها وتطلعاتها.

تبقى قضايانا ومآسينا حقيقية جدًا ونحتاج ونحن نتعامل معها أن نكون أقرب إلى الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد