الكل فقد الثقة في المنظومة الصحية المغربية منذ مدة؛ إهمال وبعده إهمال، ظل الكثير من الشرفاء يدقون ناقوس الخطر، لكن لا صدى دق في مسامع المسؤول، اتهم الشرفاء أنهم هم المتخاذلون المتلاعبون، وظل المسؤول متباهيًا بإنجازاته الوهمية الوردية، وأرقامها المزركشة، كرسام مر بريشته على لوحةٍ باليةٍ.
في زمن كورونا استيقظ الجميع، على وقع الصدمة؛ الأرقام والمؤشرات عقيمة ومكتئبة، خاصةً أن دولًا أخرى ظهرت إمكانياتها العظيمة للعلن.

والمواطن والمسؤول ارتعبا حد التبول اللاإرادي؛ فدوت صافرات الإنذار على أعلى مستوى، إن كورونا قادمة، وستحصدنا وستحصد الأخضر واليابس، فماذا نحن فاعلون؟ أغلقوا المداشر، وأعلنوا للعلن المكوث في المنازل، واجمعوا الزاد والمال، واطلبوا الجند إلى الحصون، وأرسلوا في طلب المؤونة الصحية، ولو في الصين لعلنا من هذا ناجون.

لا مكان للسياسي اللعين في هذه اللحظة، ولا مكان للمتخاذلين، فقط ذوو العلم والمعرفة، وذوو رباطة الجأش هم المجندون، المعركة معركة بقاءٍ وصمود، والسفينة تجمعنا حاكمًا ومحكومًا، فإما النجاة لبر الأمان، أو الغرق في بحر الظلمات، في معركة البقاء يستنفر الجنود، وتعزز الحصون وتُستجمع الهمم لتتقوى النفوس، يطلق القادة الوعود بشتى تلاوينها الحقيقية والوهمية، ثلةٌ من الجنود يصدقون الحيلة، وغريزة البقاء وحب الذات يطفو على أنفس الكثيرين، وقليلٌ هم الذين يدركون أنهم سواعدُ النجاة، ولا أمل إلا في القتال على كل الجبهات والصمود.

الأمر أشبه بالحرب حقًّا، ولكي تفوز في الحرب على الفيروس اللعين؛ عليك أن تكون قبل ذلك مجهزًا ومنيعًا، أن تكون لديك حصون أو منظومة صحية على المستوى المطلوب، أما إن كانت صحتك عليلة، فما عليك إلا طلب الألطاف الإلهية، لعل العاصفة تمر مرورًا هينًا، ووحدها الصدمة المفاجئة كفيلة بأن تجعلك تعيد الحساب وتعد العتاد.

في تركيبتنا النفسية المعقدة، تغير ماهيتنا، وتصرفاتنا مرتبطة بالصدمات التي تمر علينا؛ نتغير بعد صدمة الرسوب في المدرسة، نغير عاداتنا الغذائية بعض صدمة المرض المفاجئ، نتغير في تصرفاتنا بعد فقدان قريب أو حبيب، نحترم قانون السير بعد حادثة مرور كانت ستودي بحياتنا.

هكذا تتصرف منظومة الحكم في بلادنا، وتبقى استراتيجيتها مرتبطة بالعقلية العلاجية لا الاستباقية، فمثلًا: نقطةٌ سوداء في طريق ما لا يتم إصلاحها إلا بعد حوادث مميتة، مطلب ما لا يتحقق إلا بعد مظاهرة عنيفة، بؤرة تلوث مسرطنة لا يجري علاجها إلا بعد أن تحصد أرواحًا عدة، قانونٌ ظالم لا يتغير إلا بعد معركة نضالٍ أليمةٍ؛ في الطب حين ينهار الجسد والقلب ننعشه بالصدمة الكهربائية، وهكذا من الأمثلة التي تبرهن ارتباط ردة الفعل العلاجية بوقع الصدمة على جميع الأصعدة سواءً الشخصية، أو السياسية، أو الصحية، أو الاجتماعية وغيرها.

الدول المتقدمة؛ تقدمها مرتبط بعقليتها على تطوير أنظمة وقاية صحية متمكنة، بالتوازي مع منظومة علاجية متقدمة، وفي دولنا المتأخرة؛ منظومتها الصحية، وقع الصدمة تليه استجابة بعقلية «الحملة» أو المجابهة بكل الوسائل اللحظية الممكنة، ومحاولة التخفيف من حدتها قدر الإمكان؛ منظومة الحكم التي أبانت عن رد فعلٍ إيجابي أمام أزمة كورونا، عليها أن تستخلص الخلاصات، وتعالج الأخطاء السابقة، وتطور في القريب العاجل الصحة العمومية بكل مستوياتها اللوجيستي، والبنيوي، والبشري.

الأزمة أسفرت عن أن ضمانة بقاء الدولة واستمراريتها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بضمان صحةِ مواطنيها وقاطنيها؛ لقد طال الإهمال في قطاع الصحة لعقودٍ؛ أما آن أوان تغيير العقلية الرأسمالية البشعة، والنأي بالقطاعات الاجتماعية بعيدًا عن منطق الربح والخسارة؟ ألن نستفيد من تجربة الدول التي نجحت في المجابهة بقوة أنظمتها الصحية على الصعيد الإنتاجي والاستهلاكي؟

شخصيًّا؛ لست متفائلًا البتة في ما يخص تغير الواقع الصحي، فالمسؤول إن مرت عليه هذه الأزمة في ظروفٍ حسنةٍ، سيعود لسابق عهده؛ أما إن كانت الصدمة قوية وصداها كصدى إيطاليا وإسبانيا، آنذاك يمكن أن يتغير شيء ما، ربما في المستقبل القريب أو المتوسط، وغير ذلك لنلزم بيوتنا ولنعالج شوائبنا وذواتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد