يقول الزعيم النازي أدولف هتلر:

«إن انصراف الدولة إلى الاقتصاد وحده، يتم دائما على حساب الفضائل القومية والمثل العليا، وما يلبث أن يسبب انهيار الدولة وانهيار الاقتصاد معها».

وبطبيعة الحال، فإن هذا الانصراف الاقتصادي البحت يجعل من الدولة مجرد شركة شعبوية قائمة على القيم المادية الزائفة، التي تتغير بتغير الغاية وتتراقص حول قيمة السوق وهي ترتدي ثوب الأسعار الأبيض، وهذا ما يؤدي إلى نوع من عدم الاتساق وعدم التوافق، باعتبار المجتمع الاقتصادي مجتمع تراجعي يسير من الأنا الاجتماعية إلى الأنا الفردية.

وبالتالي تصبح الدولة مجرد دولة جامعة من بعد أن كانت دولة متدخلة وحارسة، وهذا ما يخلق تنافرا بين أنا الزعامات الاقتصادية المؤثرة في الدولة، مما ينتج عنه تكتلات المصالح القائمة وعداءات المصالح المتنافرة داخل الدولة الواحدة، وهذا ما يخلق نوعا من التبعية الأيديواقتصادية وبالتالي يخلق الخنوع المالي والتفاوت الطبقي الصارخ والعبودية والعمالية ويؤرجح كفة الفقر، وبالتالي يكفر الشعب بالدولة عندما تصبح الحاجة للعيش أشد وأكبر منها من الحاجة إلى الانتماء.

وكمجرد تكهن ونبوءة فقط قد نرى يوما ما مجتمعات اقتصادية تخلف وتحل محل الدول الاقتصادية إن استمر الأمر على هكذا حال، كأن نرى مثلا مدنا رياضية ومدنا نفطية ومدنا صناعية ومدنا سياحية وأخرى ثقافية ومدن بورصات مالية تحوي على سكان تجمعها المصلحة لا الجنسية ولا الانتماء ولا اللغة، وقد يتطور الأمر لتصبح هذه المدن دولا حتى؛ لأن تعدد القيم في المجتمع الواحد يؤدي إلى التشتت والتنافر والتشرذم.

ولذلك نجد تاريخيا أن الرسالة المقدسة والغاية الأسمى لكل دولة هي تصدير ثقافتها لغيرها من الشعوب والأمم، لا أن تجعل شعبها فقط من يؤمن بتلك الثقافة، لأن الدولة التي تمتلك الفكرة والعقيدة الفلسفية أو الروحية المقدسة هي من تتزين بعصبية شعبها وترتدي ثوب الإيمان بوجودها والعمل على رقيها، وهذا هو تفسير فرض الدول الكبر لمبادئها على الدول الصغرى، لأن ثقافة الدولة العظمى إن لم تنتشر عارضتها ونقدتها وأضعفتها ثقافات ومبادئ ورؤى الدول الصغيرة التي تتصعد على مدرج القوة، لذلك فتصدير ثقافتها يجعل منها سقفا لتطلعات الدول المتخلفة والشعوب الحقيرة في نظرها، وبالتالي تصبح عبارة عن دولة إله تقدسها باقي الدول وتجعل من ثقافتها أسفارا لإنجيلها وآيات لقرآنها وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو: «يلزم الآلهة لكي يسنوا شرائع للبشر».

لذلك فأعظم الإمبراطوريات في التاريخ البشري، كانت لا بد لها من عصا فكر تسوق بها باقي الشعوب والأمم، ولطالما صيغت هذه العصا اللعينة من شجرة الدين وألواح الحرية، كمصر الفرعونية حيث الفرعون إله، وروما المسيحية والعرب المسلمون والفرس المجوسية الزرادشتية والصين البوذية وحتى القبائل الطوطمية الإحيائية البائدة حتى في القدم، وكذلك روسيا الشيوعية وأوروبا اللائكية وأمريكا العلمانية الإمبريالية.

هذا من الجانب الفكري العقائدي، أما الجانب السياسي العسكري، فإن الناظر إلى كتب التاريخ ومرويات الشعوب والأمم يجد أن الدولة التي تركن إلى السلام مصيرها الزوال، قطعا لأنها تمنح الدول المحيطة فرصة التطور وخلق أيديولوجيات وعقائد ورؤى وتصورات مدنية حديثة، وبالتالي يتوجب على الدول الكبرى والأمم العظيمة خلق بؤر توتر بين الدول الصغرى وخلق نعرات طائفية وصراعات طبقية ونزاعات أهلية في أوساط المجتمع الواحد وحدود الدولة الواحدة، فالإمبراطورية الصينية مثلا لما شيدت سور الصين العظيم في عهد الأسرة الحاكمة تشين كوسيلة دفاعية ضد المغول والترك لأجل أن تحيا في سلام ترف ورفاه ماذا حدث لها؟ سحقها المغول، ولما اشتغلت روما ببناء الكولوسيوم وغيره من مسارح المصارعة وألعاب القتال والترفيه ماذا حدث؟ دخلتها القبائل الجرمانية. ولما اشتغل العرب بالعلم والترجمة والعمران ماذا حدث؟ تشتتوا إلى دويلات فهاجمهم التتار شرقا وملوك قشتالة وأراغون غربا. والأمثلة الضاربة في عمق التاريخ جمة وكثيرة، لذلك فالدول الكبرى بحاجة إلى الحروب والصراعات والنزاعات لكي تبقي أقدامها على الدول التي تحاول أن تسلبها عظمتها، وأن تبدد وتشتت قيم ثقافتها، لأن السيد الذي لا يضرب عبده يمنحه الجرأة، إلا إذا أخاه وبالتالي أصبح خادما وليس عبدا.

أجل.. فالدول ليست عبارة عن جمعيات خيرية ولا شركات اقتصادية، إنها عبارة عن جملة من المبادئ الأخلاقية والقيم العقائدية والأسس الإيمانية التي تخلق الوحدة الشعبية، ولكن للأسف معظم دولنا العربية تسعى لأن تكون مجرد دول اقتصادية، شأنها كشأن الشركات المتعددة الجنسيات ولهذا نرى التمزقات العقدية والنزاعات الطائفية تلقي بظلالها على كامل الدول العربية، لأنها وضعت الثقافة الغربية كسقف لتطلعاتها ولم تحاول تجاوزها كما فعلت ألمانيا النازية أو روسيا الشيوعية والأمثلة التاريخية كثيرة، لذلك عزيزي القارئ العربي لا تأمل بنهضة قومية ولا بوحدة إسلامية على الأقل لمائة سنة قادمة.

وأختتم قولي بقول روسو: «يجب أن لا ننسى من جهة أخرى أن الإرادة العامة يمكن أن تخطئ بالرغم من نياتها الحسنة» فحالما يتقيد الأفراد بالميثاق الاجتماعي لا تبقى لهم حقوق خاصة بل تصبح مجرد حقوق عامة وبما أن ميثاقنا اقتصادي بحت فحقوقنا كذلك مالية بحتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدولة
عرض التعليقات
تحميل المزيد