أنا الشاهد باعتبار موقعي عضو مكتب سياسي في التيار الديمقراطي التونسي، أُدون شهادتي المختصرة وأنا بكامل قِواي المُنهكة في هذا الوطن المثقل بالخيبات.

عزمت تسجيل ملاحظاتي حول الموضوع الأهم، انطلاقًا من غياب الصورة الواضحة لدى المتلقي حول حيثيات فشل الوصول إلى تحالف سياسي تكون مخرجاته حكومة بقيادة السيد الحبيب الجملي مرشح حركة النهضة، خصوصًا أن كثيرًا من التفاصيل، ومنها الأخيرة كانت حاسمة في تقييم المسار واتخاذ القرار النهائي.

لا يمكنني الحديث عن الوقائع دون الإشارة إلى أن الحقيقة الثابتة والغالبة بتتالي الأيام، كانت تواصل هشاشة العلاقة التي تُميز الأطراف السياسية المرشحة كائتلاف حكومي مستقبلي (حركة النهضة، وحركة تحيا تونس، وحركة الشعب والتيار الديمقراطي، ودون إغفال أدوار من وراء الستار لائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس)، انطلاقًا من الاختلاف الجوهري للرؤى وبرنامج الحكم والنوايا المبيتة.

وشخصيًّا تلقفت وبانتباه شديد كثيرًا من الرسائل في ممارسات الحزب الفائز، وكأنه أمام زواج بالإكراه (على رأي المثل التونسي: نشكلوها تاو وبعد يعمل ربي)، وهو ما يثير الكثير من المخاوف خصوصًا مع غموض سيرورة المشاورات منذ البداية، فبمرور 40 يومًا من التكليف الرئاسي (وبفاعل مستتر)، لم تكن مواقع الرباعي المرشح لتشكيل الحكومة سوى جزرًا متناثرة، لم تجمعهم وبصفة رسمية طاولة نقاش واحدة إلا في آخر يومين، وضمن إكراهات ضغط الوساطة.

نعم لم يتكون حد أدنى من الثقة طيلة فترة المشاورات، والحال أننا أشبه بأجزاء «puzzle» سعى الوسطاء لتركيبها ظنًّا منهم أن حكومة تجمع هذه الأطراف في حدها الأدنى أمل للوطن ونجاح مبهر. حتى في غياب الخيارات الجامعة والمحاور الكبرى للبرنامج، وهندسة الرسم الحكومي، وضمانات الاشتغال كفريق متجانس تحت قيادة مايسترو حقيقي بدون سلطة حزب أغلبي.

أتفهم خيبة أمل البعض بسقوط حلم تشكيل «حكومة ثورية»، ولكن لا يمكن حصر المسؤولية في ما يتردد أننا ولينا الأدبار رغم الحصول على المراد من الوزارات، صدقًا لا يمكن الاستناد لسردية طرحت من الوسطاء فقط، مع خالص الود و التقدير لهم، ولصدق نواياهم، ولكن هذه السردية تتوقف خارج جدران قصر الضيافة بساعته و تاريخه: الجمعة والسبت 20-21 ديسمبر، حين لم يكن أحدهم موجودًا مع رؤساء الأحزاب الأربعة والسيد الجملي في اجتماعات قصر الضيافة.

نقدر حرصهم، ولكن نجاح الحكومة القادمة لا يتوقف فقط على جمع الفرقاء حول طاولة مستديرة؛ فقد غاب عنهم أن الشيطان يكمن في التفاصيل، وأن الرئيس المكلف وحزبه دفعا في اتجاه الوصول لحكومة هجينة بلا برنامج ولا مضامين.

نعم كان من ضمانات مشاركة التيار الديمقراطي تولي وزارات محددة، ولكن كانت مرفقة بوجوب بلورة برنامج حكم إصلاحي ملزم ومعلن، ولقد حَرصنا منذ اليوم الأول للنقاشات مع رئيس الحكومة وفريقه على ضرورة الاشتغال لتكوين حكومة ذات مضامين كبرى تستند لحزام سياسي قوي، وتحمل مشروعًا مستقبليًّا، ولكن المحصلة مخيبة جدًّا؛ برنامج حكومي تحدده نتيجة استبيان مبهم، تضاف له تحت الضغوط بعض الشعارات المضمنة في وثيقة شبيهة بقرطاج 2، والأخطر طريقة التفكير في الشخصيات المرشحة لتولي الملفات عبر طرحهم على الطاولة بمنطق المخادعة.

لا أظن من الحكمة أن يشارك التيار الديمقراطي في حكومة هجينة معومة بفيلق من المستقلين المستترين بحصة ملكية من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ويُطالبنا السيد الجملي حينها بعدم المساس بها، وهي الأسماء التي تحوم حولها كل نقاط الاستفهام والاستغراب والحيرة، والحديث هنا عن بعض الأسماء التي أُسقطت لاحقًا، أو الأسماء المرشحة اليوم في التشكيل الحكومي الجديد (السليطي، والقديري، وبلال، وعبد الكافي، وذياب…) وأخرى مبهمة، ومثال على العبث الذي ميز اختيارات عرّابي ساكن قصر الضيافة، بل يؤسفنا أن نشير إلى أن السيد رئيس الحكومة حاول التذاكي معتمدًا في جلسة 21 ديسمبر (كانون الأول) بتمرير أكثر من مغالطة تحجب مصدر هذه الترشيحات، والتي كان أساس هندسة الحكومة الجديدة المرشحة، والتي ينتظر أن تعرض أمام جلسة للبرلمان التونسي يوم الجمعة القادم.

فالسيد الرئيس لا يمكن أن ينفي أنه نهل من خبرات مستترة من مخازن حركة النهضة والمنظومة القديمة شق قلب تونس، تكون عونًا وعددًا لتمرير السياسات القادمة في المجالس الوزارية، فلا يجب أن ننسى طبعًا مشاركة حزبين ينهلان من مراجع المدرسة الحاكمة بخيارات اليمين النيوليبرالي، وباستفرادهم بالملفات والبرنامج الحكومي، خُطط لنا مسبقًا لعب دور «البارشوك الاجتماعي» لخياراتهم الاقتصادية، ولا نعلم من سيتحملها مع حكومة الكفاءات المستترة مستقبلًا.

نقولها وبقناعة ثابتة رغم ما يصلنا من عتب، نتأسف كثيرًا  أن تكون لتونس هذه الحكومة الضعيفة، ولا نرى أننا ساهمنا بسبق إصرار في هذا الفشل؛ إذ لم يتوفر أمامنا التزام واضح وقبول باقتناع من طرف حركة النهضة والسيد الجملي لوعود متأخرة منذ 16 ديسمبر، أساسها عرضهم المقدم كمنطلق جديد للنقاش، بل كانوا يرون بعضها بموافقة مؤجلة والبعض الآخر عبرت عنه حركة طأطأة متزامنة للرأس من قبل الشيخ والجملي لموافقة سريعة دون نقاش وضمان آليات فعلية، ولكن بحدس السياسة وسيرورة التفاوض هي صعبة التنفيذ، وما فضحهم والله إلا ترددهم الواضح على مدار يومين، وهو ما عاهدناه منهم سابقًا بإخلالهم بالمواثيق وتراجعهم عنها (و لنا مثال عن سياساتهم طيلة تسع سنوات).

لقد غابت أمامنا كل الآليات الموجبة لإنجاح العمل الحكومي ولا أعتقد أن نرضى كحزب مسؤول بمشاركة من أجل المشاركة «كومبارس» ويافطة جذابة، خصوصًا في غياب برنامج حكومي في مستوى تطلعات وتحديات المرحلة الصعبة.

صدقًا لم تكن البلاد لتحتمل أي فشل جديد، بل نعد تواصل بوادر الاختلاف في مسائل جوهرية تعميقًا لأزمة البلاد، وتوفرًا للشروط الموضوعية لتواصل اختلال الاستقرار السياسي، والتسريع بسقوط الحكومة الضعيفة (وهو ضمن وعيهم وتخطيطهم)؛ فانفجار حكومة المولوتوف الهجينة في أول سنة سيكون ضربة في المقتل للدولة، وترذيل لآخر الأحزاب ذات المصداقية في هذا الوطن.

لم يكن موقفنا الأخير ضمن المكتب السياسي إلا التزاما بموجبات الموقع الذي يحتله التيار الديمقراطي في الساحة السياسية، والذي يجعل من دوره أكبر من أي مؤسسة حزبية أخرى، فإن كان يطمح لإنجاح الحكم وتحمل أعبائه فإنه المسؤول الأول في غياب ضمانات كفيلة لصنع حكومة قوية، ليكون قاطرة معارضة وطنية فوق أي اعتبارات حزبية تدفع في اتجاه التوازن السياسي وتصحيح المسار، عبر الرقابة والمساءلة، وتقديم البرامج والمشروعات والمبادرات التشريعية.

ختامًا ويقينًا، عندما نصدق في عهودنا ونلتزم بقول الحقيقة؛ سيكون وطننا بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد