«يتطلَّب الإيمان هذه الوثبة الشجاعة في الفراغ، حيثُ تؤمن بشيء بكُليَّاته،
دون أن تتمكَّن من التحقق من كل الجزئيات، أن تُبصر جيدًا، حتَّى لو أغمضتَ
عينيك».

في كتابهِ ليطمئنَّ عقلي -650 صفحة – المنشور في العام 2019، والصادر عن «عصير الكتب» للنشر والتوزيع، يواجه الدكتور أحمد خيري العمري ظاهرة «الإلحاد الجديد»، فيبدأُ حديثه بعرض أنماط التفكير والمغالطات المنطقية التي يستخدمها الطرفان، المؤمن والمُلحد، وتنتشر بِكثرة في نقاشاتهم، رُغمَ أنّه لا يصحُّ أصلًا استخدامها في هذا السياق.

ومن ضمن هذه المغالطات:

– مغالطة المصطلحات الرنَّانة وغير المفهومة، والتي تقوم على استخدام مصطلحات صعبة ومعقَّدة، توهم الطرف المتلقِّي بأنه الطرف الأضعف والأقل فهمًا ومعرفة، في مغالطةٍ قريبة لمغالطة المُنجز الشخصي للمتحدِّث «كالشهادات العلمية وغيرها».

– مغالطة رجل القَش، «الانتقام من الدُّمية»: هي باختصار تقوم على تقديم صورة مشوهة للعدو، ثم انتقاد هذه الصورة، بالضبط كصنع دمية تشبه العدو ثُمَّ إشباعها ضربًا.

مغالطةُ الشخصنة: وفيها يهاجمُ شخص ما يتبنَّى الفكرة،  بدلًا من مهاجمة الفكرة نفسها، وهي المغالطة «الأكثر شيوعًا والأكثر تحقيقًا للهدف المرجو».

– نمط الاجتزاء في التفكير: يمثِّل عليها الكاتب باجتزاء تفاصيل معيَّنة من سيرة النبيِّ، عليه الصلاة والسلام، أو من بعض التشريعات دون النظر إلى الصورة الكبيرة/ السياق التاريخي الذي حدثت فيه هذه التفاصيل، وقيام البعض بنقل هذه التفاصيل إلى سياق مُختلف ومعاصِر، وأنّ ذلك سيسببُ صدامًا متعدد الأوجه مع فكرة صلاحية النص لكلِّ زمانٍ ومكان.

لينتَقل الكاتب للملف الأهم، ملف الوجود الإلهي، والذي يمثلِّ حجر الأساس للكتاب كله، إذ إنَّ الملفات اللاحقة كافة (الأديان، العنف في الإسلام، الحريَّات) تُبنى عليه، وبدونه تعتبر كلُّها هدرًا للجُهد «ولا داعي لها».

حسمَ الدكتور العمري أمره في تسمية الفئة التَّي وجَّه إليها الكتاب، مطلقًا عليها لقب «اللامطمئنة» أو «المؤمنة ولكن..» وفي وصفها قال: «ليسوا محايدين بالتأكيد، هم منحازون إلى الإيمان، يريدون أن يثبتوا عليه، ولكنَّهم في الوقت نفسه يخافون أن تحاصرهم الأسئلة التي لا أجوبة لها».

ورُغمَ أنَّ الكاتب صنعَ فئة بعينها ووجه الكتاب لها، فإنَّ نسبة المعرفة المُسبقة بالمعلومات التي يوردها الكتاب – أحيانّا- تلعب الدور الأبرز في تحديد الفئة التي عليها أن تقرأه، فرُّبما يجد المُلحد الذي حسم أمره، ضالَّته في الكتاب، رُغم نفي الكاتب لذلك، وقد يحتاج المؤمن لقراءة ملف واحد، «تاريخ الأديان» كمثال.

بشكلٍ عام، فإنَّ التركيبة الهندسية المعقّدة، والكميَّة غير المحدودة من المعارف والتجارب والمعلومات التي يتعرض لها العقل البشري في كلّ مراحل حياته، تدفَعهُ للاستمرار بطرح الأسئلة التي تمكنه من الوصول إلى الاطمئنان لقناعاته، بالطبع يصبح الأمر أكثر تعقيدًا إن تعلق بالمعتقدات الدينية.

إنّ ما يجعل الكتاب قريبًا ومحببًا للنفس هو كون الأسئلة كلها متاحة، تلك التي كنتَ تظن أنه ليس بإمكانك حتى مجرد التفكير بها! الدكتور العمري يجيب عن الأسئلة كافَّة، حتى إن كان سؤالكَ لامنطقيًّا، سيجيبك على أي حال! ربما تكون الإجابة أن السؤال خاطئ، ولا علاقة له بلبُّ الموضوع، ولن يقودك للإجابة التي تبحث عنها، وبالطبع ستعرف لماذا، أي إنك لن تحصُل على إجابات غير مُبرهنة.

قد تختلف مع الكاتب في بعض المحطات، هذا يعتمد بالأساس على مدى التقَبُّل أو التبَني للطريقة التي تتَّبع، لكن الأكيد أنك ستخرج منه قادرًا على الدفاع عن إيمانك بقدرة ودقة عاليتين.

«العلم لا يُمكنه أن يُجر إلى منطقة خارج تخصصه، العلم مُحايد، كما كان
دومًا وكما سيبقى دومًا، ما دام علمًا ماديًّا بالمعنى الذي نعرفه». «حدود
العلم هي هذا العالم، بكل ما فيه، كل ما ليس من هذا العالم، لا يُمكن أن
يخضع للعلم، ولا يُمكن للعلم أن يستكشفه»، في رد الكاتب على طلب الأدلة من
العِلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رحلة, قصيرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد