وأنا أمشي بعد الامتحان النهائي مع أستاذ “الإدارة المالية” الرجل الفرنسي من أصول مغربية كان يحثني أنا وطالبة من السعودية على العمل للرجوع إلى أوطاننا كي نساعد على النهضة، “فتلك البلاد تحتاج إلى كل من لديه موهبة في أي مجال”، كما قال. ونحن نمشي بخطوات بطيئة جدًا ونتحدث بالإنجليزية بدأ يتحدث الرجل (الذي أشهد إنه صاحب أخلاق رفيعة) أن المشكلة الأولى والأخيرة في العالم العربي هو الدين!!

وضرب المثل بالدول الإسكندنافية التي نسبة “الإيمان بالإله” فيها متدنية للغاية، ولكنها من أكثر الدول تقدمًا حول العالم. فهو رجل “علماني” كما يحب أن يقول على نفسه.

سمعت الفتاة هذا الكلام فجن جنونها وكان أول رد لها. “كيف؟

هل تعلم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي صنع حضارة!! أما بخصوص كلامك (تشير إلى الأستاذ) عن الشرطة الدينية، أنها تخلق خوفًا ونفاقًا في المجتمع فهو غير صحيح”. وتركت كل مساوئ أو إيجابيات تلك الشرطة الدينية وبدأت بالحديث عن “Cyber Bullying- البلطجة السيبرانية” وكيف أن الشرطة الدينية تنقذ عددًا كبيرًا من الفتيات المعرضين للخطر من قبل القراصنة على الإنترنت، بينما يموت المئات في أمريكا بسبب هذا الموضوع.

وعندما سألتها، هل تعتقدي أن هذه الشرطة تصنع مجتمعًا قائمًا على النفاق فعلًا كما يقول؟ ردت بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام “كل أمتي معافى إلا المجاهرين”، ولم تكمل الحديث ولم ترَ أن مقاصد الدين أكبر من مجرد حث الناس على عدم “المجاهرة” فهل هذه مشكلة الأمة الوحيدة؟

عندما تركتهم بدأت أفكر في الأشياء المشتركة بين هذا الأستاذ العلماني وتلك الفتاة التي لديها حمية للدفاع عن الدين. فلم أجد سوى كلمة واحدة تجمعهم ألا وهي “الاختزال”. اختزال في كل شيء كانا يتحدثان عنه. فهذا الرجل اختزل مشكلة العالم العربي والإسلامي في شيء واحد ألا وهو “الدين”! بينما ادعت تلك الفتاة بكل ثقة أن الدين الوحيد الذي صنع حضارة هو الإسلام!!

يعني أنها اختزلت تاريخ البشرية في تاريخ الإسلام المكون من ١٤٠٠ سنة. لم تختلف عن الأمريكيين الذين يظنون أن أمريكا هي “الكون”. ثم اختزلت إيجابيات أو مساوئ هذه الشرطة في مكافحة القراصنة على شبكة الإنترنت smile emoticon.

هذا الرجل أطلق كلمات وأفكار تختزل مشاكل “الأمة” في الدين فقط!! بينما ترك “الاستبداد”، “الإمبريالية”، “الجهل”، “التبعية”، “عدم التفكر” وعوامل أخرى كثيرة.. بينما لم تطلب تلك الفتاة العلم والمعرفة لتعرف أكثر عن الحضارات الأخرى التي صنعتها بعض الديانات السماوية والوضعية. فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

الأستاذ الفاضل والفتاة التي لديها حمية قد تكون أكثر صدقًا مني وأنا أكتب هذه السطور. لا يختلفان كثيرًا عن أنماط “المتدينين” و”العلمانيين” في بلادنا. فبينما تفنى أعمار الكثير من العلماء والمتخصصين للبحث عن أجوبة قد تبدو سهلة، يقعد الكثير من العامة أمام شاشات “التلفاز” ليصلوا إلى أصل مشاكل الدهر في ساعة أو حتى ربع ساعة.

هل يعلمون أن الإمام الغزالي وضع “باب العلم” في أول كتابه إحياء علوم الدين؟ هل يعلمون أن د. عبد الوهاب المسيري استثمر $500,000 من ماله الخاص ليكمل موسوعته عن الصهيونية واليهودية؟ هل نعلم أن الأستاذ المسيري أجل نشر موسوعته ليس سنة أو سنتين بل ١٥ سنة ليكون أكثر دقة وحتى لا يكون “خائنًا فكريًّا” بعدما اكتشف خطأ في كتابه؟

مثلما يترك الكثير من الداوعش عقولهم عندما يدخلون إلى عقر ديار “تنظيم الدولة” فعلى النقيض يترك الكثير منا عقله لكل من هب ودب دون تفكر.
في الكثير من الأحيان من “يختزل” المسائل والمشاكل يتبع هوى، ومن يتبع هوى في كثير من الأحيان يترك فؤاده وعقله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد