«ما مثلناه على أنه إنتاج عالم الخيال تفاجأنا بأنه تجسيد حقيقة»

110916_2019_Na3eem1.jpg

لم تكن صدفة أن يقف الممثل التركي الشهير نجاتي شاشماز – المعروف بمراد علمدار – على منصات المهرجانات الشعبية التي كانت تحتفل بفشل الانقلاب الأخير مرددًا هذه الكلمات، والتي يقصد بها  مسلسل «وادي الذئاب» الشهير الذي  تناول مؤامرات على الدولة التركية تشابهت مع أحداث الانقلاب الأخير الفاشل، نجاتي الذي يعتبر مقربًا من الرئيس التركي، ركز في مسلسله الذي انطلق بعد عام واحد من صعود حزب العدالة والتنمية الحلبة السياسية عام 2002 على قضايا سياسية هامة؛ ليحقق نجاحًا باهرًا على الساحتين التركية والعربية التي يعتبر فيها «مراد علمدار» نموذجًا للبطل المنتظر.

مراد الذي بدأ مسلسله بمطاردة العصابات في شوارع إسطنبول، انتقل بعدها مرتديًا ثياب القوات الخاصة التركية؛ لتنفيذ عمليات حساسة في  مناطق الجوار، كسوريا والعراق، وبعد أعوام من هذه الأحداث التي وصفها «نجاتي شاشماز» بأنها أنتجت في عالم خيالي، تتجسد  على أرض الواقع بتنفيذ القوات الخاصة التركية لعملية خاصة في الداخل السوري لنقل ضريح «سليمان شاه» قبل فترة، وحاليًا  بتنفيذها عملية «درع الفرات» في الشمال السوري، وتدخل تركيا مؤخرًا في عملية تحرير الموصل من داعش.

 

لقد لعب المسلسل دورًا في تمثيل السياسة التركية تحت غطاء درامي، وتحضير الرأي العام التركي لعمليات كانت متوقعة،  فحزب العدالة والتنمية منذ توليه للحكم كان يؤرقه كابوس الانقلابات السابقة، فلم يدخر وسيلة، إلا وقد استخدمها في حشد الجماهير وتثقيفهم، فكانت المسلسلات الطريقة الأمثل لتوعية المجتمع بمخاطر الانقلابات والمؤامرات الخارجية التي تحبك لتركيا، وفي نفس الوقت إثارة المشاعر الدفينة لديهم بتناول المسلسلات لقضايا حسَاسة في الشرق الأوسط كالقضية الفلسطينية  لربط المجتمع بتاريخه، وإعادة إحياء إرث فقد بين حدود الدول، إضافة إلى  إنشاء قناة اتصال مع الجماهير العربية في الشرق الأوسط من خلال تنفيذ عمليات وهمية في المسلسلات تشبع تعطشهم لنصرة منتظرة، كمشهد اقتحام «مراد علمدار» للسفارة الإسرائيلية؛ مما أثار حماس الجماهير العربية، وأغضب الكيان الصهيوني في ذلك الوقت.

110916_2019_Na3eem2.jpg

بعد نجاح مسلسل وادي الذئاب انطلقت بعده عدة مسلسلات، مثل  مسلسل «ردة فعل»، وأخيرًا مسلسل «قيامة أرطغرل» الذي يعرض على التلفزيون التركي الحكومي، حيث يتناول قصة «عثمان بن سليمان شاه» والد مؤسس الدولة العثمانية، وحاليًا يحقق نجاحًا باهرًا وسط الشباب التركي، وعلى الساحة الخارجية حيث تم تسويقه في أكثر من 60 دولة من بينها دول العربية، وتأتي هذه المسلسلات بعد نجاح مسلسلات أخرى، كمسلسل «القرن العظيم»  الذي أنتجته مجموعة «أضن دوغان» ذات التوجه العلماني، حيث قدم الرئيس التركي أردوغان – كان رئيسًا للوزراء آنذاك – شكوى  ضد المسلسل لعدم رضاه من إظهار السلطان العثماني في القرن السادس عشر كمدمن خمر وزير نساء، ويمكن القول بأن هناك تنافسًا دراميًا ما بين التيارين المحافظ، ممثلًا بحزب العدالة والتنمية الحاكم والتيار العلماني الكمالي.

 

لقد نجحت الدولة التركية في توظيف الدراما في خدمة أهدافها، وإيصال رسائل مبطنة غير مباشرة للجمهور التركي   الذي لا يحبذ شاشات السياسة والأخبار، فدخلت لهم من الباب الذي يرغبونه، وأثارت فيهم الحماسة مع طلقات «مراد علمدار» وصهيل خيل «أرطغرل» الذي وصل غبارها الوطن العربي، جاذبة أنظارهم نحو حليف مرجو، ونصير منتظر مفقود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد