في تحقيق صحافي سألني أحد الصحافيين عن مصطلح الإسلام السياسي؛ فأوضحت له أنه مصطلح نحت للطعن في مناهج الإسلام السياسية. ولكن وجدت أن الأمر يحتاج إلى توضيح أكثر ودراسة أوسع؛ فالإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لنا، يقول تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاۚ»، ودين الإسلام الذي ارتضاه لنا ربنا هو دين واحد وإسلام واحد.

فإن وافقنا جدلاً على مصطلح الإسلام السياسي «ومثله مصطلحات الإسلام البدوي والإسلام الحضري والإسلام المصري و، وأشباه ذلك»، إن وافقنا على وجود هذا الإسلام السياسي فمن الذي جاء به؟ وهل كان له نبي غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ واستخدام مثل هذه المصطلحات قد يكون فيه قصد الطعن للإسلام، وخاصة أنه غالبًا لا تذكر تلك المصطلحات إلا في مقام الذم.
فهل يمكن أن نقول إن الإسلام السياسي سيئ ومتخلف؟ وهل يجوز أن نقول إن الإسلام الصحراوي متشدد متزمت؟ فإن أقررنا بذلك؛ فذلك سيعني أن هناك إسلامًا جيدًا وآخر سيئًا!
إن من نحتوا تلك المصطلحات لم ينحتوها إلا لمهاجمة بعض الشعائر أو القيم السياسية الإسلامية والطعن فيها، ولأنها نحتت فقط للطعن في قيم إسلامية قد لا يرضى عنها من لا يستطيع مهاجمة الإسلام بطريقة مباشرة ممن يتحدثون بلساننا ومن بني جلدتنا؛ فقد وجدوا لأنفسهم مندوحة في مهاجمة الإسلام السياسي والإسلام البدوي الصحراوي. وإلا لماذا لم نسمع مصطلح الإسلام الاقتصادي مع أن التجارب الاقتصادية الإسلامية أكثر نضجًا وأوسع انتشارًا من التجارب السياسية الإسلامية؟
ولماذا لم نسمع مصطلح الإسلام الاجتماعي الذي ينظم شؤون الأسرة والعلاقات الاجتماعية بين المسلمين؟ ولماذا لم نسمع عن الإسلام الجنائي الذي ينظم والعقوبات الجنائية؟ ولماذا لم نسمع مصطلح الإسلام التعبدي الذي يختص بالعبادات وعلاقات العبد بربه؟ إن تلك المصطلحات مثل الإسلام السياسي والإسلام البدوي والإسلام المصري هي بدعة سيئة لم يرد منها إلا الطعن في بعض القيم السياسية الإسلامية في مجال السياسة، أو التحرر من بعض التكاليف والأوامر الدينية بزعم أنها من الإسلام البدوي المتشدد.
إذن حين نريد الحديث عن نظام الحكم في الإسلام والعلاقة بين الأمة وحكامها وواجبات الحكام وحقوقهم مقابل حقوق الأمة وواجباتها، فكيف نصف هذه الاتجاهات؟ وكما أسلفت ولأن التجارب الاقتصادية الإسلامية أصبحت أرسخ وأصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره، حتى إن بعض الدول الأوربية غير المسلمة تسمح للبنوك الإسلامية بالعمل فيها، بل أحيانا يطالب بعض الخبراء الأوربيين بالاستفادة من الاقتصاد الإسلامي لمعالجة بعض الخلل في الاقتصاد، مثل التضخم وأسعار الفائدة.
فكما تم إطلاق مصطلح «الاقتصاد الإسلامي» لماذا لا يتم إطلاق مصطلح «السياسة الإسلامية»، وبدلاً من إطلاق الإسلام البدوي أو الإسلام المصري نقول التدين البدوي والتدين المصري. وهل إطلاق السياسة الإسلامية أفضل من الإسلام السياسي؟ بالطبع؛ فحين نتحدث عن السياسة الإسلامية فإننا نتحدث عن فعل بشرى يقبل الصواب والخطأ ويمكن الثناء عليه أو توجيه سهام النقد له، أما الإسلام السياسي فإن توجيه طعن له هو طعن في الإسلام.
إن السياسة الإسلامية هي اجتهاد بشري في تطبيق الإسلام في مجال السياسة والحكم؛ ولأنه اجتهاد بشرى فهو يمكن أن يخطئ ويصيب ويتطور مع تطور المجتمعات والنظم. بل يمكن مع نضج التجارب السياسية الإسلامية أن نجد نظمًا إسلامية مختلفة ما بين نظم ملكية ونظم جمهورية. وما بين نظم رئاسية ونظم برلمانية، وجميها تستقي مبادئها من الإسلام، ومع ذلك ليست متشابهة تمامًا ولا مستنسخة بعضها من بعض.
ذلك أن الإسلام لم يأت بنظام إسلامي جامد يطبق في كل وقت وفي كل زمان، بل أتي بمجموعة من القيم يجتهد المسلمون في تطبيقها بحسب أحوالهم، مثل وجوب الشورى ووجوب بيعة الأمة لولي الأمر بيعة حرة لا إجبار فيها، ووجوب العدل والمساواة والحرية والطاعة لولي الأمر الشرعي.
لذا فقد يجتهد المسلمون في إندونيسيا ويخرجون نظامًا سياسيًا إسلاميًا يختلف في تطبيقاته عن النظام السياسي الإسلامي الذي يتوصل له المسلمون في مصر، والنظام السياسي الإسلامي في بلد زراعي قد يختلف عنه في بلد صناعي، وقد يختلف عنه في بلد ريعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد