حقَّق النظام المصري خلال السنتين الماضيتين عدَّة «إنجازات» في السياسة الخارجيَّة، ربما كان آخرها الموقف المصري الأخير من الحرب على قطاع غزَّة. وقد كان هذا الموقف من الملفِّ الفلسطينيِّ تتويجًا لمساعٍ أخرى شملت ملفات خارجية عديدة. فقد بدأ النظام رحلةً شاقة ويبدو أنَّها ستكون مُجزية في إعادة إعمار العراق، وهي الرحلة الشاقة نفسها التي بدأها في ليبيا، ويبدو أنَّها ستكون مُجزية أيضًا، كما يبدو أنَّ النظام المصري قد حقَّق موقفًا «متقدمًا» أيضًا في ملف شرق المتوسِّط.

في البداية يجب أن أشير إلى أنَّ المقصود بـ«النظام المصري» لا يعني أنَّ المشُار إليه هو الرئيس مباشرةً وفقط، وإنما المقصود به «النظام» بما هو مُعطىً أخرج الرئيس، وتأثَّرا بعضهما ببعض.

وأمام هذه النجاحات و«الإنجازات» التي يحقِّقها النظام، اندفع بعض المنتمين إلى «معسكر الثورة» أو «المعارضة» أو سمِّهم ما شئت، في محاولات تحليل هذه التحركات وفق سياقٍ أعمّ يتجاوز بطبيعته التحليلية موقف الشخص نفسه من النظام، أو لنقل يتجاوز «موقف النظام المصري من الشخص نفسه»، هذا إن كان يراه أصلًا. باعتبار هذا الشخص هنا معبرًا عن شريحةٍ واسعة من الناس تنتمي لمعسكر الثورة.

عادةً ما يسحب صاحب السلطة خصمه السياسي لمنطقته، خصوصًا عندما يحرز صاحب السلطة تقدُّمًا ما في بعض الملفات. وبطبيعة الوضع القائم، يجدُ الخصم نفسه في موقفٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ ووطنيٍّ مُحرِج، ففي هذه المساحات يتقاطع الذاتي بالموضوعي تقاطعًا متناقضًا، فمن ناحية؛ هذا النظام هو خصمٌ سياسيٌّ (ولن أتحدَّث هنا عن الخصومة الأخلاقية (حقوق الإنسان وغيرها) أو الثورية (بصفته أحد المقوِّمات الرئيسية للثورة المضادة في المنطقة)، ولكنَّ هذا النظام نفسه في تلك المرحلة الزمنية يمثِّل «الوطن»، فهو الذي يقبض على كلُّ مداخل ومخارج السياسة والسلطة فيه، فأيُّ خسارة له هي بالضرورة خسارة للوطن، خصوصًا في الملفات الخارجية.

لن أناقش هنا فرضيَّة ما إذا كان على الناشطين والمهتمِّين بالمجال العام أن يؤيِّدوا أو يعارضوا هذا التقدُّم الذي يحرزه النظام في الملف الخارجي، لكنَّني أضع التساؤل الذي طرأ على ذهني خلال السنتين الماضيين على الطاولة، وأحاول الإجابة عنه وفق بعض النقاط المحددة.

والسؤال هو: هل علينا أن نصفِّق لـ«إنجازات» النظام المصري الخارجية؟

*****

الإجابة التي وصلت إليها عن هذا السؤال كانت تتطوَّر وتتبدَّل مع كلِّ تقدُّمٍ أو موقفٍ يحرزه النظام خارجيًّا، وهي إجابة جاءت أيضًا بعد تذبذبٍ وتفكيرٍ طويل، خصوصًا أنّ بعض الأصوات المحسوبة على ثورة 25 يناير قد بدأت منذ فترةٍ ليست بعيدة في تقديم خطابٍ أكثر تصالحًا، بل تقبلًا للنظام. فيما أظهر البعض تحولًا جذريًّا في موقفه من النظام فأصبح من داعميه، تقلَّب آخرون بين تأييدٍ على مضض أو «تصفيقٍ» على استحياء فاصلين وعازلين بين إشكالياتهم مع النظام وبين «مصر»، وهي مقاربة تستحق التقدير والنقاش الفعَّال دون شكٍّ، والسياسي يجب أن يقرأ الواقع ضمن إطار تناقضاته، لا ضمن إطار تصوراته.

وقبل أن أسترسل في ذكر إجابتي من خلال نقاطٍ ثلاث أراها رئيسية، أجد من المناسب أن أذكر نقطتين رئيسيتين:

الأولى: أنَّ سبب هذه النغمة المحتفية أو المُبرِّرَة للاحتفاء بـ«الإنجازات» الخارجية للنظام سببها الغياب المصري عن المشهد الإقليمي الذي طال كثيرًا، حتَّى ظننا أنَّه غيابٌ أبديٌّ. والنظام الحالي هو الذي «أعاد بعض هذا الدور». ففعل «التصفيق» سواءً كان على استحياء أو دون حياء، هو في الحقيقة ليس سوى «عطش» طال عقودًا لدورٍ خُلقت – في الحقيقة – مصر لتلعبه بطبيعتها.

الثانية: هي أنَّ النظام (وهو ليس وحيدًا في هذا للحقيقة) يلعب أحيانًا على ترسيخ الخطاب القومي عن «مصر الكبرى». لكنَّ هذا الخطاب المقصود به شحذ الجماهير، والذي تنطق به تصريحات الإعلاميين، لا ينعكس أبدًا على تصرُّفات ولا تصريحات رأس النظام، لا في المحافل الدولية ولا حتَّى المحليَّة (احنا فقرا أوي نموذجًا تفسيريًّا).

وهو الخطاب نفسه الذي يمركزه دومًا خطاب النظام: بدايةً من التحشيد القومي/الهزلي الذي بدأ بالتفويض لمحاربة الإرهاب، ثمَّ مشروع تفريعة قناة السويس التي تمَّ التحشيد لها على أنها قناة سويس جديدة ستغيِّر معادلات لا أحد يفهمها سوى النظام، وصولًا إلى العاصمة الإدارية الجديدة، في ظلِّ حقائق موضوعية تقول إنَّ أكثر من ثلث الشعب المصري يعيش تحت خطِّ الفقر.

*****

الآن، فإنَّ الإجابة عن التساؤل الرئيسي الذي طرحته بالأعلى، تأتي من خلال نقاطٍ ثلاث:

النقطة الأولى: أنَّ هذا النظام منقوص الشرعيَّة. وهو يدرك هذه الحقيقة، ويتصرَّف على أساسها، وإذا كنَّا سنتعامل مع «إنجازات» النظام خارجيًّا بوصفها واقعًا يجب أن نتفاعل معه، فعلينا أيضًا ألَّا ننسى حقيقة أنَّه منقوص الشرعيَّة.

وسواءٌ كنت متفقًا على أنَّه جاء بانقلابٍ أو أنَّه ركب موجة مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 وأحكم قبضته على السلطة، فإنّ هذا النظام منقوص الشرعيَّة بلا شكٍّ. وهذه الحقيقة تثقل كاهل النظام، ويظهر ذلك في محاولاته للتغطية عليها والتملُّص منها بخطواتٍ تقوده دون أن يدري لتآكلٍ أكبر في الشرعية على المدى البعيد.

صدَّر النظام خطاب محاربة الإرهاب داخليًّا لكسب شرعية من لم يأتِ بانتخاباتٍ مثل محمد مرسي، ولا بشرعية «الضربة الجوية الأولى» مثل مبارك، ولم يأتِ بشرعية نصر أكتوبر وبطل الحرب والسلام مثل السادات، ولا بشرعية الثورة ومقاومة الاستعمار مثل عبد الناصر.

ومحاربة الإرهاب إحدى الوظائف الرئيسية المنوطة بأيِّ نظام، لكنَّها لا تكفي لتكون محور ارتكاز شرعيَّته السياسية والوطنية. وهو خطاب يُمكن ببعض المجهود له أن «يُباع» في الغرب على نطاقٍ واسع، وهو الذي يشنُّ حربًا بقيادة أمريكا على «الإرهاب» منذ عقدين.

وقد ظهر هذا في ملفات لوبيات واشنطن التي عملنا عليها في ساسة بوست العام الماضي. فقد تعاقد السفير المصري في واشنطن في يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، بعد ستة أيام فقط من الانتخابات الأمريكية مع شركة ضغطٍ عملت على ملفَّين: الأوَّل عن دور مصر المهم في الاستقرار وفي الحرب ضد «الإرهاب العالمي والتطرُّف والراديكالية». والثاني عن حقوق المسيحيين واليهود والأقليات الدينية في مصر. دون الحديث عن وضع «الحقوق السياسية» طبعًا.

وعلى الصعيد الخارجي عمد النظام إلى «توريط» الدائنين الدوليين/المؤسسات والدول الكبرى. وهي النقطة التي كتب عنها ماجد مندور، بالتفاتٍ ذكيٍّ في مقاله المنشور في كارنيجي.

بهذا يمكن أن يجني النظام الشرعية الدولية، وجاء هذا التوريط عبر القروض المالية الكبيرة، وكذلك شراء الأسلحة بقروضٍ مالية ضخمة.

تحوِّل النظام في غضون سنواتٍ قليلة إلى أكبر مشترٍ للأسلحة في الشرق الأوسط بعد السعودية، وهو ثالث أكبر مشترٍ للسلاح في العالم بين 2015 و2019 وفق تقرير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام الذي صدر في مارس (آذار) 2020. وإذا كانت السعودية لديها مال نفطٍ كافٍ لشراء السلاح للإبقاء على شرعيتها الدولية والحفاظ على نفوذها، فإنَّ مصر ليس لديها هذه الرفاهية الأولى في شراء السلاح، لكنَّ النظام يركِّز بالضرورة على محاولات تكوين الشرعية الدولية والحفاظ عليها.

يظهر هذا الأمر في العلاقة الخاصة التي صارت تجمع النظام وفرنسا، فقد اشترت مصر منها مجموعة طائرات رافال عام 2015، وأصبحت فرنسا منذ 2016 تلبِّي حوالي ثلث مشتريات الزبون المصري (28%) من سوق السلاح، وفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام الصادر في مارس 2021. ليأتي الردُّ فورًا من الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحفي مع الرئيس السيسي، بأنَّه «لن يُلقِّن الآخرين دروسًا في حقوق الإنسان»، أيُّ شرعيَّة أهمُّ من هذه الشرعية؟

وفي أوَّل مايو (أيَّار) 2021 أُعلِن عن عقدٍ جديد لـ30 طائرة رافال تلامس كلفته 5 مليارات دولار، لتكون مصر بذلك ثاني أكبر مالك لأسطول طائرات الرافال بعد فرنسا. ولأنَّ مصر ليست السعودية في الجزئية الأولى؛ فقد كان تمويل العقد لاستيراد الطائرات عبر «قرض تمويل»، يتمُّ تسديده على 10 سنوات. ووفق المنشور في الصحافة، فإنَّ الدولة الفرنسية ومعها بنوك «بي.إن.بي باريبا» و«كريدي أجريكول» و«سوسيتيه جنرال» و«سي.آي.سي» سَتَضمن ما يصل إلى 85% من تمويل الصفقة.

كانت هذه الصفقة ذات أهميَّة أيضًا بالنسبة لفرنسا، ليس فقط لأنَّها تعاني من أجل تسويق طائرات الرافال (ذات الفعالية العالية بالمناسبة)، ولكن لأنَّ رئيسها الذي يعاني داخليًّا ويحاول عبر التضييق على مسلمي فرنسا أن يداعب مشاعر اليمين المتطرِّف، سيوفِّر لبلاده 7 آلاف فرصة عمل في فرنسا على مدى 3 سنوات، كما صرَّحت بذلك وزيرة الجيوش الفرنسية.

أمَّا النقطة الثانية من إجابتي عن تساؤل المقال، فهو أنَّ «إنجازات» النظام تلك لا تأتي ضمن «إطار» مشروعٍ حقيقي. وإذا تفهَّمنا أنَّ بعض المعارضين لجمال عبد الناصر كانوا يؤيدونه من داخل المعتقلات وبعد حفلات التعذيب البشعة بسبب وجود «مشروع قومي حقيقي». فلا يمكن لنا أبدًا أن نتفهَّم أيَّ «تصفيقٍ» للنظام الحالي. ليس لأنَّه نظام نشأ من ثورةٍ مُضادة ممولة إقليميًّا من مركز الرجعية في العالم العربي، لا، وإنما لأنَّه نظام بلا أي مشروع في الحقيقة.

كان مشروع عبد الناصر واضحًا، ذا أهدافٍ محددة، تطوَّرت مع الوقت، وكانت الرؤية السياسية العامَّة واضحة، ناهينا عن عدم ارتهان قراره السياسي بالخارج الإقليمي/العالمي، وهو ما لم يتحقَّق في النظام الحالي بلا أدنى شكٍّ.

لنمرّ سريعًا على بعض الملفات الخارجية التي تعد الآن من «إنجازات» هذا النظام. فقد اتَّضح الآن أنَّ الموقف المصري المختلف من الحرب الأخيرة على غزَّة كان لتحقيق مكاسب سياسية فيما يخصُّ العلاقة مع أمريكا، وربما للفت نظر أمريكا للتدخُّل في ملف سدِّ النهضة، وهي خطوة ربما يجب أن تنال التصفيق السياسي.

ولكن لنتذكَّر أنَّ رأس النظام تعامل مع المبادرة وكأنَّها لا تعنيه. لا أريد الإسهاب أكثر، لكنَّ الرئيس المصري لم يصرِّح من قريبٍ أو بعيد عن المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار إلَّا في إطار «سعادته بتلقِّي مكالمة الرئيس الأمريكي جو بايدن» التي هنَّأه فيها على نجاح المبادرة المصرية. وقد هنَّأت صفحته الرسمية المسلمين بعيد الفطر المبارك دون ذكر ما يحدث في فلسطين، في الوقت نفسه الذي كان أهل غزَّة تحت القصف الإسرائيلي. والبقيَّة يعرفها المتابع للتصريحات المصريَّة أثناء المعركة الأخيرة.

أمَّا بخصوص مشروع الشام الجديد، ومشروع إعادة الإعمار في العراق، فهي خطوة أيضًا مهمَّة، لكنَّها مع كامل «التصفيق السياسي» لها فهي ليست توسُّعًا إقليميًّا، فما هي إلا محاولة لـ«تصدير» عمالة مصرية، وتوفير بديل عن النفط السعودي، هي خطوة جيدة بلا شكٍّ، لكنَّها ليست نفوذًا إقليميًّا أبدًا.

صفَّق الكثيرون كذلك للنظام عن موقفه في ليبيا وشرق المتوسِّط. لكنَّ قراءتي مختلفة بعض الشيء. ففي ليبيا خسر النظام عندما راهن – أو راهنت له الإمارات – على الجانب الخطأ من أوَّل تدخله في ليبيا. لم يتحلَّ النظام بالمرونة السياسية التي تحلَّى بها مؤخرًا في غزَّة، وربما كان تابعًا لصانع القرار الإماراتي بسبب مواءماتٍ هنا أو هناك. فتصوير الموقف في ليبيا على أنَّه «إنجاز» يُجانب الصواب.

كما أنَّ المُتابع لما حدث في شرق المتوسِّط يفهم أنَّ هذا لم يكن «إنجازًا» سياسيًّا ضخمًا. بالطبع كان إنجازًا من ناحية أن تجبر خصمك السياسي الأبرز في المنطقة على الجلوس إلى الطاولة معك. بل، لقد جاءت التصريحات التركية «مهرولةً» تجاه النظام المصري بعدما تبنَّت من البداية موقفًا سياسيًّا ثابتًا منه.

لكن أيضًا، ودون الدخول في تفاصيل كثيرة ليس هنا محلُّها، فلم يكن لدى صانع القرار المصري خيارٌ آخر. فقد التَفَّت عليه إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية من ناحية لتغلق عليه رغبته في التحوُّل إلى مركز تصدير للطاقة إلى أوروبا.كما أنَّ توقيع اتفاقية مع تركيا يضمن لمصر حقوقًا مائية أكبر بكثير من التي تضمنها له الاتفاقية مع اليونان.

صحيح أنَّ النظام المصري استطاع – حتَّى الآن – تحقيق تقدُّم فيما يخصُّ القنوات المصرية المعارضة في تركيا. ولكن هل هذا يفيد «مصر» في شيء؟ إنَّه مرة أخرى يعود لخانة «نقصان شرعيته». كما أنَّ أولويات النظام في هذا الملفِّ هي إسكات أربعة مذيعين عن مهاجمته!

نستطيع أن نقول إنَّ الموقف المصري في شرق المتوسط كان براجماتيًّا ويستحقُّ الإشادة، لكنَّه قبل كلِّ شيء كان التقاءً في المصالح، وانحسارًا في الخيارات. وبالتالي فهو لا يحتسب «إنجازًا».

بالإجمال، هناك «إنجازاتٌ» أو لنقل هناك «تقدُّم» في بعض الملفات للنظام، ولكن يجب علينا ألا ننسى أنَّ هذا «التقدُّم» ليس قريبًا أبدًا، من قريبٍ أو من بعيد، من دور مصر الإقليمي المتوقَّع والمنوط بها تحقيقه.

يمكننا قراءة الموقف على أنه يُمثِّل خطوة للأمام بعد عقودٍ من النوم في الهامش، لكن يجب علينا ألا ننسى سياق كلِّ ملفٍّ من هذه الملفات، ومن قبل ذلك يجب ألا تأخذنا الحماسة الوطنية للتصفيق على براجماتية. البراجماتية هي من طبائع الأشياء في السياسية وليست «إنجازًا». ومن هنا يجب ألا نخلط في التحليل بين البراجماتية و«الإنجاز».

النقطة الثالثة: هي أنَّ هذه «الإنجازات» لا تعود على المواطن المصري بأيِّ شيء. المتابع لخطط النظام الإنمائية وتصريحاته كذلك يعرف شيئًا محوريًّا واحدًا بلا جدال: هذا النظام لا يعبأ بالفقراء. قد تكون هناك بعض المكاسب هنا وهناك، لكنَّ الإطار العام الناظم لخططه هو عدم الاهتمام بالفقراء، أي عدم الاهتمام بالمواطن المصري نفسه، إذا ما وضعنا أمامنا حقيقة أنَّ ثلث المصريين يعيشون تحت خطِّ الفقر.

لا أريد أن أخوض في نقاشٍ آخر حول القصور الرئاسية وخطاب «ولسا هبني وهبني وهبني»، وغيرها من النقاط. وفي الحقيقة لا أحتاج إلى أن أسوق الكثير من المعطيات التي تؤكد هذا الاستنتاج دون أدنى تردد، لكنَّ أكثر هذه القضايا لفتًا للانتباه في نظري هي قضية السكك الحديدية. فما إن ينسى المصريون خسائرهم الفادحة في أحد حوادث القطارات حتَّى تفاجئهم كارثةٌ أخرى.

من الوارد أن تقع هذه الكوارث في أيِّ بلدٍ في العالم، وإن لم يكن بالوتيرة نفسها. لكنَّ اللافت للنظر أكثر من غيره هو تعامل النظام مع الأزمة كلها. ويكفينا تصريحات وزير النقل كامل الوزير أثناء حادث تصادم قطاري سوهاج في مارس 2021، عندما ألقى باللوم على الموظفين غير الأكفاء، بالطبع إلى جانب الموظَّفين المتطرفين المنتمين لجماعة «الإخوان».

أزمة السكك الحديدية وتعامل النظام معها، وتصريحات وزير النقل، المسئول الأول عن الحوادث المأساوية المتكررة، ونجاته من المُساءلة، هو أكبر دليل على أنَّ الجبهة الداخلية للنظام ليست متماسكة، وإن بدت غير ذلك. وهنا يطول الحديث لكنَّه ليس موضوع المقال.

ليس بين النظام المصري والمواطن المصري أيَّ ترابط أو تواصل سوى فزَّاعة الإرهاب التي أقام عليها شرعيته المنقوصة، و«لسَّا هتدفعوا يا مصريين» و«احنا فقرا أوي» والتي يمكن بتحليل الخطاب – مع بعض التجوُّز – أن نقرأ كلَّ تحركاته من خلالها.

*****

لا داعي لأن أُذكِّر هنا أيضًا بكارثة سدِّ النهضة والتوقيع الكارثي على اتفاق المبادئ عام 2015، والذي نصح مسؤولون في الدولة الرئيس بعدم التوقيع عليه. ولا داعي لأن أذكَّر بـ«بيع» النظام جزيرتي تيران وصنافير وتفريطه فيهما، كما لا داعي لذكر أعداد المعتقلين السياسيين والصحافيين في سجون هذا النظام، فكلُّنا يعرفها، ولا داعي لأن أذكر أنَّ منظمات حقوقية دولية قد أدانت وندَّدت بصفقات السلاح الفرنسية التي وقعتها فرنسا مع رئيسٍ «يقود أسوأ حملة قمع منذ عقود في مصر ويرتكب انتهاكات خطيرة بذريعة محاربة الإرهاب»، وفق تصريحات مكتب «هيومن رايتس ووتش» في فرنسا.

كما أرى أنَّه لا داعي لأن أذكِّر أيضًا بأنَّ هذا الأساس الوجودي لهذا النظام هو القضاء على الثورة المصرية في 2011 ومنتجاتها (أيًّا كان موقفك من بعض هذه المنتجات الآن). وعليه، فلن يتحرَّك النظام أبدًا لصالح قيم أو أهداف هذه الثورة التي تلخَّصت في الهتاف الأشمل الذي تردَّد في كل الميادين المصرية: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». بل سيحاربها لأنَّ أساس وجوده هو القضاء عليها.

لنتذكر أنَّ مشروع عبد الناصر كان واضح المعالم بشكلٍ ما، وكانت الرؤية السياسية واضحة ومعروفة، لكنَّ هذا النظام انهار في لحظة واحدة: عام 1967. وكان انهياره محتومًا لسببٍ رئيسي: انعدام المحاسبيَّة. والتي تأتي بسبب انعدام الديمقراطية. انهار نظام عبد الناصر رغم صلابته ووضوح وجهته، لكنَّه انهار في لحظةٍ واحدة، وأصبح أثرًا بعد عين.

هل علينا أن نصفِّق لـ«إنجازات» النظام المصري (إذا كانت موجودة)؟ 

نعم، لأنَّنا مصريون. لكن دون مبالغة فهي ما زالت تقع ضمن إطار كونها «خطواتٍ تتلمّّسُ طريقها بعد طول غيابٍ مصريٍّ» ولا أكثر. كما أنَّ النظام لديه مشكلةٌ وجودية ودائمة في الشرعية، ولا يفكِّر في المواطن، وليس لديه مشروعٌ واضح المعالم.

لا، لأنَّ النظام، وعلاوةً على كل ما سبق، يسير عكس عجلة التاريخ، التي على ما يبدو، لا تحتفي كثيرًا بالأنظمة الديكتاتورية التي تنهار في غمضة عين. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد