لا شك أن عملية «درع الفرات» العسكرية، التي أعلنتها الحكومة التركية الأربعاء 24أغسطس (آب) الجاري، قد جاءت تعبيرًا مباشرًا لما أعلنه رئيس الوزراء «بن علي يلدريم»، قبل عشرة أيام من إطلاقها، بأن تركيا ستلعب دورًا أكثر فعالية في سوريا في الأشهر الستة القادمة. كما أنه من الواضح أن زيارة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» إلى موسكو، كانت محور ارتكاز لتنسيق إقليمي دولي، جمع بين روسيا وتركيا وإيران، فيما يخص الملف السوري، بما يسمح بهذه العملية. حيث لم يكن بالإمكان قيام المقاتلات التركية القيام بأية عملية عسكرية داخل الحدود السورية، في ظل التوتر مع روسيا صاحبة الهيمنة الجوية.

وكذا فإن زيارة نائب الرئيس الأمريكي «جو بايدن»، والتي بدأت صباح انطلاق «درع الفرات»، كانت بمثابة مباركة أمريكية للعملية، والتي يعلم الجميع أنها لا تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية فقط، بل كما أعلن «يلدريم» بأنها لتأمين حدود تركيا، وحماية أرواح مواطنيها من كافة الاعتداءات، مؤكدًا بعد خمسة أيام من العملية بأنها «ستستمر إلى أن يتم دحر كافة العناصر الإرهابية، وإزالة التهديدات التي تشكل خطرًا على حدودنا وأراضينا ومواطنينا». وبحسب التصنيف التركي فإن قوات حماية الشعب الكردية التي تشكل معظم «قوات سوريا الديمقراطية» هي منظمة إرهابية. حيث تعتبرها تركيا بأنها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني PKK، والذي يشن حربًا لا تهدأ ضد الحكومة التركية منذ سبعينات القرن الماضي.

وبحسب سير العملية التي يتولاها «الجيش السوري الحر» على الأرض، مدعومًا بغطاء جوي من القوات التركية ضمن التحالف الدولي، وقوات برية تركية محدودة، فإنها قد حققت أهدافها الأولية بالوصول إلى مدينة منبج، بعد أن تمت السيطرة على عشرات القرى في محيط مدينة «جرابلس». ومن ضمن أهدافها التكتيكية المعلنة أن تنسحب القوات التركية إلى شرق الفرات، لمنع  حصول تواصل بين مناطق الأكراد غرب النهر. ولعل استجابة الأكراد بعد ستة أيام من العملية، وانتقالهم لشرق الفرات هو ما جعل المتحدث باسم الحكومة التركية يخفف اللهجة ضدهم بقوله: «الهدف الأساسي من درع الفرات هو تطهير المنطقة من تنظيم داعش، وليس لدينا نية لإيذاء إخوتنا الأكراد»، ويأتي ذلك بعد نجاح العملية ميدانيًا بسيطرة الجيش السوري الحر على أكثر من 35 قرية في محيط مدينة جرابلس.

من خلال المتابعة للاستراتيجية التركية وسير عملية درع الفرات، وكذا التصريحات المصاحبة من الحكومة التركية، فإننا نستطيع أن نستخلص إلى التالي:

  1. تهدف العملية إلى تعزيز القدرة القتالية للجيش التركي، خاصة بعد إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على إثر محاولة الانقلاب الفاشلة، الأمر الذي يظهر من خلال إسناد قيادة العملية لقائد الوحدات الخاصة، والذي يعتبر أحد أهم أركان فشل محاولة الانقلاب.
  2. يبدو أن تلاقي المصالح التركية الإيرانية باتجاه القلق من تنامي القوة الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، قد شكل مظلة مناسبة لتركيا.
  3. مثلت درع الفرات بوابة لدخول تركيا إلى نادي العمليات الميدانية المباشرة في سوريا، حيث إنها تعتبر أول توغل تركي حقيقي داخل الأراضي السورية.
  4. تطهير مدينة جرابلس الحدودية من قبضة تنظيم الدولة هدف معلن وحقيقي، لكنه يضعف، إذا علمنا أن المدينة قد خرج منها تنظيم الدولة قبل أسبوعين من العملية، وقد كانت قوات كردية تتهيأ للسيطرة عليها.
  5. لا يمكن تجاوز فكرة حاجة تركيا لتذكير الولايات المتحدة الأمريكية بأهمية أنقرة في مستقبل سوريا، وأن قاعدة أنجريليك لا يمكن الاستغناء عنها أمريكياً، في مقابل توسع الدور الروسي باستخدامه لقاعدة همدان الإيرانية لشن عمليات جوية.

وقبل ذلك وبعده، لا يمكن عزل التدخل التركي المباشر في سوريا عن حلمها في منطقة عازلة داخل سوريا، تعيد إليها ملايين المهاجرين السوريين من تركيا، لتشكل حاجزًا طبيعيًا يمنع قيام كيان كردي على حدودها الجنوبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد