كنت أتصفح الإنترنت بلا هدف ليقع بصري على كارتون هزلي يصور قطًا يدمع وهو يتحدث بلغة شعبية طالبًا بتضرع من شرودنجر أن يفتح الصندوق ويتوقف عن الهزل ثقيل الظل.

لسبب ما وجدت الصورة مضحكة جدًا وتسببت في إسعادي كلما نظرت لها، ربما لأنها بجملة واحدة استطاعت السخرية من تعقيدات ميكانيكا الكم والعصف الذهني غير المعقول الذي يبذله علماء الفيزياء لفهم طبيعة الكون في حين أن السواد الأعظم من البشر لا يريد غير أن يحيا يومه ليأكل ويشرب ويمرح ولا يفكر في كل هذا الهراء المجهد للعقل عن الفيزياء وطبيعة الذرات التي لن تفيده في شيء.

عامة البشر ينظرون للحياة على أنها معجزة إلهية لا نقوى على تفسيرها ولن نفهمها حتى وإن حاولنا وأن الله سيدخلنا الجنة لأنه يحبنا فلا داعي للفلسفة والعلم المعقد الذي يؤدي بالإنسان حتمًا إلى الجنون أو الإلحاد، لكن العلماء دافعهم للعلم والمعرفة يختلف باختلاف اعتقاداتهم فقد يكون سبب أبحاثهم مجرد تحدٍ شخصي لإثبات التفوق والنجاح، أو الإيمان بالحضارة البشرية والعمل على الارتقاء بها، أو البحث عن الله في آياته في العلم والطبيعة.

ولكن ماذا عن شرودنجر وقطته، دعنا نفهم تجربة قطة شرودنجر في إيجاز بسيط:

البداية قبل التحدث عن القطة يجب أن نعرف أن هناك نظرية في فيزياء الكم تقضي أن الأجسام متناهية الصغر كالبروتونات والإلكترونات المكونة للذرات يمكن أن تصبح في حالتين فيزيائيتين أو أكثر في وقت واحد وأن تدخُّل العنصر الخارجي (إنسان أو غيره) يجعلها تصبح على حالة واحدة فقط وتستمر عليها وهذا ما يسمى بالتراكب الكمي أو (quantum superpositions).

هذا التراكب الكمي يمكن تبسيطه أكثر بمثال طبي ليس مطابقًا له تمامًا لكنه أسهل للفهم فبعض أنواع البكتيريا يمكن تواجدها على صورة متحوصلة تسمى بالـ(endospore) وهذه الصورة تكون فيها البكتيريا شبه ميتة أو خاملة لا تستهلك طاقة ومغلفة نفسها بغلاف يحميها ويجعلها مقاومة للعوامل الخارجية التي قد تقضي عليها وقد تصبح هذه البكتيريا على هذه الصورة سنين حتى يتدخل عنصر خارجي (إنسان أو حيوان) ويتعامل معها فتحتل جسده وتتحول إلى بكتيريا نشطة تتكاثر وتستهلك طاقة بشكل طبيعي، فهنا نجد البكتيريا في الطبيعة على حالتين فيزيائيتين (نشطة أو خاملة) وتحولها يعتمد بالأساس على المؤثر الخارجي (الإنسان).

وبعد أن فهمنا التراكب الكمي quantum superpositions والتحوصل endospore يمكننا الحديث عن تجربة شرودنجر.

بعض العناصر المشعة مثل اليورانيوم ينطبق عليها التراكب الكمي فهي في حالتين (تحلل أو لا تحلل) وتستغرق وقتًا طويلًا في التحلل (سنين كثيرة) ولا يعرف الإنسان كونها تتحلل أو لا إلا إذا راقبها بعد انتهاء فترة عمرها النصفي ليجدها تحللت أم لا.

وعلى هذا الأساس بنى شرودنجر افتراضه؛ إنه سيضع قطة في صندوق به عنصر مشع ومادة سامة تنفجر إذا تحلل العنصر المشع. ثم سيترك شرودنجر القطة في الصندوق فترةً تعادل انتهاء العمر النصفي للعنصر المشع ثم يفتح الصندوق ليجد القطة ماتت (إذا كان العنصر المشع في حالة تحلل) أو لا تزال حية (إذا كان العنصر المشع في حالة لا تحلل)، فبالنسبة لشرودنجر (الذي يمثل العامل الخارجي الذي يتدخل ليغير من خاصية المادة المشعة) فالقطة إما حية أو ميتة.

بالنسبة للقطة نفسها فهي حية وميتة في وقت واحد لأن مصيرها يتبع مصير المادة المشعة التي في حالة (تحلل ولا تحلل) في وقت واحد أيضًا حتى يتدخل شرودنجر ويفتح الصندوق فيرصدها في حالة واحدة فقط من الحالتين ويحدد مصيرها.

التجربة لم تحدث بالفعل وهي تجربة تخيلية يحاول بها شرودنجر الربط بين خواص المواد الفيزيائية متناهية الصغر كالذرات والمواد كبيرة الحجم القط الذي وجد نفسه «عايش ومش عايش» كما قال عمرو دياب محاولًا وصف إحساسه الداخلي الذي وضعه فيه حبيبه بينما لا يدري أنه في نفس الوقت يساعد في تأكيد نظرية شرودنجر وكأنه هو من حبسه شرودنجر داخل الصندوق لا القط.

تفسيرات النظرية والجانب الفلسفي بها

أحدثت النظرية جدلًا كبيرًا في الأوساط العلمية وتم تفسيرها من قبل العديد من العلماء ورفضها طبعًا من علماء آخرين، لكن النظرية تتمحور حول استنتاجين هو أن:

1- المشاهدة تحدد الوجود (للقط، وربما أشياء أخرى).

2- القط حي وميت في نفس الوقت.

في التفسير الأول نجد معضلة فلسفية وهي أن المشاهدة التي تعتمد على أن وعي المشاهد (شرودنجر مثلًا) هو الذي يحدد القط حيًا أو ميتًا، ولكن يجب أن يوجد شخص آخر يمتلك وعيًا ليشاهد شرودنجر ويحدد أن شرودنجر نفسه حي أو ميت وهكذا حتى نبحث عن من يحدد وجود البشر كلهم وهو الله، بعض العلماء قالوا إن من يحدد ذلك هو (الوعي الكوني) ولكن من هو صاحبه!

التفسير الثاني ربما يكون أكثر إدهاشًا لأنه يتحدث عن وجود العوالم المتوازية، وأن كل اختيار يحدث ينتج عنه عالم خاص به، فالقط حي في عالم وميت في عالم آخر وهكذا الأجسام الفيزيائية الكبيرة كالإنسان عندما يرتبط مصيرها بمصير أجسام فيزيائية متناهية الصغر فهي تكون أكثر من عالم يعيش في أحدهما الإنسان صعلوكًا مثلًا وفي العالم الآخر نفس الشخص فاحش الثراء.

إذا استطعت فهم أي من الكلام السابق ولكن لم تستوعبه أو تقتنع به فاعلم أن الفيزيائيين هم ثوريون محافظون وأن موجات الراديو منذ أقل من 120 سنة كانت ضربًا من الخيال والسحر، ولهذا فهذه التفسيرات ممكنة لأننا لا نستطيع نفيها حتى وإن لم نستطع إثباتها قطعًا في وقتنا الحالي، ومن يدري ما الذي ينتظرنا بعد مائة عام مثلًا بعد ثورة الإنترنت والاتصالات التي حدثت في عمر قصير جدًا فربما يتمكن الإنسان من السفر بالانتقال الآني أو اكتشاف عوالم أخرى، لكننا للأسف لن نكون موجودين لنعرف هذا، أو من يدري فربما سنعرف لأننا سنمتلك وعيًا حتى بعد الموت فلا أحد ذهب هناك ثم عاد ليستطيع نفي هذا أيضًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد