أعطت الديانة الإسلامية للشورى مكانة كبيرة ضمن أحكام الدين، وذُكر في القرآن العديد من الآيات التي تحث باللجوء إلى مبدأ الشورى في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية. وقد استمد الفقهاء مصطلح الشورى من تلك الآيات القرآنية، والذي يقوم على مبدأ تقليب الآراء والنقاش فيها وسماع مختلف وجهات النظر من أصحاب المعرفة والخبرة لاتخاذ قرار في مسألة ما. يمكننا توصيف الشورى بأنها شكل بدائي للديمقراطية في اتخاذ القرارات نظريًا.

سياسيًا فإن الشورى من أهم المبادئ التي يقوم عليها الحكم، فنظام الحكم الذي يقره الإسلام ملزم بقاعدة الشورى، فاتخاذ القرارات يجب أن يكون مبنيًا على المشاورة والمناقشة والأخذ بكافة الآراء. فتعد الشورى فرضًا وواجبًا في نظام الحكم الإسلامي بحسب فتاوى العديد من الفقهاء منهم القرطبي: «كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر يشق عليهم». (حبيب بلا تاريخ)

سيتناول الباحث في هذه الورقة البحثية حكم الشورى كطريقة سياسية في الحكم من ناحية نقدية، وذلك من خلال بسط الإطار النظري للشورى معتمدًا على النصوص المحكمة النابع منها الحكم، ومن ثم الانتقال لطرح الإطار التنفيذي والتجريبي للشورى من محطات معينة في الحكم الإسلامي والجدل الدائر حول أنه كان يؤخذ حقًا بمبدئية الشورى؟ بالإضافة إلى الفرضيات المتعلقة بنقد الشورى كأداة نظام حكم سياسي.

الإطار النظري للشورى

1.1 المفهوم العام للشورى

عند الرجوع لتحديد مفهوم ما كلمة أو مصطلح يتم في البداية الرجوع لتعريف الكلمة فتعرف الشورى لغةً كما في معجم لسان العرب على أنها معرفة حقيقة الشيء، وذلك عن طريق عرضه على أصحاب الرأي والحكمة. أما اصطلاحًا فهي استشارة المرء لرأي غيره فيما يتعرض له من عقبات ومشكلات ويكون في الجهة التي تتعلق بفعل الشيء من عدمه. (زريق 2016)

أما في القرآن الكريم وهو الدستور الأول للمسلمين فقد ذكر في آيات عدة تحث على أهمية الشورى، وتحدد قواعدها، حتى أن هناك سورة كاملة تحمل اسم الشورى؛ مما يبين الفضل العظيم للشورى في نظرية الحكم الإسلامي.

1.2 موضوعات الشورى في الإسلام

كما أسلفنا مسبقًا بأن النصوص الدينية تلزم بمبدأ الشورى في اتخاذ القرارت في ظل الحكم الإسلامي، ولكن ما هي الموضوعات التي يجب فيها الالتجاء للشورى في اتخاذ القرارات؟ وهل يجب على الحاكم الأخذ بمبدًا الشورى في جميع الموضوعات والقرارات في تطبيق الحكم الإسلامي؟

يذهب الرازي والقرطبي في هذا الجدل نحو أنه يجب اللجوء للتشاور فقط في حال حدوث حالة لم يذكر فيها حكم او نص واضح في الدين أي أنه لم يرد في القرآن الكريم أو السنة النبوية المتمثلة في أفعال وأقوال النبي محمد (حبيب بلا تاريخ). مما يعني أن الشورى هي اجتهاد جماعي لاستنباط حلول وأحكام شرعية للحالات التي لم يرد فيها نص ديني محكم يبت فيها بقرار.

من ناحية أخرى وعلى الرغم من إلزام الحاكم بالتشاور، إلا أنه غير ملزم بالأخذ برأي من شاورهم او العمل بالرأي الغالب، ويستطيع الأخذ برأي عدد معين منهم كما فعل الرسول في معركة بدر بحيث لم يشاور جميع أصحاب الرأي، وإنما اكتفى برأي عمر وأبي بكر، كما أن الخلفاء من بعده كانوا بعد التشاور إن اقتنعوا برأي آخر يأخذون به (حبيب بلا تاريخ).

وعليه فإن الشورى في الإسلام تتخذ طابع المساعدة في اتخاذ القرار أو تقليب الآراء وسماع وجهات النظر دون الإجبار على الأخذ بهذا الرأي، أو ذاك، أو الإجماع على اتخاذ قرار الغالبية، يعود ذلك للحاكم في التقرير حسب قناعته الشخصية في النهاية. فهي تكون بعيدة عن الديمقراطية، بالرغم من التشابه النظري بينهما حين قراءة النص القرآني المتعلق بالشورى، ولكن تأتي التفاسير والحوادث لتثبت عكس ذلك نوعًا ما.

1.3 اختيار الحاكم في النظام الإسلامي

لم يرد في القرآن الكريم أو السنة النبوية نص واضح وصريح حول اختيار الحاكم فترك ذلك للاجتهاد؛ مما دعى لتشكيل هيئة أهل الحل والعقد الذين يقع على عاتقهم اختيار الحاكم في ظل النظام الإسلامي، وهم ذوو المكانة الرفيعة في المجتمع من رؤساء العشائر، يباشرون هذه المهمة نيابة عن الأمة فهم الممثلون لها، ويجب أن يمتازوا بالعدالة والحكمة والعلم، ويبايعوا الخليفة الذي يقع عليه الاختيار بالطاعة في أوامره وإدارة الشؤون المدنية للناس في المجتمع الإسلامي، وهكذا تم اختيار الخلفاء الراشدين الأربعة. (حبيب بلا تاريخ)

1.4 في نقد النظرية

الآن وبعد أن تم عرض الأسس النظرية للشورى في النظام الإسلامي بشكل مقتضب يمكن أن نضع بعض الملاحظات النقدية حول النظرية وسيكون التركيز على نقد نظام الحكم الإسلامي القائم على ذلك المبدأ من خلال تبيان الأخطاء في النظرية، وما سينتج عنها فيما لو دخلت حيز التنفيذ بنفس شكلها.

إن المعضلة البارزة في نظرية الشورى هي حول من تتم مشاورتهم ووجوب الاخذ بشورتهم من عدمه، فكما أسلفنا من قبل بأن المفوض بشؤون المسلمين مفروض عليه الأخذ بمبدأ الشورى، ولكن ليس شرطًا عليه الأخذ برأيهم مما يفتح الباب حول مركزية في اتخاذ القرارات وتكون المشاورة في هذه الحالة شكلية لا نفع منها ولا تعبر عن روح الجماعة فقد تتحول الشورى من «شاورهم بالأمر» إلى «من اتبع هواه»، يعني ذلك بأن النص الديني أعطى ثغرة للحاكم في النظام الإسلامي للالتفاف على حكم فرض الشورى.

أما من ناحية من تتم مشاورتهم فالشورى تقتصر على الأعيان من رؤساء القبائل ووجهائها وكبار القوم ممن يملكون السلطة والمال كممثلين لباقي المسلمين، وإننا على معرفة تاريخية تجريبية بأن من مثل هؤلاء يخضعون دومًا لاتباع المصلحة الشخصية بدلًا عن مصلحة العامة، وهو ما يشبه كثيرًا ما حصل في شورى اختيار الخليفة بين عثمان وعلي سنتطرق للموضوع بشكل موسع في نقد الإطار التطبيقي. كما أن التشريع الإسلامي أجاز للحاكم الأخذ برأي عدد معين من المُشاورين، وليس حسب الإجماع أو الأغلبية؛ مما قد يخلق عدم اختيار الرأي السديد والسقوط تحت تأثير المقربين من الحاكم في اتخاذ القرارات.

مما سبق يتمخض لدينا بعض الاستنتاجات النقدية للشورى وهي بأن الشورى نظريًا تعتبر نظام شكلي في اتخاذ القرارات وبأن تلك النظرية عاجزة عن التطبيق بما يوحي بقداسة النص الديني، وبأنها تحتاج للكثير من الاجتهادات الشخصية لتطويرها قبيل وضعها في حيز التنفيذ، لأنها لو طبقت بالشكل النظري الحالي سيضعنا أمام نظام حكم منغلق على ذاته في اتخاذ القرارات يتحكم فيه ذوي النفوذ والسلطة مهملًا لرأي عامة الشعب.

2. الإطار التطبيقي للشورى

سيناقش هذا الجزء من الورقة النقدية الإسقاطات النظرية للشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي ووضعها حيز التنفييذ، سنتناول حقبة الخلافة الراشدة كونها أقرب الخلافات تطبيقًا للمبادئ الدينية وقربها تاريخيًا من الفترة التي عاش فيها نبي الإسلام.

ولكن علينا بدايةً أن نبين بعض الأمور بخصوص الخلافة، أن الخلافة بتطبيقها العام لم تنشأ في ظل نص ديني محكم، ولكن هي ما تمخض عن شورى القوم بعد وفاة النبي لتحديد من سيسير أمور دنياهم ويفصل بينهم بالقول الحق. (فالخلافة الإسلامية من واقع نشأتها، ووفقًا للتحليل العلمي لا للتقدير الوهمي، ظهرت كرياسة دنيوية وإمارة واقعية، لا تؤسس على نص ديني ولا تقوم على حكم شرعي) (العشماوي 1992). إلا أنه حسب الروايات الإسلامية فإن الاختيار للخليفة كان ضمن معايير العدل والأخلاق والشرف من خلال الشورى. وكان يتم ذلك من خلال المبايعة وفق مبدأ الشورى كما تم التنويه عنه في الإطار النظري سابقًا.

2.1 سقيفة بني ساعدة

كانت سقيفة بني ساعدة هي المكان الذي تم فيه مبايعة أول خلفاء المسلمين ابو بكر وإستمرت فيها الاجتماعات لاختيار أكثر من خليفة من خلال المبايعة، سميت بهذا الاسم نسبةً لبني ساعدة من الخزرج بحيث كانوا يجلسون فيها للفصل في القضايا. وقد اجتمع الأنصار من الاوس والخزرج لمبايعة سعد بن عبادة كخليفة بعد وفاة محمد، فسمع بالخبر كل من أبي بكر، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وبعد نقاش بينهم انتهى الأمر بمبايعة أبي بكر كأول خليفة للمسلمين (أحمد بلا تاريخ).

2.2 الخليفة الأول: مبايعة أبي بكر

تختلف الروايات حول حيثيات الاجتماع الذي آل إلى اختيار وتنصيب أبي بكر كخليفة للمسلمين بعد وفاة النبي محمد لتسيير الأمور الدنيوية للمسلمين من بعده، ولكن تلك الروايات تلتقي بعدة أحداث تؤكد على صحة ما دار في سقيفة بني ساعدة قبيل دفن الرسول لمثواه الأخير.

روي عن الطبري بأن الأنصار قد اجتمعوا لاختيار سعد بن عبادة كخليفة للمسلمين بعد النبي، ووصل النبأ للمسجد الذي كان يعتكف فيه الصحابة لوداع النبي كل من عمر، وأبي بكر، وعامر بن الجراح؛ مما دعاهم إلى الخروج من اعتكافهم نحو السقيفة ليدور بين كل من الطرفين نقاش حاد حول أولوية كل طرف بالخلافة من بعد النبي، تتفق جميع الروايات بأن العرض الذي قدمه أبو بكر للأنصار بأن يكون الأمراء من أهل المدينة والوزراء من الأنصار، وإقناعهم بأن القرارات لن تتخذ دون شورتهم والرجوع إليهم، لكن المنصب الأعلى حق أهل المدينة، وعليه تم تنصيب أبي بكر كخليفة للمسلمين وتوزيع المناصب في هذا الاجتماع، وتم الإعلان عنها لاحقًا في المسجد أمام المسلمين عامةً وقبولهم بالبيعة للصديق. (هيكل 2012).

2.3 في نقد التطبيق

بعد طرح مثال واحد على الشورى في اختيار الحاكم – الخليفة – في النظام الإسلامي، والذي هو الخليفة الأول للمسلمين أبو بكر الملقب بالصديق، يمكننا القول إنه وبالرجوع لروايات البيعة لم تتصف بمبادئ الشورى بشكل واضح بحيث إن البيعة كانت اتفاق ضمني بين وجهات القبائل دونما تنصيب لهم من قبل عامة المسلمين، وبأن الشورى والبيعة التي اتخذت في المسجد عقب الاتفاق كانت مجرد إجراء شكلي للإعلان عن تولي أبي بكر لمقاليد الخلافة، تلك الخلافة التي ترتب عليها إشعال حرب كانت تضمر سببين، وليس سببًا واحدًا الأول هو حرب الردة التي قضت على المرتدين عن الدين الإسلامي، والثاني الحرب على من رفض دفع الصدقة التي اعتبروها بمثابة جزية لا يجب عليهم تسديدها.

خاتمة

يستنتج مما تم طرحه في كل من الإطار النظري والإطار التطبيقي لمبدأ الشورى في الإسلام بأن هذا المبدأ كان قاصرًا عن تحقيق العدل في نظام سياسي ويمكن أن يحققه فقط في مسائل بسيطة لا تتعلق بإحداث تغييرات في حياة العامة فلا يمكننا مثلًا التعويل عليه في اختيار الحاكم أو مسائل النزاعات السياسية وخوض الحروب؛ لأن هذا سيؤثر على مصلحة العامة لتحقيق مصالح شخصية لأفراد أو جماعات اتخذت قرارات مركزية دون العودة للعامة ومشاورتهم.

كما أنه بالاستناد لمبدأ الشورى – شكليًا – حصل الكثير من النزاعات أبان الفترة الراشدية للحكم كان من أبرزها الخلاف بين عثمان وعلي مما تسبب بحدوث فتنة بين المسلمين وانشطارهم مما شكل لاحقًا مذهبين إسلاميين متنازعين حتى يومنا هذا ويجري استغلال هذا النزاع بشكل ممنهج من طرف القوى الاستعمارية الطامعة في استعمار الشرق الأوسط من خلال تأليب النزاع الطائفي بين طرفي انقسام الإسلام بسنته وشيعته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد