في إحدى مسرحيات الرحبانية، التي تحولت إلى فيلم بعنوان «بياع الخواتم» تقف فيروز لتسأل خالها مختار القرية: إلى متى ستقف لتشهد له بصدق حكاياه التي لم ترها بعينيها عن مغامراته مع «راجح» الشخصية الغامضة التي تنسب إليه كل المصائب التي تحدث في القرية؟ ولماذا لا يقوم خالها «المختار» بالقضاء على هذا الـ«راجح»؟، فيصارحها خالها بأن «راجح» شبح وهمي لا أثر له على أرض الواقع وأنه هو الذي اخترع قصته ليشغل أهالي القرية به كي يضمن ولاءهم له؛ حيث إنه يحميهم من هذا «المجهول»!

قصة متكررة على مر السنيين، فإذا أردت أن تسيطر على شعب ما اخترع له «راجح» ما أو «بعبع» ما وسمه ما شئت: راجح، هتلر، صدام، أو أسلحة الدمار الشامل أو الإرهاب، الإخوان، الشيوعية، الإمبريالية، القاعدة، داعش… إلخ، أما إذا أردت أن تسيطر على العالم بأسره فما عليك إلا بعد أن تخترع القصة وتصدقها وتحشد لها كل ما تستطيع أن تحشده، أن تصنع حربًا عالمية كبرى وتنتصر فيها، في هذه الحالة فقط ستتمكن من إخضاع العالم كله لقبضة يدك!

ومن رحمة الله بنا أن النفس الإنسانية واحدة، والسلوك البشري يكاد يتطابق منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا، والأحداث نفسها تكاد أن تتكرر بنفس التفاصيل وبنفس البدايات والنهايات، حتى وإن تباعدت الأزمنة لآلاف السنين. ولحسن الحظ أن الأحداث التي نشهدها الآن هي امتداد لأحداث قريبة، لم تفصل بيننا وبينها سنوات بعيدة جدًا، ولكن لأن النفس البشرية جبلت على النسيان، فإننا قد لا ننتبه كثيرًا، وتضطرب لدينا الرؤية وتتصارع التساؤلات في عقولنا ولا نعرف من مع من ومن ضد من وإلى أين تتجه الأحداث من حولنا؟ ولا نحاول قراءة المشهد على ضوء أحداث

التاريخ القريب قبل البعيد، فعلى سبيل المثال: عشنا زمنا ليس بالقصير نتابع فصول مسرحية «الحرب الباردة» بين أمريكا وما كان يسمى بــالاتحاد السوفيتي، ونتفاعل مع صراعات هذين القطبين الرئيسيين في هذا العالم،. لكن الحقيقة تقول إن أمريكا والاتحاد السوفيتي كانتا حليفتين في الحرب العالمية الثانية، التي كان من أهم نتائجها بروز نجم هذين القطبين على الساحة الدولية، وكأي فئة منتصرة فلا بد وأنها ستتقاسم وتوزع فيما بينها المكاسب والغنائم وهو ما حدث بالفعل عام 1945 بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية في مؤتمر يالطا» الذي اجتمعت فيه القوى المنتصرة أمريكا وروسيا وبريطانيا لتقسيم العالم فيما بينهم، والمدهش أن أمريكا رفضت أن تجلس فرنسا معهم على نفس الطاولة، أي طاولة التقسيم، رغم أنها من الدول الكبرى، بل ومن دول الحلفاء المنتصرة أيضا؛ وذلك لأنها كانت قد احتلتها ألمانيا النازية واكتفوا بأن يكون لها مقعد دائم فيما يسمى بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، التي اتفق على تأسيسها أيضا ضمن اتفاقيات مؤتمر «يالطا» لتوزيع غنائم الحرب!، وكما قسمت ألمانيا المنهزمة ما بين الدول الأربع الحليفة وهي أمريكا وإنجلترا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، بل وقسمت برلين ذاتها نفس القسمة، قسمت دول العالم بنفس الحصص «العادلة» فيما بين الدول الحليفة المنتصرة، وقسمت أيضا المقاعد فيما يسمى بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وزاد عليها مقعد الصين «الحليفة» ليكتمل نصاب الدول الدائمة التي لها الحق في أن تقرر مصائر شعوب باقي بقاع الأرض، والعجيب أن روسيا ظلت محتفظة بمقعدها الدائم في مجلس الأمن رغم سقوط الكيان الذي سمى بالاتحاد السوفيتي، والذي وقع اتفاقية يالطا مع أمريكا وبريطانيا التي أسست لهذه التقسيمة وتلك الأنصبة.

والمتابع لأحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية سواء في ألمانيا واليابان وكوريا، التي انشطرت أيضا إلى نصفين وكذلك فيتنام، ثم ما حدث في وقت لاحق في أفغانستان والعراق ودول الخليج، وحتى ما يحدث الآن في سوريا ومصر وتركيا، سيجد أن أغلب الأحداث والأمور لا تنفصل عن بعضها البعض، وأن كل الأطراف لها علاقة بكل الأطراف والأحداث، وأن من بدأ مشروعًا في منطقة ما أكمله طرف آخر قد يبدو لنا عدوًا لمن بدأ هذا المشروع، مثلما حدث في أفغانستان على سبيل المثال، ومثلما يحدث الآن في سوريا، ومثلما سيحدث ونسأل الله تعالى ألا يحدث في تركيا!

ولندع ماحدث وسيحدث في العالم الآن، لنعود بالذاكرة إلى مصر لنتابع حدث بعينه وهو إقامة السد العالي وكيف أن عبد الناصر توجه إلى «البنك اللي بيسلف ويدي» كما جاء في أغنية عبد الحليم الشهيرة أي البنك الدولي ـــ الذي تديره أمريكا ـــ فرفض طلبه في تمويل السد بعد فترة من المفاوضات ما بين القبول والرفض، فما كان من عبد الناصر إلا أن أعلن تأميم قناة السويس، وما تبع ذلك من عدوان إنجلترا وفرنسا وإسرائيل فيما يسمى بالعدوان الثلاثي، وقيام روسيا بتمويل السد ودعم المشروع العملاق بالخبراء والمستشارين، مما يوحي بانضمام عبد الناصر لمعسكر الاشتراكية والوقوف ضد قوى «الإمبريالية»، وهكذا تفاعل الشعب مع هذا «الزعيم» الذي يواجه القوى العظمى وحيدًا، ولم يلتفت هذا الشعب حتى الآن إلى تفاصيل المسرحية أو الصراع الدائر، والذي كان ولا يزال هو الضحية الأولى له وهو الذي يدفع ثمنه وهو ما زال يهلل مع عبد الحليم قائلا: «انتصرناااا.. انتصرنا» فيؤكد بكل أسف صحة نظرية مختار القرية في فيلم «بياع الخواتم»!

ولأن الأحداث شديدة التشابك، فقد حاولت أن ألخصها في نقاط ليست هي كل الأحداث والتفاصيل، ولكن هي موجز للأحداث التي ترتبط ببعضها البعض ولا تخضع بأي حال من الأحوال للمصادفات أو حتى فوضى القرارات أو اضطراب الرؤية وانعدام الخبرة، لكنها يقينا كانت مرتبة ومعدة سلفا كما سيلي سردها في النقاط التالية:

ــ هي بالفعل كما تقول كلمات الأغنية: «حكاية حرب وتار بيننا وبين الاستعمار» ولكن التفاصيل والأبطال وما نتج عنها من كوارث ومصائب ليست لها أي علاقة بما ورد في أغنية عبد الحليم، فكما تعلمون أن الشركة التي دعت إلى حفر قناة السويس شركة فرنسية أخذت حق الامتياز لإدارة القناة لمدة 99 عاما في مقابل كل أعمال الحفر والإدارة وتفاصيل اقتصادية كثيرة جدا لا مجال لها الآن، لكن ما يعنينا هو أن الشركة طالبت بمد فترة الامتياز لأربعين سنة إضافية مما أثار الرأي العام المصري وقتها أي في عام 1910 وقامت القوى الوطنية بدور كبير في توعية الشعب بقيادة محمد فريد، وأصدر الاقتصادي الكبير طلعت حرب وقتها كتابا يشرح هذه القضية والآثار السلبية المترتبة على مد فترة الامتياز الذي تريده فرنسا متمثلة في شركة قناة السويس مما كان له الأثر الكبير في إقرار مجلس النواب حينها بالإلتزام بفترة الامتياز المتفق عليها، وعدم تمديد هذا الامتياز مما كان يعد نصرًا كبيرًا للقوى الوطنية وقتها والشعب الذي التف حولها. (1)

ــ وعلى ضوء ما سبق نعرف أن حق انتفاع الشركة الفرنسية بالامتياز كان سينتهي تلقائيًا ودون أي مشاكل في عام 1968 وكانت ستؤول تبعيتها كاملة للدولة المصرية.

ـــ ما قام به عبد الناصر فرض على الدولة أن تدفع تعويضا كبيرا لهذه الشركة وللعاملين بها قدر بأكثر من 28 مليون جنيه مصري تسددها مصر بالدولار الأمريكي على أربع أقساط .(2)  (3) (4)

ـــ لم تكتف هذه الدول بذلك وإنما قامت سريعا بتجميد أموال مصر لديها وهي الأموال التي تخص الشركة وأصولها في فرنسا وأمريكا، أما انجلترا فجمدت أيضا الأموال التي كانت بريطانيا العظمى مدينة بها إلى مصر أيام فترة الملكية وخلال الحرب العالمية الثانية، وكانت تقدر هذه الأموال بنحو 135 مليون جنيه إسترليني، وبلغ قيمة ما جمدته تلك الدول مجتمعة من أموال مصرية ما يزيد على القيمة المالية لشركة قناة السويس ! (5) (6)

ـــ لم تكتف هذه الدول أيضا بذلك، وإنما شنت الهجوم الشهير بالعدوان الثلاثي مما أسفر على ما يقرب من 1000 قتيل مصري من الجنود، فضلا عن مئات الضحايا من المدنيين وأسر ستة آلاف من المصريين والفلسطينيين الذين تم إطلاق سراحهم فيما بعد. (7)

ــ تدمير معدات الجيش المصري التي كان قد تم جلبها حديثا من «روسيا»  والتي كانت تقدر بنحو 130 مليون جنيه مصري. (8)

ـــ احتلال إسرائيل لسيناء دون مقاومة تذكر، اللهم إلا في منطقة شرم الشيخ وذلك بعد أن حشد عبد الناصر كل قوات الجيش في منطقة القناة . (9)

ـــ انسحبت إسرائيل بعد أن اشترطت أن يسمح لها بالملاحة في قناة السويس، لكنها احتفظت بمدينة شرم الشيخ ومضايق تيران، التي لم يسمع بها المصريون إلا عندما أغلقها عبد الناصر مرة أخرى، متوعدا بها إسرائيل قبل ساعات من الهزيمة الكبرى في يونيو 1967، وبالطبع سمعنا عنها مرة أخرى هذا العام 2016! (10)

ـــ اضطرت مصر بقيادة عبد الناصر وفي مقابل انسحاب إسرائيل عن سيناء وغزة، أن تقبل بقرار الأمم المتحدة بنشر قوات طورائ دولية على حدودها مع إسرائيل في منطقة شرم الشيخ المطلة على خليج العقبة، وأن تخول لهذه القوى حق ردع «الفدائيين» والقبض على أي متسلل منهم إلى الكيان الصهيوني. (11)

ـــ كانت إسرائيل قبل تأميم عبد الناصر لقناة السويس دولة صغيرة محاصرة تكاد تحمد الله فقط على الاعتراف الدولي بها، ثم أصبحت بعد تأميم عبد الناصر المزعوم دولة كبرى لها ميناء من أهم الموانئ على البحر الأحمر وهو ميناء «أم الرشراش» المصري، الذي سمي بميناء إيلات بالإضافة لموانئها على البحر المتوسط، وعلى هذا الأساس كثفت دولة الاحتلال نشاطها التجاري مع كثير من الدول الأفريقية، أهمها غانا وكثير من دول أوروبا وآسيا، واستطاعت أن تمرر سفنها أيضا في مجرى قناة السويس التي كانت محظورة عليها من قبل. 12

ـــ سعى عبد الناصر نحو روسيا، أو سعت روسيا نحوه لتمويل السد الذي كان السبب الرئيسي في كل ما سبق، وبالفعل تم الاتفاق على المشروع بتمويل روسي قدره ما يقرب من 500 مليون جنيه مصري، كقرض على عدة أقساط، وكان هذا القرض يشمل العمالة الروسية التي لم تستطع أن تتكيف مع عوامل الطقس الحار في أسوان، وبالتالي تعثر العمل فيه فدفعت مصر بنحو 30 ألف عامل وموظف مصري من العمالة الوطنية التي أتمت المشروع، مما أضاف قيمة مضاعفة على إجمالي تكلفة بناء السد التي بلغت نحو ملياري جنيه. (13)  (14)

ـــ إضافة إلى الأعباء المالية الخاصة بإنشاء السد أضيفت أعباء أخرى نتيجة تهجير أهل النوبة وتعويضهم، بعد أن محيت النوبة القديمة من الوجود، وكذلك تكلفة نقل معبدي رمسيس وأبوسمبل وإعادة تشييدهما مرة أخرى بخبرات وأيادي غربية، بعضها كان ممن شاركوا في العدوان الثلاثي على مصر كفرنسا!  (15)

ـــ كما هو الحال دوما اشتعلت حرب التصريحات والخطابات الرنانة وتصدر مانشيت عريض الصفحات الأولى للجرائد المصرية، خاصة صحيفة الأهرام، يعلن تهديد روسيا ووعيدها بضرب كل من إنجلترا وفرنسا، ورغم الدور الذي لعبته روسيا من خلال مجلس الأمن، إلا أنها لم تكن مستعدة بأي حال من الأحوال أن تدخل حربا عالمية ثالثة من أجل مصر. وفي هذا الصدد يقول الكاتب والمؤرخ عبد العظيم رمضان في كتابه «الحقيقة التاريخية حول قرار تأميم شركة قناة السويس» ما يلي: (ووفقا لأنتوني ناتنج فإن الروس لم يكن في نيتهم التدخل الفعلي، فبينما كان صدى تهديدات الكرملين تتردد في أنحاء العالم، كان خروشوف يبلغ السفير المصري أن «عقبات جغرافية» تمنعه تماما من إرسال أي مساعدة مادية لمصر، هذا فضلا عن أن الاتحاد السوفيتي كما أوضح خروشوف بجلاء من خلال رسالة بعثها إلى عبد الناصر عن طريق شكري القوتلي، لم يكن ليخاطر بإشعال حرب عالمية ثالثة من أجل مصر وقناة السويس، وأنه إذا كان لا بد من خوض مثل هذه الحرب فإن السوفييت سيختارون مكانا وزمانا أكثر ملائمة!). (16)

ـــ رغم أن روسيا قامت بدور في مجلس الأمن لإيقاف العدوان، إلا إنه كان مكملا لدور أمريكا الذي اعتبره عبد الناصر نفسه دورا «فاصلا» في إيقاف العدوان على مصر، مما جعله يأمل في تحسين العلاقات مع أمريكا كما أنه في حديث له مع صحيفة الديلي إكسبريس وحرصا على تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة، نفى عبد الناصر أن يكون قد سعى أو تفوه بكلمة تعني تدمير اسرائيل!، وعلى صعيد آخر كان هناك بعثة من الطلاب المصريين تدرس في الاتحاد السوفيتي فحولهم إلى الدراسة في أمريكا، بالإضافة إلى تصعيد الحملة الأمنية ضد الشيوعيين في مصر. (17)

هل من الممكن أن يكون كل ما سبق ذكره من قبيل المصادفة؟ أم أن كل ما حدث له علاقة ببعضه البعض، وأن الصراع حتى بين الدول العظمى لا يمكن أن يكون بهذا التناغم والتوافق رغم قوانين المصالح والصفقات والتوازنات، إلا لو كانت هناك سيادة عليا تحكمها وتوجه قرارتها وأفعالها لتصب في مصلحة بعينها هي مصلحة المال والثروة والهيمنة والنفوذ والسيطرة التي يدور في فلكها الجميع ويخضع لها الجميع ويعمل قادة وساسة النظام العالمي من كبيرهم إلى صغيرهم خداما لها وفي بلاط هذه الإمبراطورية العظمى، ألا وهي إمبراطورية «شايلوك».

وإلى لقاء آخر بإذن الله

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد