«شايلوك» هو ذلك المرابي اليهودي الجشع الذي رسم شخصيته ببراعة الكاتب الإنجليزي الأشهر «وليام شكسبير» في مسرحيته الشهيرة تاجر البندقية. ربما استلهم «شكسبير”أحداث مسرحيته من أعمال سابقة تناولت شخصية اليهودي باعتباره عنصرًا غير مقبول في المجتمع الأوروبي وقتها، وربما استلهمها من واقعه الحقيقي وقت كتابة هذه المسرحية، لكن شخصية «شايلوك» التي رسمها «شكسبير”خلدت في ذاكرة الأجيال المتلاحقة حتى باتت وكأنها مرادف لكلمة يهودي. وتحكي المسرحية عن الصديقين المخلصين «أنطونيو» و«بسانيو». أراد أحدهما أن يحقق حلمه بالزواج من فتاة ذات مال وجمال، فقرر أن يقترض من ذلك المرابي «شايلوك» مبلغًا كبيرًا من المال وطلب من صديقه بأن يضمنه لدى اليهودي شايلوك. لكن شايلوك قرر أن يكون الضمان رطلًا من لحم «أنطونيو» ذلك الصديق المخلص الضامن لصاحبه إذا لم يف بموعده في سداد الدين. ويشاء القدر أن يفقد «أنطونيو» تجارته الكبيرة ويضطر أن يقف أمام «شايلوك» الذي يُصر على أن يفي بالضمان وهو اقتطاع رطل من لحمه الحي بمباركة القانون. وتتداخل الأحداث وتفتعل المواقف من قِبل أصدقاء «أنطونيو» ليخلصوه من براثن «شايلوك».

في ذلك الوقت لم تكن قوانين معاداة السامية قد ظهرت ولم تكن حملات الصهيونية العالمية قد هيمنت على العالم بمثل هذه الشراسة الموجودة الآن. مما سمح لـ«شكسبير”بأن يرسم أبعاد هذه الشخصية وشخصيات مجتمعه بحرية كبيرة تغلغلت في تفاصيل المجتمع المسيحي ونظرته وتعاملاته تجاه اليهود بوصفهم أقلية يطلق عليها لفظ «أجانب» كما ورد في حوار المسرحية، وبالتالي ظهرت نهاية المسرحية نصرًا لصالح المجتمع المسيحي وبالطبع إرضاءً لرواد المسرح من المسيحيين. إذ يُخَيّر «شايلوك» المرابي الجشع بين خيارين؛ إما أن تُصادر كل أمواله، أو أن تُصادر نصفها بشرط أن يعتنق المسيحية، وبالطبع اختار الخيار الثاني واعتنق المسيحية. وهذا ما قد حدث بالفعل في حقبة من الزمن في أوروبا وفي بريطانيا تحديدًا إذ أُجبِر غالبية اليهود على اعتناق المسيحية أو النفي خارج البلاد. وهكذا حدث ذلك الهجين المذهبي والثقافي والاقتصادي والسياسي الذي يشهده عالمنا الآن ويؤثر في أحداثه بشكل كبير، إذ ظهر المذهب «البروتستانتي”ومن عباءته خرجت «المسيحية الصهيونية» التي يؤمن أتباعها بدولة صهيون ربما أكثر من اليهود ذاتهم، وينتظرون عودة المسيح في القدس بعد أن تقام الدولة اليهودية هناك، ومن أجل ذلك الهدف وعلى مر أزمنة وعصور مرت البشرية بكثير من الأحداث والتغييرات الفكرية والسياسية والاقتصادية، واشتعلت الحروب ودُمِّرتْ مدنٌ وعواصم وبلادٌ بأكملها. وهُجرت شعوب وأريقت دماء وما زالت عجلة الأحداث تدور فوق أشلاء من الذكريات والتواريخ السابقة واللاحقة. لكن على مر كل تلك الأزمنة بقي شايلوك يعمل بجد ونشاط ومثابرة ودأب وخبث لا حدود له. لم يستسلم حتى بعد مرور عدة قرون على كتابة مسرحية «شكسبير”وظل باقيًا يدافع عن كينونته المادية وأسباب قوتها رغم كل شيء. ورغم تلونه وتقنعه بكل الأقنعة البراقة والطيبة إلا أنه كان ولا يزال يحمل سكينه ليقتطع أرطالًا من لحم الشعوب الحي.

فـ«شايلوك» في عالمنا المعاصر قريب إليك أكثر من أي قريب لك من دمك، حبيب إلى نفسك، يشعرك بالأمان والأمل في المستقبل، يمنحك الثقة في ذاتك وفي الحياة أكثر من أي شيء. ولا عجب في أنك شيئًا فشيئًا كلما اقتربت منه وتعاملت معه اكتسبت دون أن تشعر الكثير والكثير من صفاته. هل عرفته؟

«شايلوك» المعاصر عزيزي القارئ هو البنك أو المصرف أو أي وعاء استثماري تلجأ إليه لتستثمر فيه أموالك سعيًا منك بأن تتكاثر وتتناسل كما وصفها شايلوك الشكسبيري في مسرحيته الشهيرة، وبالطبع سعيًا لمستقبل أكثر أمانًا وما شابه من كل تلك الأسباب التي تجعلك مضطرًا لأن تتغاضى عن كثير من الأمور المذهبية، تمامًا كما حدث مع «أنطونيو» و«بسانيو”اللذين ورد ذكرهما من قبل، فهما من مجتمع مسيحي يؤمن بتحريم الربا كما نؤمن نحن المسلمين أيضًا. فالربا محرم في كل الأديان السماوية بما فيها اليهودية لكن ذلك الهجين الفكري الذي يسعى لإعلاء المصلحة المادية أكثر من إعلاء كفة الشرع يستطيع أن يتحايل على الثوابت كما فعل أصحاب السبت، وبالتالي يقنع نفسه بأن ذلك أمر ضروري ولا مناص منه. وبالفعل ربما يكون هذا صحيحًا إلى حد بعيد؛ فـ«شايلوك» الذي أحكم قبضته على العالم وأحكم سيطرته على زمام الأمور في كل شبر من هذا المجتمع الدولي لم يدع فرصة لحرية الاختيار أو لحرية السعي نحو استثمار نظيف لم تمسه مخالبه الملوثة بدماء البشر. إذ إن أي عملة في العالم كله تصنع على عينه وبمباركته وبقانونه ولا يحق لأي بنك مركزي في أي دولة التصرف في ما يدخل أو يخرج من خزينته إلا بعلم «شايلوك»، قيمة العملة التي تحملها لا يصح الاعتراف بها إلا بارتباطها بالدولار الأمريكي الذي هو العملة الوحيدة التي يعترف بها «شايلوك» ابنًا شرعيًّا له، على الرغم من أن الدولار الأمريكي منذ العام 1971م ما هو إلا نتاج سفاح لا أصل له ولا غطاء ذهبي يدعمه. هو مجرد ورقة مطبوعة بحبر فاخر لكنها لا تختلف كثيرًا عن ورق لعبة بنك الحظ التي كنا نلعبها ونحن أطفال، ومع ذلك فكل حياتنا الآن تدور في فلك هذا الدولار. البترول يسعر بالدولار، الذهب كذلك. كل السلع التي نتعامل معها من قريب أو بعيد لابد وأن يكون للدولار علاقة أزلية بها. وذلك لأن الدولار هو العملة التي اتُفق عليها عملةً مرجعية في مؤتمر النقد الدولي عام 1944م أو ما سمي باتفاقية «بريتون وودز» والتي أُعلِنَ من خلالها عن إنشاء ما يسمى بصندوق النقد الدولي عام 1945م رافعًا شعارًا إنسانيًا جميلًا وهو «استقرار”النظام العالمي المالي ومساعدة الدول في إعمار ما خلفته الحرب العالمية الثانية عن طريق إقراض هذه الدول وغيرها بالطبع بشكل مقنن مبالغ مالية كبيرة تصلح لإعادة بناء هذه الدول، وكذلك الحكومات الأخرى التي تتفاقم لديها المشكلات الاقتصادية الكبيرة وربما الصغيرة أيضًا، ومن ثم تُرَد هذه القروض على دفعات مُجَدولة بفوائد مركبة بالطبع. وكل ذلك بمباركة العالم وسعيه لأن يحظى بشرف التعامل مع هذا الصندوق ذي «القلب الرحيم»! وكما قال «أنطونيو» لصديقه «بسانيو» في مسرحية تاجر البندقية وهو يشير إلى «شايلوك» أثناء تفاوضهما معه على القرض: «لاحظ يا بسانيو كيف أن بوسع الشيطان أن يستشهد بالكتاب المقدس لدعم أغراضه وما الروح الشريرة التي تلوح باستشهادات دينية إلا كالوغد ذي الابتسامة على خديه أو كالتفاحة العفنة ذات المظهر الجميل، ألا ما أجمل المظهر الخارجي للزور والكذب».

ويستطرد «أنطونيو» موجهًا حديثه لـ«شايلوك» نفسه، وهو ما يعبر بصدق عن حقيقة صندوق النقد الدولي وعن حقيقة عملية إقراض الدول وكأنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ الشعوب، لكنه في الحقيقة ليس أكثر من مرابٍ محترف يستثمر أمواله في خنق تلك الشعوب وامتصاص دمائها ثم يسعى في النهاية لاقتطاع أرطال من اللحم الحي كما حدث في المسرحية، فيقول «أنطونيو» لـ«شايلوك»: «فإن أنت أقرضتني المال فلا تقرضه لي إقراض الصديق للصديق إذ متى كان الصديق يطالب صديقه بسلالة معدن عقيم؟ ولكن تقرضها لي إقراضك لعدو إن هو أفلس طالبت بتوقيع العقوبة عليه وأنت مرتاح الصدر».

ومما لا شك فيه أن للسياسة الدور الأكبر في المسار الاقتصادي بشكل عام؛ فأمريكا القوة العظمى الأولى في العالم اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا هي «الأم» الشرعية لهذا الصندوق الذي ولد على يديها وتربى في أحضانها، ولذلك فهي تحتل النصيب الأكبر من حصة صندوق النقد الدولي الذي يقطن العاصمة الأمريكية واشنطن. وعلى هذا الأساس يكون لها النصيب الأكبر أيضًا في توجيه سياسة هذه المنظمة تجاه الدول الأخرى. فعلى سبيل المثال، ومن خلال ما يحدث هذه الأيام تحديدًا، حينما يشهد الاقتصاد الأمريكي انتعاشًا ما مثلما حدث خلال الشهور والأيام القليلة الماضية لأسباب عديدة لا مجال لحصرها الآن، ولكن منها على سبيل المثال الشروع في استخدام الغاز الصخري المسال ما أدى إلى تراجع أمريكا قليلًا عن استيراد النفط من ناحية، ورفع سعر فائدة البنوك مما زاد من سعر الدولار أمام أغلب العملات الأجنبية من ناحية أخرى، وهذا بدوره أحدث ركودًا في سوق النفط مما هبط بسعره بدرجة كبيرة وصلت إلى 32 دولارًا للبرميل، وعليه يحدث بعض التراجع أو العجز في ميزانيات بعض دول الخليج المُصَدِر الأكبر للنفط، وبالتالي يبدأ صندوق النقد في توجيه بعض النصائح والإرشادات والحث على اتخاذ تدابير تقشفية معينة في دولة كالكويت على سبيل المثال، وكأنه يمارس نوعًا من البلطجة أو التلويح بها على أقل تقدير بأن هناك أسبابًا ما تدعو للاقتراض من «شايلوك» أو من صندوق النقد الدولي إن آجلًا أو عاجلًا. وهكذا فإنها عملية تتصل ببعضها البعض كالأواني المستطرقة، في حين أن ما يحدث في العراق وسوريا ومنطقة الشرق الأوسط كلها من اضطرابات ونزاعات وحروب يؤثر بشكل أساسي في تجارة النفط، وبالطبع فإن يد أمريكا متورطة بعمق في تلك الأحداث! ومع أن الدولار الأمريكي بعد قرار نيكسون عام 1971 بفك ارتباطه بغطاء الذهب في أكبر عملية «نصب» في التاريخ، أصبح الغطاء الفعلي له هو حقول النفط العربية كما ذكر ذلك خبير المال والعملات الصيني «سونج هونجبينج» في حوار له مع الإعلامي «أحمد منصور» في إحدى حلقات برنامجه «بلا حدود» على قناة الجزيرة، والتي لمح فيها أيضًا إلى أن ذلك قد حدث في مقابل حماية عروش وأنظمة الحكم في دول الخليج تحديدًا! وكذلك لأن شراء البترول لابد وأن يكون بالدولار وبالتالي فإن ذلك يعني ارتباطًا وجوديًا بين السلعتين. وكأن كلًّا منهما أي البترول والدولار يمد الآخر بأسباب الحياة. لكن الحقيقة وهذا رأيي الشخصي، أن نظريات القوة هي التي تحسم الأحداث والأمور لصالحها في أغلب الأوقات وليست المصالح فقط. وأعني بالقوة هنا القوة العسكرية من ناحية وقوة المال وفرض الديون حتى تتم محاصرة الأنظمة والضغط عليها من ناحية أخرى، وبالتالي تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تضمن استمرارية هيمنة الدولار على العالم بأسره لأن توالد وتكاثر فوائد الديون مستمرة في الضخ وبالدولار الأمريكي أيضًا، وفي حالة عدم سداد هذه الديون هناك سكين شايلوك المشحوذ ليقتطع أرطال اللحم التي قد تكون أصول شركات أو حقول نفط أو غاز أو كافة الخامات، وربما تكون أصول أراض كـ«جزيرتين صغيرتين» على سبيل المثال!

ومن هنا يتحكم «شايلوك» في عملية الإقراض التي قد تصل في كثير من الأحيان إلى الإقراض الجبري نوعًا من الاعتراف بالنظام الحاكم كما حدث أثناء حكم الرئيس «محمد مرسي»، مما اضطر حكومته إلى عقد اتفاق مع صندوق النقد بقيمة معينة حدًّا أدنى للاقتراض نوعًا من فتح باب للتواصل مع هذه المنظمة التي لها يد في فرض سياستها على الحكومات حتى في الأمور السياسية بشكل عام وليس في النواحي الاقتصادية فقط. ولعلنا نذكر كيف تواصل الصندوق سريعًا مع مصر وتونس إبان ثورتيهما مباشرة وكأنه يحاول أن يضع ملامح المرحلة المقبلة وسياسة الدولتين ما بعد إسقاط «بن علي» و«حسني مبارك»، وفي ذلك السياق هناك تصريح متلفز للشيخ «الصادق شورو» رئيس حركة النهضة التونسية السابق، منشور على موقع اليوتيوب بتاريخ مايو 2013م  يقول فيه إن صندوق النقد الدولي طالب الحكومة التونسية في أواخر الثمانينيات بقمع أعضاء حركة النهضة وبعلمنة التعليم والثقافة في تونس، وأن نفس الموقف تكرر مرة أخرى في أسبوع تسجيل هذا الحديث أي في عام 2013م ولكن تجاه حركة أنصار الشريعة في تونس!

ومما يثير الكثير من علامات التعجب، أنني وأنا بصدد كتابة هذا المقال وخلال مرحلة البحث في هذا الموضوع، كنت أبحث عن كيفية تحرر بعض النماذج الناجحة من سياسات صندوق النقد الدولي كدول مثل تركيا وماليزيا والبرازيل على سبيل المثال، وكأن الإجابة جاءتني سريعًا من أرض الواقع لتقطع عليّ طريق البحث وتغير وجهته  إذ حدث ذلك الانقلاب الناعم «الدستوري» في البرازيل وعزلت رئيس البرازيل المنتخبة «ديلما روزييف» بقرار من مجلس الشيوخ، وكأنه نسخة مطابقة تمامًا لما حدث في مصر عام 2013 مع أول رئيس منتخب بشكل ديمقراطي حقيقي في تاريخ مصر ولكن الفارق الوحيد هو «أداة» التنفيذ؛ أي العنصر العسكري في الحالة المصرية ومجلس الشيوخ في الحالة البرازيلية. مما جعلني أوجه بصري نحو تركيا في محاولة لإعادة قراءة المشهد على ضوء كم الانفجارات المتكررة وإزاحة «أحمد داود أوغلو» بشكل يثير الشك رغم ما قيل عن بعض الخلافات بينه وبين «أردوغان»، لكني لا أستبعد أن يكون هناك ضغطٌ ما لإبعاده كما أنني لا أستبعد أيضًا أن تقوم المعارضة التركية بمحاولات تشبه ما فعلته المعارضة البرازيلية. أما الحالة الماليزية فهي ما زالت تتعرض لكثير من الاضطربات على أثر وقائع فساد متتالية، هذا إلى جانب حادث الطائرة الماليزية التي لم يكشف لغزها حتى الآن! بل إن الاتحاد الأوروبي ذاته ومنطقة «اليورو» مهددة بالتصدع والانهيار!

ما زلت أفعّل نظرية المؤامرة ولكن هذه المرة من خلال تتبعي لشخصية شايلوك، سواء في أحداث مسرحية شكسبير الشهيرة أو من خلال واقعنا الذي نعيشه. لذا اسمحوا لي أن أستكمل معكم هذه الرحلة في مقال قادم إن شاء الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شايلوك
عرض التعليقات
تحميل المزيد