يقول الله عز و جل في كتابه الحكيم:

«هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ». الرعد -الآية 12الروم- الآية 24

«وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ». الأعراف- الآية 56

الخوف، والطمع، أو الخوف والطموح، أو «رغبًا ورهبًا» كما وصفها الله تعالى في آيات أخرى من القرآن الكريم، غريزتان متلازمتان خلقهما سبحانه وتعالى في كل إنسان، ولكن بنسب متفاوتة، يدفعانه دفعًا نحو أسباب الدنيا ومنها المال، وهما كلمتا السر لدى أغلب البشر، إن لم يكن كلهم في أية عملية مالية، سواء على المستوى الإنساني الفردي أو على مستوى الدول، وبالتالي فهما أهم أدوات «شايلوك» التي يستخدمها في عمله، وفي استثمار أمواله لكي تتكاثر وتتوالد كما وصفها شكسبير على لسان «شايلوك»؛ ففي مسرحية تاجر البندقية كان طموح «بسانيو» هو الزواج من «بورشيا» الفتاة الجميلة الغنية، وفي الوقت نفسه يدفعه خوفه أن يفوز بها غيره بالإسراع في الحصول على قرض من «شايلوك» لإتمام هذا الزواج، هي عملية متبادلة للطمع أو الطموح؛ فكما يحتاج «بسانيو» للقرض فإن «شايلوك» يحتاج كذلك لأمثال «بسانيو»، وهو لن يستطيع أن يجد فرصته في شخص لديه قدر ضئيل من الطموح، أو لديه قدر كبير من الرضا والقناعة بالحد الأدنى من أسباب الحياة، أو متدين يكره الربا ولا يتعامل به مهما بلغت حاجته، وهذا الشخص تحديدًا من أكثر الناس الذين يبغضهم «شايلوك» أشد البغض، مثلما جاء على لسانه في أحد مشاهد المسرحية، وهو يتحدث عن «أنطونيو» التاجر الثري صديق «بسانيو» المخلص، والذي لا يتعامل أبدًا بالربا، وكان يقرض المحتاجين دون فوائد، مما كان يهدد تجارة «شايلوك» القوية؛ ولذلك فهو بالنسبة له عدو لدود؛ فيقول متحدثـًا عن «أنطونيو»: «إني أكرهه لأنه مسيحي، لكني أكرهه أكثر إذ أراه بسذاجته وتواضعه يقرض المال بدون فوائد، فيقلل مما نجنيه من الربا هنا في البندقية، فلو أني تمكنت من استغلال عثرة واحدة منه لنفست عن حقدي القديم عليه، إنه يكره أمتنا المقدسة، وحتى هنا حيث التجارة في ذروة نشاطها أراه يسخر مني ومن صفقاتي ومن مهارتي العريقة في الحصول على ما يدعوه الربا، فاللعنة على قبيلتي إن أنا غفرت له».

ولذلك فإن «شايلوك» يسعى إلى خلق كل ألوان المغريات التي تدفع الفرد دفعًا نحو الاقتراض منه، وإن لم يفلح هذا السبب فسيخلق سببًا آخر أقوى وأكثر دفعًا نحو الاقتراض أو اللجوء إليه، ألا وهو الخوف من مصادر عديدة مثل الحروب والأمراض والانقلابات والمجاعات، وحتى الأمور العادية في تقليل فرص الموارد، وفرص العمل، وانتشار الفساد، وجفاف منابع الثروات والتضييق على العامل والفلاح والموظف في أسباب رزقهم، وكذلك فرض الضرائب، وإثقال كاهل الإنسان بها، إنها حلقة مفرغة ندور في فلكها جميعًا، وكأن شكسبير كان يتنبأ بما سيحدث في القرون التي ستلي كتابة مسرحيته، أو في رأيي كأنه كان يشير بالفعل إلى إرهاصات اكتشاف العالم الجديد، ألا وهو أمريكا أرض الأحلام، إذ إن الأمريكتين اكتشفتا في عام 1492م، وهو الاكتشاف المتعارف عليه المنسوب لـ «كريستوفر كولومبس»، و«شكسبير» عاش في الفترة ما بين 1564 و1616م في وقت كانت أمريكا بشمالها وجنوبها مكانًا مبهمًا يُسمع عنه أكثر مما يُرى، وكأن «شكسبير» كان يرمز بــ«بورشيا» إلى هذه الأرض الجديدة، ويرمز بالساعين إلى الزواج منها من خلال تلك الصناديق الثلاثة التي أوصى ابوها الراحل باستخدامها إلى المهاجرين والمغامرين الساعين إلى الوصول إليها أي إلى أمريكا، فهناك الصندوق الذهبي الذي كتب عليه: «من اختارني نال ما يتمناه كثيرون» وهو يرمز لأصحاب المال والساعين إليه، والصندوق الفضي وقد كتب عليه: «من اختارني نال بمقدار ما يستحق» وهو يرمز لذوي الطموح المحدود الذين لا يحبون المخاطرة والخسارة، والصندوق الرصاصي الذي كتب عليه: «من اختارني عليه أن يعطي ويخاطر بكل ما عنده» ويرمز للمغامرين الذين ليس لديهم ما يخسرونه، وفي الوقت ذاته مستعدون للمضي قدمًا دون تفكير نحو نهاية هذا الطريق، مهما كلفهم ذلك من مخاطر وخسائر، وبالفعل هذا ما حدث مع مستوطني أمريكا الأوائل، إذ كانوا مجموعة من الساعين نحو حلم لم يعرفوا ملامحه بشكل كاف، لكن كان يكفيهم أنهم يحلمون، منهم من كان يحلم بالذهب والفضة في تلك الأرض البكر التي تكتنز في باطنها كل ألوان وأشكال الثروة، ومنهم من تطلع إلى بدايات جديدة في أرض جديدة.

وهكذا، حدث مع المستوطنين المغامرين ما حدث لبسانيو؛ حين اختار الصندوق الرصاصي و فاز بالزواج من فتاة أحلامه، ولا أعرف إن كان من قبيل المصادفة أم أن شكسبير قصد بالفعل الإشارة إلى أمريكا؛ إذ إن المكتشف الفعلي لها، والتي حملت اسمه بالفعل هو الإيطالي الفلورنسي «أمريجو فسبوتشي أو أمريكو فسبوتشي»، وكان «كريستوفر كولومبس» المغامر والملاح الإيطالي أيضًا قد سبقه في اكتشافها، ولكنه كان يعتقد أنه وصل إلى الهند الغربية، وكان سعيه أن يكتشف طريقـًا جديدًا يبعد عن طريق «المحمديين» أي المسلمين الذين كانت لهم السيطرة على العالم وقتئذ، بل إنهم قد سبقوه إلى العالم الجديد، وكانوا يطلقون عليها الأرض المجهولة في فترة مبكرة قد تصل إلى القرن الأول الهجري، حسب بعض الأبحاث والخرائط القديمة، وربما ألمح إلي ذلك أيضًا شكسبير في هذه المسرحية؛ إذ قدم شخصيات عديدة تطلب الزواج من «بورشيا» منها أمير «مراكش» وذلك قبل أن يصل بسانيو ويربح «خبطة الحظ» أو «اللوتاري» كما وصفها شكسبير في النسخة الإنجليزية! والغريب أيضًا أن جيسيكا ابنة شايلوك تهرب مع حبيبها بعد أن سرقت مال أبيها إلى «بلمونت» بلد بورشيا وتتزوجه وتعيش معه هناك!

وأعتقد أن «أمريجو فيسوبتشي وكولومبوس» ومن معهم هم من نقلوا إلى هذا العالم الجديد فكرة البنوك وأسواق المال والأعمال؛ إذ كانت إيطاليا وتحديدًا «البندقية» هي مدينة المال والأعمال الأولى في العالم في ذلك الوقت، وفيها تأسس أول بنك في العالم بشكل أقرب لما هو عليه الآن، وبالتالي أصبح العالم الجديد مكانـًا لجذب كل ذي طموح، وهنا يبدأ دور «شايلوك» لا في مسرحية تاجر البندقية، ولكن في مسرح الواقع الأمريكي الجديد، وعلى قدر ما بدأ هذا العالم الجديد بكثير من الشرور مثل اغتصاب حقوق أصحاب الأرض الأصليين، وكذلك مرحلة استجلاب الرقيق وانتشار العبودية، ثم الحروب الأهلية والحرب ضد بريطانيا العظمى والتنافس على استقطاع أكبر مساحة من هذا الاكتشاف العملاق ألا وهو الأمريكتان، إلا أنه وإحقاقـًا للحق فإن الأمريكيين الجدد بذلوا جهودًا خرافية لكي تصبح الولايات المتحدة الأمريكية كما نراها الآن، كقوة عظمى أولى لا يشاركها أحد الآن في تلك القمة التي تتربع عليها، إذ إن أغلب المخترعات والاكتشافات العلمية المذهلة التي تحكم وتتحكم في عالمنا اليوم ابتكر على هذه الأرض الجديدة بأفكار وسواعد هؤلاء المغامرين، وهو ما حول كفة النفوذ والقوة والسيطرة من بريطانيا القوة العظمى الأولى في ذلك الوقت، ووجهها نحو أمريكا، وذلك بعد صراعات وتنافسات وحروب كثيرة كسبتها في النهاية هذه الدولة التي انتزعت لصالحها كل شيء.

لكن الأهم من كل هذه الاكتشافات التي اكتشفت وتحققت في أرض الأحلام كان اكتشاف قواعد اللعبة الجديدة للسيطرة على العالم، إذ إن بريطانيا الإمبراطورية العظمى التي كان لا يغيب عنها الشمس، ورغم سنوات الاستعمار الطويلة في كل بقاع الأرض تقريبًا، ورغم كل ما حققته من مكاسب، إلا أن اللاعب الجديد الطموح الذي راهن على الصندوق الرصاصي استطاع إزاحة هذه الإمبراطورية دون أن يبرح أرضه الجديدة، ودون أن يغزو أرض بريطانيا ويعبر القارات إلا بسفنه التجارية التي نافست العملاق البريطاني في كل شيء، بل تفوقت عليها وابتكرت أسواقـًا جديدة لم تكن في حسبان عتاة الرأسمالية الكلاسيكية الإنجليز، ولا أظن أن مقالًا واحدًا أو عدة مقالات من الممكن أن يسمحوا لنا بأن نعدد كل ألوان المنتجات والأسواق وما أفرزته الاكتشافات والمخترعات الجديدة في تغيير قواعد لعبة المال والنفوذ والسيطرة على العالم، فلنا أن نتخيل على سبيل المثال لا الحصر العالم قبل اختراع التلغراف وبعده، وقبل اختراع المصباح الكهربي وبعده، والهاتف والمحرك قبل وبعد… إلخ، كل ألوان المبتكرات التي اضطرت الإمبراطورية العظمى البريطانية إلى التفاعل معها والانتباه لها، ثم ترجمة كل هذه الأشياء إلى ما يسمى الآن أوراق البنكنوت، التي تعد أيضًا اكتشافـًا أمريكيًا، وبالتالي الكثير من التعاملات البنكية الحديثة التي لم تكن مستخدمة من قبل، إنه عالم من الطموح الذي لا نهاية له، وبالتالي فتح أفاق العالم بأسره نحو الحلم بلا سقف، ومن هنا انتشرت البنوك وأعمال المراباة التي بدأت في تطوير أساليب عملها وبإضافة مسميات ومستحدثات لم يسمع بها من قبل مما أحدث ارتباكـًا في الأمور الفقهية والدينية سواء على مستوى المسيحية أو الإسلام؛ فالربا المعروف كان محرمًا تمامًا في تلك الفترة على صعيد الديانتين، أما حين استحدثت مسائل جديدة مثل السندات والأسهم وكثير من هذه الأمور فإن ذلك جعل الأمور تختلط بعضها ببعض، مما أحدث فوضى في الرؤى الفقهية بالإضافة إلى أن شهوة الأحلام وكل ألوان المخترعات المبهرة أنست الجميع أن يتوقفوا ليتبينوا الحلال من الحرام، ولأن العالم صار مبهورًا بكل المخترعات الجديدة فقد اعتبر حدود الفقه أمرًا من أمور الماضي الذي لا يجب الوقوف عنده طويلًا! وهكذا حدثت ثورة اقتصادية مشابهة للثورة الصناعية والعلمية، وتنامت قوة المال والأعمال والنفوذ في أمريكا إلى أن أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية هي أمريكا التي نعرفها الآن، القوة العظمى الأولى في العالم وتورات الإمبراطورية البريطانية شيئًا فشيئًا إلى أن وصلنا إلى يومنا هذا الذي أصبحت مهددة بالتقسيم والتفتت كتابع من توابع زلزال التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي أجري مؤخرًا، وهو ما أشرت إليه في الحلقة السابقة من هذا الموضوع ولم أكن أتخيل أن الأحداث متلاحقة إلى هذا الحد مما جعل هناك صعوبة في التوقف لالتقاط الأنفاس لتتبين لنا الصورة الكاملة لعالمنا الآن بشكل أكثر وضوحًا.

كما أشرت في المقال السابق أيضًا إلى الزلزال الآخر الذي أطاح برئيسة البرازيل «ديلما روزييف» وهي الرئيسة المنتخبة، بعد فترة لا بأس بها من تفعيل الديمقراطية في البرازيل، لكن فيما يبدو أن من يعارض قوى النفوذ الاقتصادي المهيمنة على العالم عليه أن يتوقع نهايته بشكل أو بآخر في أقرب فرصة، إذ إن رئيسة البرازيل التي أطيح بها اقترفت عدة أخطاء لا تغتفر في حق «شايلوك» كانت تكفي لأن يحل عليها غضبه كان من أهمها أنها سمحت لنفسها بالسعي نحو الهروب من سيطرة مؤسسات «بيرتون وودز» المتمثلة في صندوق النقد الدولي وعائلته كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات التابعة لمملكة «شايلوك» بتأسيس صندوق آخر وبنك يجمع بين أعضاء مجموعة الـ«بريكس» وهي المجموعة التي تضم خمس دول هي البرازيل والصين وروسيا وجنوب أفريقيا والهند وهي الدول التي تملك اقتصادًا ناشئًا ومبشرًا، وجدير بالذكر أن الرئيس محمد مرسي كان قد سعى في سنة حكمه إلى أن تنضم مصر إلى هذه المجموعة وبترحيب من الرئيسة «ديلما روزييف» التي كانت قد أعطت العام الماضي إشارة البدء مع رؤساء مجموعة دول «البريكس» لهذا البنك الذي سمي ببنك التنمية واختيرت مدينة شنغهاي الصينية مقرًا له، وكانت «ديلما روزييف» قد أكدت مرارًا وتكرارًا قبل إقالتها أنها لا تستهدف التنافس أو الصراع مع صندوق النقد الدولي، لكن ذلك لم يشفع لها فيما يبدو ودبرت لها تلك المؤامرة كما وصفها الرئيس «نيكولاس مادورو» رئيس فنزويلا في معرض تعليقه على ما حدث في البرازيل، ولكن يبدو أنه هو نفسه قد يواجه المصير نفسه إذ أعلنت المعارضة أنها حصلت على أكثر من مليون توقيع لإجراء استفتاء على إقالته! لكنه ما زال يقاوم بشدة ويطمح إلى دعم فرصه في صراع البقاء، وعلى ذكر الطموح فقد كان طموح ديلما روزييف وهو طموح مشروع بالتأكيد أن تعبر بالبرازيل واقتصادها الناشئ نحو درجة أعلى في مراتب اقتصاديات العالم الذي شغلت مكانـًا متميزًا فيه؛ حيث أصبحت ضمن أفضل عشر دول اقتصاديًا في العالم واستطاعت أن تتحول من دولة مدينة بأكثر من 200 مليار دولار خلال فترة الحكم العسكري إلى دولة دائنة بعد التحول الديمقراطي، خاصة خلال حكم الرئيس الأسبق «لولا دي سيلفا» ثم فترة حكم الرئيسة «ديلما روزييف» التي يحقق معها الآن في عدة قضايا بعد حملة إعلامية عنيفة من قبل مؤسسات إعلامية تدعهما شركات أجنبية وشركات تابعة للنظام القديم التي تسيطر بنسبة كبيرة جدًا على الإعلام في البرازيل كما هو الحال في مصر، وأثارت تلك القنوات الإعلامية قضايا عديدة ضد الرئيسة البرازيلية كان أهمها ما سمي بالفضيحة المالية المتعلقة بشركة بتروبراس وهي شركة بترول من أهم الشركات البرازيلية في هذا المجال وقيل إن «ديلما روزييف» تلقت رشاوى وتجاهلت رشاوى قدمت لمسؤولين من رفاقها، وأنها تلاعبت في بعض العقود وتسترت على فساد مالي بها في حين أنه قيل أيضًا وعلى الجانب المضاد أنه كانت هناك خطط لخصخصة الشركة لصالح بعض من الشركات الأجنبية التي تسعى لوضع يدها على حقول النفط التي اكتشفت مؤخرًا في البرازيل، والتي تسعى الشركات الأمريكية للسيطرة عليها وحاولت ديلما روزييف أن تعرقل هذا السعي بشكل أو بآخر مما أحدث تلك الضجة ضدها، فمن الواضح أن قطار الاقتصاد الوطني لن يتحرك إلا بقاطرة الخصخصة التي باتت أحد أهم معالم الاقتصاد العالمي وهو اقتصاد السوق، وهناك تجربة برازيلية أخرى في هذا السياق على درجة كبيرة من الأهمية وهي تجربة شركة «امبراير» لصناعة الطائرات والتي أسست في الستينات من القرن الماضي، لكنها فشلت وتعثرت وكادت أن تتوقف كليًّا حتى حولتها عصا الخصخصة السحرية إلى شركة ناجحة جدًا تنافس أمريكا وفرنسا وتحتل المركز الثالث على العالم في صناعة الطائرات، وبالطبع كانت الخصخصة لصالح شركات أجنبية متعددة الجنسيات؛ لكنها على الأقل منحت البرازيل قدرً كبيرًا من هذا النجاح الاقتصادي الذي شهدته خلال السنوات القليلة الماضية، لكنها سرعان ما واجهت مرحلة كساد وتعثر مفاجئ على أثر الغضبة التي حلت على الرئيسة البرازيلية المعزولة، فإذا بشركة «ستنادرد آند بورز» المتخصصة في التصنيف الائتماني تخفض تصنيف البرازيل لمستوى خطير ينذر بتراجع الاقتصاد البرازيلي بشكل مثير لكثير من علامات الاستفهام!

فهل كانت ديلما روزييف فاسدة إلى هذا الحد؟ أم أنها أخطأت في حق قوى النفوذ والمال بالدرجة التي لا تسمح لها بيوم آخر في منصب الرئاسة البرازيلية؟ أم لأنها تحدت الكيان الصهيوني وهو الخط الأحمر لدى «شايلوك» حين استدعت سفيرها أثناء العدوان الصهيوني على غزة عام 2014 ووصفت هذا العداون بالمجزرة، كما أنها رفضت تعيين سفير للكيان الصهيوني في بلدها بعد الحرب؛ لأنه كان وزيرًا للمستوطنات مما جعل نتنياهو يهاجم سياسة البرازيل الخارجية ويصفها بأنها قزم دبلوماسي! خاصة أن إسرائيل أصبحت مؤخرًا الدولة رقم 20 ضمن مجموعة نادي باريس للدول الدائنة، وأيضًا لأن هناك تعاونـًا وثيقـًا بينها وبين البرازيل في مجالات عديدة ولها بطبيعة الحال حضور مكثف سواء أكان معلنـًا أم مستترًا من خلال الشركات المتعددة الجنسيات كما قال «شيمون بيريز» رئيس دولة الكيان الصهيوني المحتل في أحد المؤتمرات!

وقد قيل بمناسبة هذا الصعود «المعلن» إلى نادي باريس الاقتصادي للدول الدائنة إن إسرائيل تسعى لشراء ديون مصر وهو ما لا أستبعده، خاصة في ظل التقارب الذي رأيناه خلال الأيام الماضية ما بين إسرائيل من جهة وبين مصر بشكل خاص والقارة السمراء ودول عربية وإسلامية بشكل عام من جهة أخرى، مما يؤكد على نشاط صهيوني متميز في المنطقة عن أي وقت سابق، فيما نفى النظام المصري هذه الأقاويل وسارعت حكومته بتسديد قسط من أقساط ديونها لنادي باريس لتؤكد أنها ما تزال تقترض لتسدد وتسدد لتقترض، كما هو الحال السائد في أغلب دول العالم الثالث، وربما دول العالم كله التي خضعت لهيمنة شايلوك الأخطبوطية العملاقة التي تجعل مهمة من يريد البحث أشبه بالسير في منطقة لا نهاية لها من كثبان الرمال الناعمة وهذا ما عطل كثيرًا نشر هذا المقال لاتساع معطياته وتعقدها وتشابكها وبسبب تسارع الأحداث وتصارعها بشكل رهيب؛ فكلما أهم بمراجعة المقال واختتامه إذا بالأمور تتصاعد وتجبرني على إعادة قراءة المشهد من جديد، ويبدو أن عام 2016 حافل بالزلازل السياسية والاقتصادية، فقبل ساعات قليلة حدثت محاولة الانقلاب الفاشلة ـــ حتى الآن ــ في تركيا وتضاربت الأنباء حول مصير الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو ما كنت قد توقعته أيضًا في المقال السابق، ورغم إعلان فشل الانقلاب إلا أنني أتوقع أن الأيام القادمة حبلى بالأحداث المثيرة والصعبة والتي ستغير من تفاصيل الجغرافيا والتاريخ، ولا أظن أنها ستكون الجولة الأخيرة في محاولات الانقضاض على التجربة التركية الناجحة من قبل «شايلوك» إذن فسنكمل الرحلة في حلقة قادمة بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد