إيناس عامر

94

إيناس عامر

94

أنا أريدك أنت

بهذه العبارة، وبوجه صارم، ونظرات حادة، وملامح يبدو منها الترهيب، لا الترغيب، يقف العم سام موجهًا أصبع السبابة ليشير إلى المواطن الأمريكي الذي سيراه في هذا الملصق الإعلاني الذي يدعوه للانضمام إلى الجيش الأمريكي أو.. لشراء ما يسمى بسندات الحرية أو سندات الحرب، هذه السندات التي ابتكرتها العبقرية الشايلوكية في استخدام الشعوب لتمويل الحروب من ناحية وإدارة عجلة رأس المال واستخدام مدخرات المواطن البسيط كوسيلة استثمارية ربوية بالطبع وذلك بعد استثمار مشاعره ومخاوفه وأحلامه، وأيضًا طمعه، ورغبته في زيادة أمواله.

ولم يكن هذا الملصق السابق ذكره هو الملصق الوحيد، وإنما كانت هناك ملصقات كثيرة أخرى منها ما يدعو الأمريكيين إلى عدم الإسراف في الغذاء والكساء وتوفير المال لخدمة الجيش ومنها ما يدعوهم لتحويل ما يملكونه من فضة إلى رصاصات في إشارة إلى تحويل تحويشة العمر إلى سندات يذهب ثمنها للمجهود الحربي، بل ومنها أيضًا ملصقات تدعو اليهود إلى الهجرة نحو أرض الميعاد أو شراء هذه السندات أيضًا خدمة لأفواج المهاجرين، لم تكن أمريكا وحدها التي روجت لهذه السندات، وإنما شاركت في هذه الحملات الاستثمارية النشطة غالبية الدول التي شاركت في الحرب العالمية الأولى والثانية كبريطانيا وفرنسا وحتى ألمانيا، ولكن المثير للدهشة والعجب أكثر هو أن نعرف أن بلادنا العربية المسلمة دخلت في هذه اللعبة الشايلوكية وطرحت هذا النوع من السندات التي تستثمر في الحرب تحت مسميات غاية في النبل والإيمان، مثل: سندات الجهاد، وقد ظهرت هذه الحملات في ثلاثينات القرن العشرين كحملة دعاية للحرب نفسها أي الحرب العالمية الثانية، فنجد على سبيل المثال حملة إعلانية من خلال فيلم كرتوني قصير بعنوان: مشمش أفندي في الدفاع الوطني.

ويدعو هذا الفيلم المصريين للتبرع بالمال لدعم مشروع الدفاع الوطني في الحرب العالمية الثانية.. أي دعم جيش الاحتلال البريطاني! أنتج هذا الفيلم في عام 1937 أي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنتين وأخرجه الإخوان فرانكل، وهما يهوديان روسيان استوطنا مصر في العشرينات من القرن الماضي، وأدخلا لأول مرة فن الرسوم المتحركة في مصر. لكن المدهش أن هذه الحملات الدعائية لم تتوقف بتوقف الحرب العالمية أو بزوال الاحتلال أو برحيل اليهود عن مصر، وإنما استمرت بنفس الفكرة الشايلوكية، وبنفس النمط الذي استخدم من قبل في أمريكا وأوربا خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، ففي سبيعنات هذا القرن نفسه ومع  اندلاع حرب أكتوبر عام 1973 نجد حملات إعلانية واسعة تدعو لشراء ما يسمى بـسندات الجهاد، ترفع شعار: (ساهم في معركة المصير وحرر أرضك)، وتذيل هذا الإعلان بجملة تحفيزية تقول: بفائدة 4,5 % سنويًا معفاة من الضرائب.. وغيرها من الجمل التحفيزية في إعلانات أخرى!

وكذلك حدث نفس الأمر في العراق خلال حربها مع إيران حيث استصدر البنك المركزي العراقي سندات حرب بقيمة مائة دينار بفائدة سنوية حوالي 10 ونصف في المائة، وذلك لتمويل تلك الحرب العبثية التي استمرت لثماني سنوات قتل خلالها أكثر من مليون إنسان!

وهكذا يستطيع شايلوك أن يخترق صلب العقائد بموازين جديدة تمامًا.. فيصبح الربا استثمار وطني والجهاد الذي هو جزء أساسي في صميم العقيدة الإسلامية، والذي هو فرض عين على كل مسلم يصبح بأمر شايلوك نوعًا من أنواع البيزنس!

ألا يذكرنا هذا بقصة أصحاب السبت التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، والتي سبق الحديث عنها في حلقة سابقة؟

الدماء تنعش الاقتصاد الأمريكي

وبالرغم مما حظي به القرن العشرون من مخترعات وصناعات عملاقة، إلا أننا يمكننا القول بأن صناعة الحرب كانت الصناعة الأهم والأكثر تفوقًا خلاله.. بدءا من الخدمات اللوجستية، مثل إمداد الجيوش وتموينها وتجهيزها من حيث الملابس بكافة أنواعها ومسلتزمات الحروب منها ومواد الإعاشة ومرورا بالمواد الطبية والمستشفيات المتنقلة وبناء المعسكرات وتجهيزها وتحصين المواقع وصولًا إلى السلاح وكافة وسائل الدفاع والهجوم برًا وبحرًا وجوًا.. وأجهزة التواصل وكافة المستحدثات التكنولوجيا والمعلومات، بل حتى استخدام العنصر البشري نفسه، كل ذلك كان له التفوق الأبرز اقتصاديًا خلال هذا القرن الذي شهد الكثير من الاضطرابات والحروب، كان أهمها الحرب العالمية، بجزئيها الأول والثاني، والتي راح ضحيتها ما يقرب من مائة مليون إنسان، بينما ارتفعت أرصدة مقاولي الحروب الذين استفادوا من التجربة الأمريكية خلال الحرب الأهلية وحرب الاستقلال من حيث إن الحروب تعد حقل الاستثمار الأمثل والأعلى من حيث السيطرة على رؤوس الأموال ورؤوس البشر معًا.

لذلك نشر موقع جلوبال ريسرش الكندي تقريرًا عن مدى تأثر الاقتصاد الأمريكي إيجابيًا بالحروب جاء فيه: (ويرى الموقع أنه خلال الحرب العالمية الثانية، تعلم الأثرياء وأصحاب الشركات درسًا مهمًا جدًا، وهو طالما هناك حرب فهناك المزيد من المال، وبعبارة أخرى، فإن الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي يمكن أن يكون أكثر كفاءة خلال مواسم الحرب أكثر من السلام).

من يدفع الفاتورة؟

بالتأكيد لن يدفع فواتير هذه الحروب الشايلوكية هؤلاء الساعين إلى إشعالها من مقاولي الحروب وبالتأكيد لن يدفعها الساسة الذين يقومون بأداء أدوارهم على أكمل وجه في هذه اللعبة.. إذن فمن البديهي أن الشعوب هي التي ستدفع هذه الفاتورة جيلا بعد جيل في كل الأحوال، سواء كانوا جنودًا أو مدنيين، شاركوا فعليًا في الحرب أم لم يشاركوا، فلك أن تعلم عزيزي القارئ أن دولة عظمى مثل بريطانيا سددت آخر قسط من أقساط ديون الحرب العالمية الأولى، نعم الأولى، في عام 2015! أي بعد مرور مائة عام على نشوب هذه الحرب، وخلال هذه المائة عام تم استثمار مدخرات المواطن البسيط من خلال سندات الحروب في إشعال حروب أخرى بسندات جديدة يقبل عليها هذا المواطن الإنجليزي أو الأمريكي أو غيرهما ساعيًا نحو العائد البسيط الذي تدره هذه السندات، وهو يظن أنه يحسن صنعًا بمناصرة بلاده، لكنه لا ينتبه إلى أن مدخراته القليلة هذه قتلت آلاف، بل ملايين البشر، وقد يكون واحدًا منهم حتى قبل أن يحصل على عائد هذه السندات.

وفي تصوري أن هذا الكم الرهيب من ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية كان هدفًا رئيسًا مقصودًا لذاته فقد كانت أوروبا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تواجه أزمة موارد لا تتناسب مع حجم السكان وتعاني التكدس السكاني بدرجة واضحة حتى أن زعيم النازية أدولف هتلر يتحدث في كتابه الذي يحمل عنوان كفاحي عن هذه الأزمة، وكيف أنها تعد من أهم المشكلات التي تواجه دول أوربا بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص في هذا الوقت، فيقول:

(لقد كانت الرغبة في عقد المحالفات الحاجة الملحة إلى أصدقاء يمكن الاعتماد عليهم في حالة نشوب حرب لابد منها، فقد كان على ألمانيا أن تواجه مشكلة تكاثر عدد السكان ففي كل سنة كان يزداد عدد سكان ألمانيا 900 ألف شخص وهذا التزايد يهدد البلاد بكارثة إذا لم تفكر السلطات بتدابير سريعة تقطع الطريق على المجاعة، وكان هناك أربع حلول يمكن اعتبارها: أولًا.. تحديد النسل منعًا لازدياد عدد السكان كما هو جار في فرنسا.. إلخ).

ومن ناحية أخرى سعت الصهيونية العالمية والتي كثفت نشاطها منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى استغلال هذه الحرب وما أشيع عن قصص الهلوكست إلى إخراج اليهود من أوروبا كجماعات سكانية تصب في الكيان الصهيوني الجديد المخطط لإنشائه وكانت الحرب العالمية الأولى بداية لتوجيه يهود أوروبا نحو منطقة الشرق الأوسط استعدادا لتأسيس فرع جديد من إمبراطورية شايلوك تدار من خلاله مصالح هذه الإمبراطورية في هذه المنطقة الاستراتيجية، خاصة مع اكتشاف النفط.

الحرب الزائفة

وعلى طريقة توريط صدام حسين في غزو الكويت في تسعينات القرن العشرين.. أفسح لهتلر الطريق ليتوغل في أوروبا من شرقها إلى غربها، بدءا ببولندا ومرورًا بهولندا والدنمارك ووصولًا إلى فرنسا التي شاركت بريطانيا التوقف بجيوشها على الحدود الألمانية الفرنسية لمتابعة صولات القوات النازية وجولاتها، دون أن تقدم على ردع هتلر وقواته سوى في معركة واحدة هي ما أطلق عليها معركة فرنسا انتهت بهزيمة  فرنسا  وتقسيمها، وما بين انطلاق هتلر  وهزيمة فرنسا فترة قاربت العام ساد خلالها جمود في المعارك الحربية ولم يحدث سوى مناوشات بسيطة؛ لذلك سميت بالحرب الزائفة، وأطلق عليها الألمان الحرب المتوقفة، وسماها الفرنسيون بالحرب الضاحكة!

خلال هذه الفترة تعاظم الإنتاج العسكري الذي أنقذ الاقتصاد الأمريكي والأوروبي من حالة الركود نتيجة أزمة الكساد الكبير عام 1929. فمع قيام الحرب تحول إنتاج السيارات العادية الذي كان قد بدأ في التوقف إلى إنتاج الآلات العسكرية والطائرات والدبابات والمجنزرات، وبدأت تضخ أولًا بأول في ساحات الحرب، كان من هذه الشركات على سبيل المثال شركة فورد وشركة جنرال موتورز، بل إن هذه الشركات نفسها ساهمت في دعم الجيش النازي بالخدمات اللوجستية ودعم آلة الحرب النازية، فيذكر موقع جلوبال ريسيرش أيضًا في مقال آخر أن شركات مثل شركة جنرال موتورز وفورد وأي بي إم وكوداك وحتى كوكاكولا كلها قدمت دعمًا بالغ الأهمية لجيش هتلر، وأن هتلر لم يكن ليصل إلى بولندا بمثل هذه السرعة والفاعلية، إلا بهذا الدعم الذي قدمته الشركات الأمريكية العملاقة، بل إن إحدى هذه الشركات، وهي شركة فورد، وفي محاولة منها لإثبات أنها شركة ألمانية وطنية قدمت إلى هتلر هدية تقدر بـ35 ألف مارك بمناسبة يوم ميلاده!

ويذكر الموقع أيضًا أن هناك عددًا كبيرًا من القادة النازيين قد عملوا في مواقع أمريكية على قدر كبير من الأهمية، وذلك بعد سقوط ألمانيا وانتهاء الحرب!

وبعد انتهاء هذه الحروب، وبعد أن خلفت مساحات شاسعة من الدمار التام يأتي الدور الأهم لمؤسسات شايلوك لتبدأ استثمارات ما يسمى بإعادة الإعمار، حيث تبدأ حرب من نوع آخر بين الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التابعة بشكل ما لمؤسسات شايلوك ليكون لها حصة أو حصتين أو ثلاث في هذا ”المعترك” الاستثماري الضخم!

وللحديث بقية بإذن الله.. فإلى اللقاء

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك