حكاية قديمة عن عقرب وضفدع، وبحيرة، يريد كل منهما أن يعبرها.

اقترب العقرب من الضفدع في تودد وسأله أن يحمله على ظهره ويعبر به البحيرة؛ توجس الضفدع قلقًا، لكن العقرب طمأنه بأنه لا يحمل تجاهه أية نية سيئة، وأن مصلحتهما واحدة، فكيف له أن يؤذيه؟
اقتنع الضفدع بمنطق العقرب وحمله بالفعل على ظهره
وبدأ في السباحة باتجاه الضفة الأخرى من البحيرة، وفي منتصف المسافة غلبت العقرب غريزته؛ فلدغ الضفدع، الذي أخذه العجب وهو يصارع الموت والموج معًا، فقال للعقرب: الآن نحن نواجه نهايتنا
معًا، وأنت أيضًا ستغرق معي، فلماذا لدغتني؟ قال له العقرب متأسفا: لدغتك لأنني عقرب!

في رأيي أن الرئيس الراحل أنور السادات كان يقوم بدور الضفدع في هذه الحكاية القديمة حين أقدم على عقد اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني؛ فلم يكن يرى في موقفه خيانة، بقدر ما كان يرى في نفسه القدرة على اللعب معهم سياسيًا بنفس أدواتهم، كان براجماتيًا إلى الدرجة التي جعلته يصدق أن المصالح المشتركة من الممكن أن تغير من فطرة العقرب؛ لذا لوح لهم بورقة مياه النيل، وإمكانية توصيلها إلى الكيان الصهيوني كعربون محبة وصداقة ظنًا منه أن هذا العربون سيصرف نظرهم عن هدفهم الرئيس، وهو سيناء، بل مصر نفسها إن أمكن، فأقدم السادات على تأكيد أواصر الصداقة بينه وبين قادة الكيان الصهيوني؛ فأعقب زيارته الأولى للقدس بزيارة ثانية لهذا الكيان، كانت أشبه بزيارة عائلية إلى مدينة حيفا، قيل إنها تمت في سبتمبر (أيلول) 1979، وخلال هذه الزيارة التي سميت بالزيارة المجهولة؛ حيث تم التعتيم عليها لأسباب غير معلومة، قدم السادات هديته التي كان قد أعلن عنها من قبل من خلال رسالة نشرتها مجلة أكتوبر القاهرية الناطقة بلسان الحزب الوطني الحاكم في يناير (كانون الثاني) 1979، بعث بها السادات لمناحم بيجن رئيس وزراء الكيان الصهيوني وقتها، يقول فيها:

«إننا شرعنا في حل شامل للمشكلة الفلسطينية، وسوف نجعل مياه النيل مساهمة من الشعب المصرى باسم ملايين المسلمين كرمز خالد وباقٍ على اتفاق السلام. وسوف تصبح هذه المياه بمثابة مياه زمزم لكل المؤمنين أصحاب الرسالات السماوية في القدس، ودليلًا على أننا رعاة سلام ورخاء لكافة البشر».

وبالفعل وضع السادات حجر الأساس لمشروع ترعة السلام في نفس العام كبادرة لحسن النية وبداية لمشروعه الذي وعد به اليهود الذي سماه بزمزم الجديدة، ولكن المشروع توقف قبل اغتياله لأسباب كثرت التكهنات والأقاويل حولها، ولكن فيما يبدو أن السبب الرئيس في توقف المشروع، وربما كان أيضًا سببًا في اغتيال السادات أنه كان ينوي أن يكون مشروع زمزم الجديدة، هذا في مقابل تنمية سيناء حين تتسلمها مصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد، ويبدو أنه كان لديه نية صادقة بالفعل؛ لتنفيذ ما أعلن عنه من مشاريع لتنمية سيناء، منها زراعة 50 ألف فدان كمرحلة أولى، وتسكين نحو ثلاثة ملايين نسمة، وذلك قبل اغتياله بعدة أشهر، وهو ما لا يمكن أن تقبل به إسرائيل، وقد ظل هذا المشروع متوقفًا حتى بعد تسلم حسني مبارك الحكم، إلى أن عاد للحياة من جديد في عام 1995، وذلك بعد محاولة اغتياله هو أيضًا في إثيوبيا في نفس العام! فاستئنف العمل في مشروع ترعة السلام من جديد، إلى أن توقف مرة أخرى في عام 2010 أيضًا لأسباب غير معلومة، وهو نفس التوقيت الذي تحدث عنه حسني مبارك في تسجيل صوتي بثته اليوم السابع بعد الإطاحة به، بل بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي أيضًا، وكان مبارك يتحدث في هذا التسجيل الصوتي عن مطالبة نتنياهو له باستقطاع جزء من سيناء لصالح مبادرة حل الدولتين.. وهو ما لا أستبعده؛ لأن إسرائيل دأبت على نشر أخبار تتعلق بهذا الموضوع، كان آخرها ما نشرته جريدة هآرتس الإسرائيلية خلال الأيام الماضية عن أن مصر تنوي تأجير سيناء للفلسطينيين، وبالرغم من أن مبارك كان يعد بالفعل كنزًا إستراتيجيًا لدولة الكيان الصهيوني، إلا أنه لم يكن يملك الجرأة أو القدرة على مواجهة الرأي العام الذي، بالرغم من مرور أعوام كثيرة على اتفاقية السلام، ما زال يرى إسرائيل دولة عدوة لبلاده ولعقيدته.

وفي اعتقادي أن إسرئيل تسعى بالفعل لتوطين الفلسطينين داخل جزء صغير من سيناء، ولكن كخطوة أولى من باب ذر الرماد بالعيون، لكي يتسنى لها فيما بعد استكمال مشروع هرتزل الذي سعى له منذ بداية القرن العشرين، والذي منحته معاهدة كامب ديفيد قبلة الحياة، وكان يتلخص في ثلاث نقاط هي:

1 ــ أن يحصل اليهود على حق انتفاع بسيناء لمدة 99 عامًا.
2 ــ أن يتم إيصال مياه النيل إلى سيناء.
3 ــ أن يتم مراجعة أي شيء يخص المثلث الجنوبي مع الإدارة الصهيونية.
و قد توقفت طويلًا عند البند الثالث الذي دفعني للتساؤل لماذا المثلث الجنوبي تحديدًا؟ أو ليس حق الانتفاع الذي نص عليه البند الأول يشمل سيناء كلها؟ وبعد فترة من التفكير والبحث جاءتني الإجابة، وهي: أن المثلث الجنوبي هذا بالفعل لا يدخل ضمن المشروع، ولا حتى تشمله السيطرة المصرية، ذلك أن المثلث الجنوبي الذي يقع فيه دير سانت كاترين يعد بالفعل دولة داخل الدولة، وله من الاستقلالية والنفوذ والحماية العالمية والوصاية الدولية ما يشبه دولة الفاتيكان، إذ يعد هذا الدير منطقة نفوذ روسية أرثوذكسية.

ازدادت هذه الوصاية بعد حادث تحطم الطائرة الروسية على أرض شرم الشيخ! ولو أنه يخضع صوريا لليونان، ويسكنه رهبان يونانيون لا يتحدثون العربية، بل يرفعون علم اليونان على أبراج وأسوار الدير، وقد بلغ حجم التعديات على الأرض المحيطة بالدير ما يقرب من 800 فدان حيث يعتقد الرهبان أن مساحة الدير دائرة يبلغ نصف قطرها نحو 120 كيلو متر أي ما يقدر بثلاثة أيام سيرًا حسب ما جاء في وصف أحد لواءات الجيش الذي قام مع عدد من زملائه المحاربين القدامى برفع دعوى قضائية ضد رئيس الجمهورية وإدارة الدير وعدد من الوزارات والهيئات، أثاروا فيها هذه المشكلة، وحذروا كل من يعنيه الأمر من كارثة وتهديد صريح للأمن القومي المصري، لذلك اختفى الحديث عن هذه القضية كأغلب القضايا التي اختفى أثرها بمجرد وصولها إلى هذا الملف الذي يحمل عنوان الأمن القومي المصري.

وهناك سؤال آخر يفرض نفسه، وهو إذا كان لسيناء كل هذه الأهمية لليهود، فلماذا قبلت إسرائيل بعودة سيناء إلى مصر بعد أن ظلت في حوذتها بالكامل ما يقرب من خمسة عشر عامًا؟ وبالرغم من بساطة السؤال، إلا أن إجابته تحمل الإجابة عن كثير من الأسئلة، وتحمل قدرًا من التفاؤل وسط هذا الكم من محتويات هذا الموضوع الذي قد تكون محبطة.

فالإجابة عن هذا السؤال تختصر في كلمة واحدة وهي: الإنسان! نعم إنه الإنسان الذي سيظل الثروة الرئيسة، بالرغم من كل شيء، بالرغم من سيطرة المال وسيطرة الآلة وسيطرة السلاح، لكن الحقيقة أن العنصر البشري يظل هو العنصر الرئيس الذي يحرك ويتحكم في كل ما سبق، ذلك أن مساحة سيناء تعد ثلاثة أضعاف مساحة الكيان المغتصب، وبالرغم من غنى مصر بالثروة البشرية، وبالرغم من الكثافة العددية التي يتمتع بها الجيش المصري، إلا أن القوات المسلحة المصرية نفسها تجد صعوبة بالغة في إحكام السيطرة على حدود سيناء لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن، لذا فإن افتقار إسرائيل إلى العنصر البشري يحد من مقدرتها على إحكام السيطرة على هذه المساحة، وبالتالي كان من الصعب أن تستأثر بسيناء، خاصة مع استمرارية حركة المقاومة المعروفة دومًا عن شعب سيناء الذي لا يقبل غريب على أرضه.

بالإضافة للمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، وعلى هذا الأساس كانت معاهدة كامب ديفيد بالنسبة لليهود طوق نجاة، إذ إنها سمحت لهم بالاحتفاظ بسيناء، ولكن في يد جهة مؤتمنة، وباتفاقية تضمن لها أن تبقى سيناء منزوعة السلاح، بل إنها سمحت بدرجة تصل إلى الترحيب منذ انقلاب يوليو (تموز) 2013 بزيادة أعداد أفراد الجيش المصري، وانتشاره لأول مرة في أرض سيناء، وذلك على عكس ما نصت عليه اتفاقية كامب ديفيد وهو أمر يدعو لكثير من علامات الاستفهام، ويؤكد على أن التعاون العسكري المصري الإسرائيلي بلغ درجة كبيرة جدًا من التفاهم والتوحد نحو هدف مشترك، وهو ما لا ينفيه أي من الطرفين، والغريب أن هناك حديثًا عن تقلص أعداد قوات حفظ السلام الدولية في سيناء والاستبدال بهم أجهزة استشعار وتنصت وطائرات بدون طيار، خاصة فيما يخص القوات الأمريكية التي تشكل النسبة الأكبر من هذه القوات المستقلة عن إطار الأمم المتحدة، لذلك فحين نتحدث عن سيناء، فنحن لا نتحدث عن شأن محلي أو إقليمي، ولكن سيناء جزء من منطقة ذات بعد استراتيجي له أهمية كبرى بالنسبة لإمبراطورية شايلوك الممتدة في أرجاء الكرة الأرضية، وهو ما سيكون موضوع الحلقة القادمة بإذن الله… فإلى لقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد