إيناس عامر

126

إيناس عامر

126

الرقص مع الذئاب

«كلهم ذهبوا ليتراقصوا». هكذا قال أحد المذيعين معلقًا على تقرير يتحدث عن رقصة «العرضة» التي شارك فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الملك سلمان عاهل السعودية ومن معـه، لكن الغريب في التعليق أنه صدر عن إحدى الفضائيات التي تعد واحدة من الأدوات الإعلامية للنظام المصري الذي كان مشاركًا بقوة في هذا الجمع العالمي الذي أقيم في الرياض بحضور ملوك ورؤساء أكثر من خمسين دولة حضروا جميعًا تلبية لدعوة ترامب الذي ترأس ما يـسمى بالقمة الإسلامية الأمريكية في بلاد الحرمين الشريفين والتي كانت أول زياراته الخارجية بعد تنصيبه!

ولا أدري هل مر هذا التعليق بسلام أم لا؟ أم أنه مُرر بتصريح أمني مسبق؟ على كل حال، أيًا كان الأمر فإن تعليق المذيع لم يبعد كثيرًا عن الواقع. إذ إنه على مدى تاريخ هذه المنطقة تراقص الكثير والكثير من الساعين إليها طمعًا وتربصًا وعلى مدى سنوات طويلة أيضًا هي عمر النظام الملكي لآل سعود استخدمت رقصة العرضة استخدامًا سياسيًا لتشير بوضوح إلى تحالفاته السياسية، وبعد أن كانت تؤدى في الماضي إعلانًا للحرب أصبحت الآن تؤدى إشهارًا للحماية والتبعية، لذلك تعد الخطوات القليلة المتثاقلة التي تمايل بها ترامب هي الأغلى ثمنًا على الإطلاق إذ كلفت الخزانة السعودية ما يقرب من 400 مليار دولار، دفعها النظام السعودي عن طيب خاطر ولم لا، ألم يسعد الشعب السعودي بل العربي بهذه اللحظات التي تنازل فيها الذئب عن طبيعته قليلًا وتوقف ليشارك ضحيته الرقص؟

لم يكن ترامب – الذي كان الأكثر وضوحًا من سابقيه في البيت الأبيض فأعلن صراحة أن على دول الخليج دفع ثمن الحماية الأمريكية لوجودها – هو أول ذئب راقص يشارك آل سعود رقصهم السياسي بل سبقه جورج بوش الابن وغيره من الساعين نحو الوليمة العربية ولم يكن الانبهار العربي بالبشرة الثلجية والعيون الزرقاء فقط هو بوابة الدخول إلى قلب وعقل الرجل العربي إنما هو فرق الحضارة، بالإضافة لامتلاك مفاتيح الهيمنة العالمية. كل ذلك كان بمثابة كلمة السر التي فتحت كل الأبواب، لذلك استطاع العديد من جيوش الجواسيس أمثال توماس إدوراد لورنس الملقب بـ«لورنس العرب» وجون فيلبي الملقب بـعبد الله فيلبي وغيرهم وغيرهم من آلاف المستشرقين أن يشقوا طريقهم بل يشقوا الجسد العربي المسلم كله في يسر وسهولة، ويكفي بعض التودد المزيف حتى يعطل العربي الطيب عن قصد زر التفكير والمنطق لديه. تمامًا مثل ما حدث حينما قام أوباما أيضًا في بدايات حكمه بزيارة مصـر التي وجه منها خطابه الشهير إلى العالم الإسلامي، وكأنه وقتها كان يكتب مسودة خطاب «ترامب» الذي ألقاه في القمة سالفة الذكر. وكأنه أيضًا أي أوباما كان يعيد قراءة خطاب «نابليون بونابارت» الذي وجهه إلى المصريين حين قام بحملته على مصر في أواخر القرن الثامن عشر فإذا به يستخدم بعض العبارات العربية ويستشهد بآيات من القرآن الكريم وبالأحاديث النبوية. والغريب أنه لقي حفاوة وترحيبًا من مستقبليه في جامعة القاهرة وربما كثير من  المتابعين لزيارته من العرب والمسلمين وكأنهم يصدقون بالفعل أنه مسلم وأن قلبه ما زال ينبض بحب عقيدة والده التي تبرأ منها ليعتلي منصب رئيس أكبر دولة في العالم. أو ربما تمنحهم صورة باراك حسين أوباما فرصة للتحليق مع الخيال والأحلام في أنهم يومًا ما سيحققون ما حققه. وهذا ما أشار إليه أوباما نفسه في أكثر من فقرة في خطابه وكأنه يود أن يقول لهم جئتكم برسالة ممن يديرون شئون العالم تقول لكم: عليكم «بالرقص مع الذئاب»!

لماذا الإسلام الشرق أوسطي؟

لماذا كان الشرق الأوسط سابقًا وحاليًا ولاحقًا مقصد زعماء العالم ومحط اهتمامهم حتى وإن لم يحضروا بأنفسهم أو يرقصوا رقصة «العرضة» مع ملوك الجزيرة العربية، لماذا كل هذه الجيوش من المستشرقين والمستعربين والباحثين والجواسيس والعملاء؟

بالطبع السؤال يعد ساذجًا لأن إجابته بديهية لكل ذي عقل. لكن لا مانع من سرد الإجابة مرات ومرات خاصة مع حالة التيه التي نعيشها الآن وسأترك الإجابة لأحد زعماء اليهود الذين دعوا إلى تكوين مجلس من كل الطوائف اليهودية للعمل مع الإدارة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر لإنشاء دولة تجمع هذا الشتات اليهودي فكتب في منشور غير موقع قائلًا: «إن عددنا يبلغ ستة ملايين في أقطار العالم وفي حوزتنا ثروات طائلة. فيجب أن نتذرع بكل ما لدينا من وسائل لإنشاء وطن لنا. وهذا الوطن الذي ننوي قبوله بالاتفاق مع فرنسا يشتمل على مصر السفلى (الوجه البحري) ويمتد شرقًا (منتهيًا) بخط يبدأ من بلدة عكا إلى البحر الميت ومن جنوب هذا البحر إلى البحر الأحمر، وموقع هذا الوطن من أنفع المواقع في العالم، ويمكننا من السيطرة على ملاحة البحر الأحمر قابضين على ناصية تجارة الهند وبلاد العرب وأفريقيا الجنوبية والشمالية وأثيوبيا والحبشة، ثم إن مجاورة حلب ودمشق لنا تسهل تجارتنا، وموقع بلادنا على البحر المتوسط يمكننا من إقامة المواصلات بسهولة مع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا».

وفي كتابه مشاريع الاستيطان اليهودي الذي وردت فيه كلمات الزعيم اليهودي سالفة الذكر والذي سأورد منه بعض الفقرات في السطور التالية يقول الدكتور أمين عبد الله محمود:

«وقد كانت فرنسا أول من طرح بشكل جدي فكرة توطين اليهود في فلسطين فقد أعدت حكومة الإدارة الفرنسية عام 1798 خطة سرية لإقامة «كومنولث» يهودي في فلسطين حال نجاح الحملة الفرنسية في احتلال مصر والشرق العربي بما فيه فلسطين وذلك مقابل تقديم الممولين اليهود قروضًا مالية للحكومة الفرنسية التي كانت تمر  آنذاك في ضائقة اقتصادية خانقة، والمساهمة في تمويل الحملة الفرنسية المتجهة صوب الشرق بقيادة نابليون بونابرت، وأن يتعهد اليهود ببث الفوضى وإشعال الفتن وإحلال الأزمات في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي لتسهيل أمر احتلالها».

«في أعقاب ثورات عام 1848 وكنتيجة مباشرة للثورة الصناعية مكنت الطبقة البرجوازية من تثبيت دعائم سيطرتها السياسية والاقتصادية في غالبية دول أوروبا الغربية وبدأت موجة كبيرة من موجات التوسع الإمبريالي بغية السيطرة على اقتصاديات دول العالم وتحويل هذه الدول إلى مجرد مصادر للمواد الخام اللازمة للصناعات الغربية وأسواق استهلاكية لمنتوجات الغرب. ومن هذا المنطلق أصبحت الدول الغربية وخاصة بريطانيا وفرنسا في أمس الحاجة إلى أنظمة حكم موالية لها في الدول الواقعة تحت نفوذها ليس فقط ﻟﻤﺠرد حماية مصالح الدول الإمبريالية في بلادها وإنما أيضًا للقيام بدور الحارس الأمين لهذه المصالح إذا ما تعرضت للخطر في مناطق أخرى مجاورة. ولذا فإن وجود دولة يهودية يخدم بالتأكيد مصالح الدولة الكبرى ذات السيطرة والنفوذ على فلسطين ليس داخل حدودها فحسب وإنما في منطقة الشرق العربي كله».

أما عن بريطانيا فيقول الدكتور أمين عبد الله محمود: «غير أن فكرة توطين اليهود في فلسطين بدأت تجد اهتمامًا واسعًا لدى الدوائر البريطانية الحاكمة آنذاك».

«وقد قامت جريدة التايمز اللندنية في 10 أغسطس (آب) عام 1840 بنشر مقال تحت عنوان «إعادة توطين اليهود» جاء فيه: «إن اليهود الغربيين بحوزتهم القدرة المالية على شراء أو استئجار فلسطين من السلطان العثماني وإرسال أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود ليستقروا فيها شريطة أن تتكفل الدول الخمس الكبرى بتوفير الحماية اللازمة لهم»، وتمضي الصحيفة قائلة: «إن قيام دولة يهودية سيفصل بين تركيا ومصر وسيدعم النفوذ البريطاني في الليفانت Levant سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بمعنى آخر فإن هذه الدولة المقترحة ستكون أداة لخدمة مصالح الاستعمار البريطاني في منطقة الشرق الأدنى».

«ويعتبر شارلز هنري تشرتشل (1814 – 1847) من أشد المتحمسين لإنشاء دولة يهودية في فلسطين فقد أدرك مدى أهمية فلسطين بالنسبة للمصالح البريطانية أثناء إشراكه في الحملة الإنجليزية ضد محمد علي عام 1840. ومن هنا لجأ إلى معارضة سياسة بالمرستون الرامية إلى عدم المساس بممتلكات الدولة العثمانية وطالب بتدخل بريطانيا الفوري واحتلالها سوريا وفلسطين ووضعها تحت حمايتها. وقد كتب تشرتشل هذا في مقدمة كتابه (جبل لبنان) الذي صدر عام 1853 فقال: «إن كنا نريد الإسراع في تقدم المدنية وتوطيد سياسة إنجلترا في الشرق فمن الواجب أن تقع سوريا ومصر تحت سيطرتها ونفوذها».

ومن جملة ما ورد في مذكرة ميتفورد أن إقامة مثل هذه الدولة اليهودية يحقق فوائد كبرى لبريطانيا بجعل الممرات المائية ومواصلاتنا البخارية (المتجهة نحو الشرق) بين أيدينا كليًا… كما سيحقق لنا مكانة قوية (في الليفانت) نستطيع من خلالها العمل على وقف ودحر أية محاولة من أعدائنا للتحكم في منطقة الشرق».

«ومن بين أهم الصهاينة غير اليهود في بريطانيا الكولونيل جورج جولر George Gawler الذي عمل فترة حاكمًا لجنوب أستراليا. فقد استمر فترة طويلة يطالب بإنشاء مستوطنات يهودية في فلسطين كمرحلة تسبق مرحلة إقامة كومنولث يهودي في فلسطين تحت وصاية بريطانيا. وكان مما قاله في إحدى المناسبات: (لقد وضعت العناية الإلهية سوريا ومصر بين إنجلترا وبين أعظم مناطق إمبراطوريتها ومراكز تجارتها في الهند والصين والأرخبيل الهندي وأستراليا). وأضاف قائلًا: (وتحتاج إنجلترا إلى أقصر خطوط المواصلات وأكثرها أمنًا مع المناطق التابعة لها. إن استيلاء أية دولة على مصر وسوريا يهدد تجارة بريطانيا… وقد آن الأوان كي تقوم إنجلترا بتنمية سوريا وأحيائها بواسطة أبناء الأرض الحقيقيين أبناء إسرائيل)».

انتهى الاقتباس من كتاب الدكتور أمين عبد الله محمود، لكن حفلات الذئاب الراقصة لم تنته، ولم ولن تتوقف، خاصة في عالمنا الإسلامي والعربي تحديدًا ذلك أن هذه المنطقة لم تحظ فقط بهذه الكنوز وهذه الخصوصية الفريدة السالف ذكرها في السطور السابقة لكنها أيضًا حظيت بعقيدة ساهمت حين بزغت على هذه الأرض بشكل أساسي لا بأن تكون فقط حجر عثرة أمام هذا السعي المستعر والمستمر للسيطرة على هذه المنطقة بل إنها أيضًا ظلت دومًا قابلة بشكل كبير للتمدد والانتشار فوصلت إلى مناطق نفوذ هذه القوى العظمى آنذاك واستطاعت أن تقلص تواجدها بل وتطوي صفحتها إلى الأبد.

ولم تعاود ما تبقى من هذه الأمم سعيها من جديد إلا خلال فترات الضعف الإسلامي الذي استسلم لنوازع الدنيا التي يستطيع «شايلوك» أن ينفذ من خلالها. ذلك أن القيم الروحية تظل دائمًا هي أدوات صناعة الحضارة الحقيقية أما الحضارة بمقاييس هذا العصر الذي نعيشه فهي قيم منبعها السعي وراء السيطرة والاستحواذ واستعباد الشعوب لذلك وصف المفكر الفرنسي الراحل روجيه جارودي بداية الازدهار الاقتصادي الغربي أي بعد ما يسمى بعصر النهضة والإصلاح الديني في كتابه كيف صنعنا القرن العشرين فقال: إن ما نسميه نحن النهضة ما هو إلا رفض لكل القيم المطلقة والملحق بها، إنما هي فردية الغابة، النهضة هي مولد الذئاب!

وللحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك