تخاريف

لاحظ الشاب الذي يعمل نادلًا في مطعم أن هناك سيدة تتابعه من بعيد، ورغم محاولاته ألا يدع أوهامه تأخذه بعيدًا عن حقيقته التي يعرفها تمامًا من أنه أقرب للقبح بالدرجة التي لا تجعل أي امرأة تنظر إليه، إلا إنه فوجئ أن هذه السيدة بالفعل تتبعه أينما ذهب! ومع تتبعنا نحن أيضًا لهذا المشهد الذي يرويه «محمد صبحي» من خلال أحداث إحدى مسرحياته نفاجأ بأن تتبع المرأة لهذا الشاب البائس لم يكن إلا من أجل أن تقدم لابنها نموذجا «تحذيريا» مخيفا بأنه إن لم يشرب الحليب سيكون مصيره مثل مصير «عمو الجرسون» كما يقول محمد صبحي في مسرحيته «تخاريف»!

الحقيقة أن كثيرًا من الأنظمة الحاكمة تفعل فعل السيدة في «تخاريف» محمد صبحي ليس في مجتمعاتنا العربية أو مجتمعات العالم الثالث فقط ولكن حتى في مجتمعات الدول العظمى، فعلى الرغم من تميز رواية 1984 لكاتبها المميز أيضا جورج أورويل وعلى الرغم من صدق تصويره لمجتمعات الأنظمة الشمولية والشيوعية إلا إنني أرى أن هذه الرواية الشهيرة لم تكن إلا رواية مخباراتية موجهة لشعوب الدول الرأسمالية تحمل نفس رسالة التحذير التي وجهتها السيدة لابنها في مسرحية تخاريف ولكن التحذير هذه المرة ليس من عدم تناول الحليب يوميا ولكن من عدم تناول جرعة الرأسمالية اليومية التي تمنح المواطن الشعور بالتميز والأفضلية على شعوب العالم المتخلف الذي لا يزال يتعثر في  «مخلفات» المبادئ والعقائد التي لم تعد صالحة في «شرعهم» لمتغيرات العصر!

هل كانت الحياة قبل الثورة أفضل مما هي عليه الآن؟

وقد يتهمني البعض بأنني مستسلمة تمامًا لنظرية المؤامرة، إلا أنني لا أستطيع أن أتجاهل هذا القدر الكبير من الإنهاك النفسي الذي تسرب إليّ من بين أحداث الرواية التي برع كاتبها في إصابة قارئها بكل ما أحاطه بأبطالها من بشاعة وخوف وإحباط، في حين أن هذه المشاعر قد تختلف إذا كان القارئ من رعايا هذه الدول الرأسمالية، هذا القارئ هو المستهدف والذي كتب أورويل من أجله هذه الرواية لذلك فهو يوجهه بذكاء شديد وخبث أشد حين يدعه يجيب – أي القارئ الغربي -على تساؤل يبحث عن إجابته وينستون سميث بطل الرواية الذي كان يعمل في «وزارة الحقيقة» المسؤولة عن إعادة كتابة التاريخ أي طمسه وتزييف الوعي به، فيقول أورويل: (كان وينستون على امتداد ما يقارب من عشرين سنة يفكر في هذا السؤال السهل الممتنع محاولا الإجابة عنه «هل كانت الحياة قبل الثورة أفضل مما هي علي الآن؟» لكن سؤاله ظل بلا جواب حتى الآن).

في تخيلي أن القارئ الإنجليزي أو الأمريكي بعد أن يحمد الله على أن كل ما قرأه ما هو إلا مجرد خيال جعله أورويل يعيش فيه ليرى مستقبله التعس لو اجتاحت الشيوعية بلاده كان سيجيب على سؤال وينستون سميث الذي ظل بلا جواب ليقول له: نعم بكل تأكيد، إن الرأسمالية بريئة تماما من كل ما وصفته بها أجهزة نظام «الأخ الكبير»! الذي يرمز له أورويل بالسلطة الشيوعية أحيانا وبالسلطة الدينية أحيان أخرى.

وزارة «الحقيقة» الأمريكية

ورغم شغفي الذي امتد لسنوات وتطلعي لقراءة هذه الرواية الشهيرة جدا إلا أن هذا الشغف تحول عند الانخراط في قرآتها إلى محاولات عديدة لإزاحة نموذج «تخاريف» محمد صبحي السابق ذكره من مخيلتي، أو النموذج المصري الحديث الذي تصدره أجهزة المخبارات «الإعلامية» التي تحذرنا دوما من مصير «سوريا والعراق» رغم قناعتي التامة بأن ما صوره أورويل هو الحقيقة بعينها لكني أعلم أيضا أن أجهزة الإعلام التي تعمل لصالح الأنظمة الرأسمالية لا تقل زيفا أو تضليلا عن الأنظمة الشمولية، وهذا ما أكدته الصحفية البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها الحرب الباردة الثقافية «من يدفع للزمار» الذي استمدته من وثائق المخبارات الأمريكية، والذي أوضحت فيه أن جهاز المخبارات المعروف بال C.I.A كان قد أنشئ خصيصًا ليتولى الجانب الثقافي في الحرب الباردة، وقالت إن أول أعمال هذا الجهاز كان تكوين واجهة ثقافية لتحصين العالم ضد وباء الشيوعية من خلال كثير من الأدباء والمفكرين البارزين، ليس في أمريكا وحدها وإنما في العالم بشكل عام وفي أوربا بشكل خاص كان منهم على سبيل المثال لا للحصر: برتراند راسل، وجان بول سارتر وعشيقته سيمون دي بوفوار، وشارلي شابلن، و«إيرك آرثر بلير» الشهير بـ«جورج أورويل»!، لكن المدهش في ما ذكرته الصحفية ف. س. سوندرز في كتابها أن المخبارات البريطانية هي التي صنعت نجومية وزعامة «ستالين» وأظهرته بصورة تقربه للشعب البريطاني أثناء الحرب العالمية باعتباره حليفًا ثم حين انقلبت عليه تحول جهدها إلى كيفية محو ما صنعته من دعاية له في ذاكرة الشعب البريطاني!

الشيوعية والرأسمالية وجهان لعملة واحدة

وفي رأيي الشخصي أنه على طريقة المبدأ الاقتصادي البسيط الذي يقول لا تضع البيض كله في سلة واحدة، فإن الأنظمة الشمولية بل والشيوعية نفسها التي كانت لندن محطة انطلاقها قد صُنعت لتشارك الرأسمالية الهدف نفسه وتدفع بعضها بعضًا كجياد سبق يُراهن عليها، ربما تختلف في أشكالها ومنهجها لكنها تصب في نهاية الأمر في مصلحة «شايلوك» ومن ناحية أخرى فإنها تضع الشعوب في بوتقة تصهر فيها هوياتهم وثقافاتهم وعقائدهم المتجذرة فيهم لتعيد تشكيلها في بعث «شايلوكي» جديد، وفي هذا السياق يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه واقعنا المعاصر: (هناك كتاب كان مقررًا على طلبة البكالوريوس في كلية التجارة بجامعة القاهرة فترة من الوقت يحمل عنوان «مراحل التنمية الاقتصادية في البلاد المتخلفة» من تأليف «والت روستو» وهو أحد أخوين يهوديين يعملان في البيت الأبيض الأمريكي يقول فيه ما خلاصته: إن المنطقة – يقصد ما يسمى بالشرق الأوسط – معرضة للشيوعية بسبب فساد الحكم فيها، والفوارق الضخمة بين الطبقات، وانخفاض مستوى الدخل ولابد لعلاج هذا الأمر من رفع مستوى المعيشة وتقريب فوراق الطبقات وإزالة الفساد الضارب أطنابه في الحكم ولا يمكن رفع الدخل إلا عن طريق التصنيع الثقيل ولكن التصنيع الثقيل في البلاد المتخلفة لايمكن أن يقوم به رأس المال الفردي؛ لذلك ينبغي أن تقوم به الدولة وذلك بإنشاء قطاع عام يظل يتسع تدريجيا حتى يحتوى القطاع الخاص في داخله، ولا بد في ذات الوقت من إنشاء زعامات محلية قوية تلتف حولها الجماهير، لكي لا تتجه ببصرها إلى روسيا وبعد أن يرتفع الدخل القومي وتقرب فوراق الطبقات يمكن الرجوع إلى نشاط رأس المال الفردي الحر مرة أخرى بينما تكون شعوب المنطقة قد كرهت الشيوعية تحت وطأة الاشتراكية «المخففة»!).

هذا الاقتصادي اليهودي يحاول أن يوجه بصرنا نحو الشيوعية باعتبارها «البعبع» الرئيسي، لكن الحقيقة أن «الدين» يظل هو الحاجز الأصعب الذي يواجه جياد «شايلوك» دومًا، وهناك نموذج صارخ يوضح الفرق بين أن تكون مواطن من رعايا إمبراطورية «شايلوك» وبين أن تكون غير ذلك حتى لو كنت «كاثوليكيا» مثل شعب أيرلندا الذي رفض الذوبان في الحياة الإنجليزية تحت هيمنة الكنيسة الأنجليكانية، ومن ثم عانى كثيرًا من الاضطهاد وصل إلى حد موت ما يقرب من مليون مواطن أيرلندي جوعا وذلك فيما يعرف بمجاعة البطاطس والتي حدثت في نهايات القرن التاسع عشر، هذه المجاعة التي تعاونت فيها آفة زراعية مع التواطؤ البريطاني الذي رفض مد أي يد للمساعدة، بل رفض مساعدة الآخرين للشعب الأيرلندي مثلما حدث حينما أراد السلطان العثماني عبد المجيد الأول أن يدفع معونة تبلغ قيمتها نحو عشرة آلاف جنيه إسترليني فرفضت ملكة بريطانيا بحجة أنها لم تدفع إلا ألف جنيه فقط، ويجب ألا تزيد معونات الخارج عن معونات الملكة!

 وقد نالت أيرلندا الاستقلال عن التاج البريطاني في عام 1921، لكن كان عليها أن تدفع الثمن فواجهت العديد من الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي دفعت عددًا كبيرًا جدًا من مواطنيها إلى الهجرة، وأخيرًا وبعد كل هذه السنوات العجاف منحت أيرلندا عفوا «شايلوكيا» وقدر من «بركته» وذلك حينما خضعت لقوانينه بالتعامل بنظام الاقتصاد «الحر» وفتح آفاق رحبة للشركات العملاقة للاستثمار في أيرلندا، لم يحدث ذلك مع أيرلندا فقط وإنما حدث مع ألمانيا حين انقسمت إلى شطرين وكذلك كوريا واليابان وبالطبع دول أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقًا، بل إنه حدث مع مصر نفسها قبل قيام دولة «صهيون» وقبل الإطاحة بالحكم الملكي في مصر، تلك الحقبة التي نراها الآن بعين واقعنا التعس من ناحية وبقدر من «نوستالجيا» الصور الراقية التي احتفظت بها ذاكرة الصحافة وأفلام الأبيض والأسود، حقا إنها رائعة ونستطيع أن نرى فيها بسهولة نمط حياة يحمل قدرًا كبيرًا من الرقي والفخامة، لكننا للحقيقة نتجاهل حقيقة مؤلمة، فيبدو أن هذه الصور الجميلة التي تأتينا من الماضي لم تكن إلا الصورة التي يريدنا الغرب ومؤسسات شايلوك أن نتحسر عليها.

 ذلك أن هذا النمط كان هو النمط الأوربي الغربي الذي بهر به الخديوي إسماعيل ومن أجله خضع تماما لجوقة من المرابين اليهود استطاعت أن تورث مصر وشعبها قدرًا كبير من الديون كانت «الخميرة» الأولى لما سنرثه نحن فيما بعد، وهو ما فتح الباب على مصراعيه للتواجد اليهودي في كافة مناحي الحياة أهمها بالطبع الجانب الاقتصادي إذ كان لليهود حضورا اقتصاديا بالغ القوة حيث بلغت سيطرتهم على البورصة بنسبة 98% وسيطروا على ثلاثمائة شركة من مجموع 318 شركة!

 وفي اعتقادي أن انحسار الاقتصاد في مصر ما بعد الاطاحة بالملكية وطرد اليهود أو هروبهم بأموالهم واستثماراتهم، ثم فتح باب المد الشيوعي وتفعيل القوانيين الاشتراكية لم يكن ذلك كله إلا نوعًا من استخدام وسائل ضغط يفتقر فيها الانسان إلى كل أشكال الحرية والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعل منه مادة لدنة قابلة للتشكيل وتفقده القدرة على الاختيار أو حتى مواجهة ما يرفضه فكريا وعقائديا، حتى إذا ما فتحت أبواب الاقتصاد الحر وممرات قطارات الخصخصة، فلن يكون لديه رفاهية الاختيار لأنه سيوضع بين أمرين كلاهما مر، ولكن قد تبدو الحياة بين أحضان الرأسمالية أقل مرارة من مخالب الأنظمة الشمولية، وعليه فستقبل الشعوب بكل ألوان الانفتاح حتى على تغيير الهوية والعقيدة التي تجعله يقبل – بفتح الياء وضمها معا – بوجود هذا الكيان الصهيوني الذي تم استزراعه داخل الجسد العربي المسلم ويراها أمرا بديهيا علينا العيش والتكيف معه، ومن ناحية أخرى فوجود مثل هذا الكيان «المتحضر» والديمقراطي وسط هذا الجمع العربي المسلم «المتخلف» غير الديمقراطي سيجعل من هذه البلدان نموذجا سيئا للحضارة الإسلامية تستطيع أنظمة شايلوك استخدامها كنموذج «تخاريف» لتخويف شعوبها من الإسلام والمسلمين!

وللحديث بقية إن شاء الله

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد