قبل نشوب الحرب الأهلية في الصومال في بداية تسعينات القرن الماضي، كانت الصومال تحت الحكم العسكري الذي وصل إلى السلطة عن طريق الانقلاب غير الدموي الأبيض في عام 1969. لم يكن هناك أي ردة فعل شعبي آنذاك تجاه الانقلاب، فقامت الثورة العسكرية تحت قيادة محمد سياد بري، الذي يصفه قليل من الشعب الصومالي اليوم بأنه قائد عظيم وصعب إيجاد مثله على الساحة السياسية الصومالية من جديد، رغم أن هناك قسمًا آخر من الشعب يصفه بالمستبد والطاغي، وبه دخلت الصومال في هذه المرحلة الفوضوية! فهل يا ترى دخلت الصومال الحروب الأهلية بسببه؟

لم تكن الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بداية سبعينات القرن الماضي أثناء بداية حكم سياد بري على ما يرام، بل كان تسود البلد حالة من الفقر والجهل الكبيرين في المجتمع الصومالي؛ إذ ساد البلاد بقوته الجبارة، ونظم البنية التحتية، ووضع بعض قوانين الدولة، كما أنه خلق فرص العمل، والتعليم المجاني لجميع الشعب، حتى أصبح الشعب سعيدًا.

كانت الصومال دولة عظيمة ومستقلة لسياستها الداخلية والخارجية أثناء حكم سياد بري، وكما كانت أيضًا كابوسًا لأعدائها الأزليين، فأصبحت الصومال من أقوى دول أفريقيا عسكريًّا آنذاك. لقد طور سياد بري أسس الدولة وبناء البلد حتى أصبحت مكانًا تجلب عيون السياح الأجانب في شواطئ الصومال الجميلة، والتي كان هدفها أن يلعب دورًا مهمًا في اقتصاد الدولة، ولجذب الشركات الأجنبية باستثمارها في الصومال. إضافة إلى اللغة الصومالية التي نكتبها اليوم، قد كتبت أثناء حكم ذاك القائد العظيم الذي خلعوه عن السلطة، وأجبروه على الرحيل عن موطنه، حتى مات في بلد لا يعرف أمزجته، وفي منفى السياسي عام 1995. وفي بداية التسعينات القرن الماضي أطاحت به الحركات القبلية، والذين أصلًا هم من أدخلوا الصومال في هذه المرحلة. عاشت الصومال خلال 22 سنة حياة رغيدة وترف وبلغت ذروة سنامها، بينما تمر اليوم الصومال بأصعب مراحل الحياة. وصدق الحق حين قال «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ». نعم عاش الشعب الصومالي مرحلة من أعلى مراحل الحياة، ولكن جحد وأنكر، إلى أن بدل الله عكس ما عاشوه في تلك الأيام الجميلة.

بعد رحيل الاستبدادي والطاغي السفاح – حسب رأي بعض السياسيين- وما إلى ذلك، كان من المفترض لزعماء حركات التمرد أن يبنوا دولة ديمقراطية، يعود حكمها إلى الشعب؛ لأن الطاغي حسب رأيهم رحل ولم يعد هناك أي عائق أمامهم. ومن هنا لا بد لي أن أشير إلى أن التجربة الديمقراطية تعطلت في كثير من الدول العربية والأفريقية؛ لأن العرب لا يملكون تراثًا ديمقراطيًّا قدر تملكهم تراثًا في الحكم التسلطي. وبعد إطاحة الحكومة العسكرية أخذ الشعب السلاح وتغيرت الأحوال إلى حرب بين القبائل الصومالية، ومن خلاله جرى القتل، وسفك دماء الأبرياء، ونهب أموال الأقليات في العاصمة والمدن الأخرى.

منذ أن سقطت الحكومة العسكرية كانت هناك كل خمسة أو أربعة أعوام محاولات إقليمية تحت رعاية المجتمع الدولي لإعادة الأمن والاستقرار في الصومال، ولبناء دولة صومالية، بغض النظر عن شكل الحكومة، إلا أنها لم تنجح ولا محاولة واحدة منها لتحقيق الأمن في البلد. من جهة أخرى سقوط الحكومة العسكرية أدت إلى تفكيك البلد إلى دويلات صغيرة في وقت يتكتل فيه العالم شرقًا وغربًا، والصومال، وهي حد ذاتها دولة صغيرة اقتصاديًّا وعسكريًّا، وليس لها تأثير يذكر، إن كان إقليميًّا أو عالميًّا، لو تفككت إلى دويلات طبعًا تكون لقمة سهلة لأعدائها مع الأسف الشديد، أنها نحو ذلك الطريق. أما عن تدخل الدول الجوار في السياسة الصومالية، ودورهم في ترشيح الرؤساء الذين يصلون الى كرسي الحكم حتى لا يتدخل في شئونهم، ويكون أمام مصلحتهم، ولكي لا يحدث هذا يؤيدون من سيكون خليفته لهم في أرض الصومال. بهذه الطريقة أصبحت الصومال بلدًا يحكمها الأجانب؛ لأن ليس لديها سياسة مستقلة تدير في شئونها دون أي تدخل خارجي. أن تكون الصومال في هذه الحالة كانت أمنية لكل مواطن إثيوبي، ولكن لا لوم عليهم؛ فالذي وضع الصومال في هذه الحالة المخجلة ليس إثيوبيا، وليس أي فاعل خارجي آخر، إنما هو ابن البلد الذي ولد فيه وترعرع وتعلم وأكل موزه، وبعدها سلم الأمر إلى العدو. بعدها يأتي أناس ويقولون لك لو لم يكن سياد بري لكنا أفضل بلد في العالم! فالسؤال هنا: هل سياد بري موجود حتى اليوم؟ هل سياد بري فضل بعضكم على بعض إذ حرمتم مواطنين مثلكم أن يمثلوا وطنهم؟

عار عليكم أن تتكلموا بعد كل هذه الأضرار التي لحقت بالبلد. منذ تسعينات القرن الماضي لم يذق معظم أفراد الشعب الصومالي الحياة السليمة، إذ ساد البلد خلل في الأمن والاستقرار، مع كثرة قتل الأبرياء، واستباحة دماء الناس، مع النهب والسلب، وضعف التعليم الأساسي وهدم المباني العامة، وظهور ميليشيات مسلحة باسم الدين، واختلاس خيرات البلاد كليًّا، وظهور جواسيس وعملاء في الساحة السياسية الصومالية. كل هذا لم يكن ليقع ما لم تتمردوا عليه.

تدفع الصومال ثمن قرارات لم تكن طويل الأمد، قبل أن يسقطوه، كان من الواجب أن يفكروا ماذا سوف يمكن أن يحدث في البلد بعده! لأن الصومال بلد يعيش فيه قبائل كثيرة؛ فحالها أصعب من حال بلد ليس فيه قبائل كثيرة. أو أن الصومال تملك تراثًا في الحكم التسلطي، كيف يمكن أن يدير البلد بالديمقراطية بعد هذا النظام؟ أظن كل هذه الأسئلة لم تكن مهيئة من قبل حركات التمرد القبلية قبل الإجراءات ضد النظام؛ لذلك حصل ما حصل حتى راح القطار.

انطلاقًا من هذا الإطار أن الشعب الصومالي شعب تسلطي بالفطرة في حياتهم اليومية؛ لأن الديمقراطية تحتاج إلى شعب يستطيع أن يستوعب الديمقراطية، وهذا لم يحدث في الصومال.

رغم كل هذا الفشل عن تحقيق الأمن والاستقرار في داخل الصومال فإنه ما يزال هناك طريق! إن الديمقراطية فشلت في الصومال مع النظر إلى الحالة المعقدة عن قبائل الصومال وتقسيمهم بالحكم مع أن العقلية التسلطية سادت البلد أكثر من عقدين من الزمن ربما هو البديل الأفضل للبلد. إن حكم التسلطي مع أدنى حد ممكن للحفاظ على كرامة الإنسان أفضل بكثير من الفوضوية.

يدرك الشعب الصومالي جيدًا مدى أهمية وجود حكومة تدير شئونها الداخلية الخارجية ومستقلة عن قوة أخرى. وأن الحكومة السيئة أفضل من عدمها. لا شك أن كل قائد وصل إلى سدة الحكم بهذه الطريقة أو بطريقة أخرى، يقع في بعض الأخطاء، وهذه من طبيعة الإنسان إن كان مستبدًا أو ديمقراطيًّا، ولا يقتصر هذا على شخصية سياد بري فقط، وإنما لب الموضوع يتعلق بإسقاطه وبدون وضع أي خطط طويلة الأمد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد