أجرام الكارتيلات وكاريزمية اسكوبار الكولومبية وتقمص الشخصيات الاستحواذية ودموية المآلات!

(1) سيكاريو: داي أوف ذا سولداتو (2018)

Sicario: Day of the Soldado (2018)

R | 2h 2min | ActionCrimeDrama | 29 June 2018 (USA)

تصاعدت حرب المخدرات على الحدود الأمريكية – المكسيكية، ويطرأ هنا في هذا الجزء الجديد سيكاريو (2018) موضوع جديد ساخن يتعلق بتهريب الإرهابيين المفترض عبر الحدود المكسيكية لداخل أمريكا وولاية تكساس تحديدًا؛ لخوض حرب جديدة وابتزاز فريد، حيث عاد العميل الاتحادي، مات ريفر، للانتقام بصحبة المحامي الجامح الحاقد، (فيلم أكشن وعصابات جديد لافت)، من إخراج ستيفانو سوليما، وكتابة تايلور شريدان، وتمثيل كل من المبدع المتقمص المكسيكي بينيكيو ديل تورو، وجوش برولين المخضرم، والممثلة الشابة الرائعة إيسابيلا مونير، في فيلم لاهث متميز.

لن أسترسل كعادتي في الحديث عن تفاصيل فيلم الأكشن اللافت هذا، وإنما سأضع جملة ملاحظاتي الإيجابية والسلبية؛ حيث يتميز الشريط بنمط التصوير الصاعق المذهل الحابس للأنفاس، حيث تدخل لخضم الأحداث مباشرة، ونستغرب من طرق القتل بالجملة بلا رحمة.

إلا أن إقحام  قصة الإرهابيين الإسلاميين (السلفيين) كانت مصطنعة تمامًا وغير مقنعة إطلاقًا،  وربما قصد منها دغدغة الشعبوية المناوئة للإسلام والنازحين المهاجرين، وطبعًا الضحك على المشاهدين السذج وتعبئة الرأي العام، وقد ظهر ذلك جليًا في قصة تعاون أمير حرب صومالي كزعيم قراصنة، والذي احتجزه المحقق القاسي برولين في بداية الشريط؛ ليعترف بالتفاصيل، حيث يهدده بطائرة درون تحوم فوق منزله الكبير في ضواحي مقديشو ربما، ويتوقع الصومالي أن يتم تعذيبه بواسطة الإيهام بالغرق، ثم نراه يخيفه بطريقة فريدة لإعلان أسماء قراصنة آخرين، ويرفض صاحبنا الاعتراف، ولكن المحقق الذي لا يرحم يأمر مع ذلك طائرة الدرون بتفجير منزله وقتل عائلته وأقاربه وجيرانه هكذا مجانًا وبلا فائدة عملية من استجوابه بهذه الطريقة الجديدة المرعبة، وكأن المخابرات الأمريكية تتبجح وتوصل رسالة للإرهابيين الافتراضيين المحتملين وداعميهم، كما أنوه بسذاجة عرض الإسلاميين وتحضيراتهم في الصحراء بين الحدود؛ حيث نرى ثلاثة سجاجيد صلاة متروكة فوق الرمل الساخن، والمقصود طبعًا هو تأجيج الحقد ضد الإسلام وتعزيز الإسلاموفوبيا!

ثم يظهر ذلك جليًا في طريقة استعراض الإرهابيين قبل إقدامهم على تفجير المولات بتكساس، فنراهم يستخدمون قنابل يدوية بدلًا عن الأحزمة الناسفة التقليدية، ثم إن أشكالهم العصرية وملابسهم ووجوههم الحليقة لا توحي أبدًا بكونهم انتحاريين سلفيين، ثم ثالثًا بطريقة قراءتهم لأدعية دينية قبل إقدامهم على التفجير، ثم رابعًا نرى في مشهد استعراضي متسوقة بائسة ترجو وتستجدي من أحدهم السماح لها ولابنتها الصغيرة بالخروج من باب المول التجاري، وقد أصبحت بجواره تقريبًا؛ ليحدث بعد ثواني الانفجار الصاعق دون اعتبار لحالتها الإنسانية!

الفيلم يتحدث عن تحضيرات العميل المخضرم القاسي جورج برولين مع المحامي السابق المتقاعد الحاقد بينيشيو ديل تورو (الذي فقد عائلته في مواجهة قديمة مع الكارتيل)، وبإيعاز حكومي من وكيل وزارة العدل مات غرايفز، حيث لا حدود لما يمكن أن يقدم عليه هؤلاء الثلاثة، لمواجهة حرب أمريكا الافتراضية  المسعورة على المخدرات والإرهاب.

هذا الشريط عنصري بامتياز، حيث تنضم للمجموعة الشابة المراهقة إيزابيلا مونر بدور ابنة زعيم الكارتيل المكسيكي (الذي لا نراه)،  ثم لتسلط الأضواء على الكم الكبير للأضرار الجانبية المحتملة، من هذه المواجهة المسعورة، التي تهدف لإبقاء الأمريكيين البيض” في مأمن من غزو وقذارات الملونين المخيفين، حيث يستعرض إجرامهم الجامح ولا مبالاتهم وافتقادهم للحس الإنساني والتعاطف وعنفهم الضاري الذي يبرر في المقابل عنفًا وحشيًا مضادًا وموازيًا لتبقى الحبكة مقنعة وشيقة واستهلاكية؛ ليذكرنا هذا الفيلم الجديد في السلسلة بالروح الشعبوية الترامبية الكارهة للمكسيكيين والصوماليين والعرب والإرهابيين الإسلاميين، ولتنزلق بتنميط ممل لأفلام رامبو وجاك رايان وغيرها.

أما الشيء الوحيد الذي أعجبني حقًا بهذا الشريط الدعائي التجاري الاستهلاكي فهو طريقة اغتيال ديل تورو بعد القبض عليه من قبل أفراد عصابة الكارتيل؛ حيث يقوم مراهق متحمس متعاون بإطلاق الرصاص على رأسه مباشرة، بحيث اعتقدنا بداية أنه تم القضاء عليه نهائيًا؛ ليتبين لاحقًا أنه نجا بأعجوبة، وبأن الرصاصة القاتلة قد اقتحمت فكه وخرجت من منطقة فارغة دون أن تحدث ضررًا بالدماغ، ولكن بالرغم من حالته الصعبة ونزيفه الحاد فقد تمكن بمعجزة من النجاة والاستشفاء لاحقًا؛ ليقوم في نهاية الشريط بمقابلة الفتى نفسه وتجنيده كقاتل متسلسل كفء لمصلحته. ديل تورو هذا يعد بحق معجزة تمثيلية فريدة بطريقة أدائه الانفعالي والهادىء في آن واحد، وربما يمثل مدرسة بنمط تقمصه للشخصية.

(2) الوقوع في حب بابلو اسكوبار (2017)

Loving Pablo (2017)

فيلم عميق بانورامي عن حياة بارون المخدرات الكولومبي الشهير وانشغالاته الإجرامية العابرة للحدود في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، من إخراج فيرناندو ليون دي أرانو، ومنذ البداية يدخلنا لأجواء الصورة النمطية لهذا المافيوزي الخطير: حيث اسكوبار (بتقمص مدهش اسنثنائي للدور الصعب من قبل خافير بارديم) عاري الصدر مندلق البطن، وهو يصدر الأوامر الصارمة في أدغال أمريكا الجنوبية، وبيده الأخرى بندقية نصف آلية، يواجه الريح ساخرًا كأنه تائه. المشهد بحق فريد وغريب ومثير للشفقة، وصعب أن ينساه المرء، وقد مهد بهذا الاستهلال لمجموعة أخرى متتابعة من المشاهد السيريالية طوال العرض.

هذا الفيلم الشيق يقدم لنا كل شيء تقريبًا عن بابلو اسكوبار، بارون الكوكايين الشهير الكاريزمي، ويستند لمذكرات حقيقية، وقد تم التصوير بمعظمه في مواقع تصوير واقعية، حيث البدايات الشعبية المتواضعة، مرورًا بممارسات شخصية بالغة القسوة، ولا تعرف الرحمة في أدغال وحواضر كولومبيا؛ ليصل أخيرًا لمنصب سيناتور منتخب شعبيًا في البرلمان الكولومبي، ثم ليسقط بسرعة لبراثن السلطة والسلوكيات الإجرامية الجامحة.

يحاول فيلم أرانو وضع وتجديد حكاية متنوعة من خلال منظور بيوغرافي شيق اعتمادًا على سرد عشيقة اسكوبار السابقة فيرجينيا فاليجو (بينلوبي كروز بدور متميز)، ولكن لا شيء يخفي هنا تصدر اسكوبار ونجومية بارديم المتماهية مع الشخصية لدرجة الاستحواذ، وحتى مع تحوله لشريك لها تتصدر قصصه الإعلام اليومي المطبوع والمرئي.

وفي تماثل غير مقصود يقتبس الفيلم من أجواء العراب الجامحة، كما يقتبس سلوكيات لورين براسكو في فيلم غودفيلاس الشهير، كما يظهر التواطؤ وانعدام الثقة بصورة مضخمة، لتأخذ وسائل الإعلام دورًا محوريًا بطبيعة تدخل الصحفية الاعلامية اللامعة فرجينيا، والتي تسعى (بقصد او ربما بلا قصد) لتفكيك وفضح امبرطورية بابلو الشعبوية؛ لينتهي دورها لتصبح تائهة وملاحقة ومهددة ومرعوبة، وخاصة بعد أن بادر العميل الفيدرالي بيتر سارسجارد ملاحقتها والاستفادة من شهادتها (تحت الحماية) للإيقاع ببالو.

مشهد واحد في بداية الشريط يبدو مصيريًا وبدلالة كبيرة، يقع بين النجمين العاشقين في الحفل الفاخر في مجمع بابلو الشهير، حيث يكشف هذا المشهد الكثير من الخفايا في علاقاتهما المتواترة منذ البدء، عندما يتماثل لحد بعيد مع مشهد ليوناردو دي كابريو، وهو يتعرف في حفل صاخب أيضًا على مارغوت روبي في فيلم سكورسيزي الشهير ذئب وول ستريت.

حيث تبدو منذ البدء علاقتها مع بابلو لا تقاوم؛ لأنه يسهل عليها كل الأمور، ولكنه بالمقابل يعرض حياتها للتهديد والخطر والتحدي، فيجبرها في حالة لافتة على شراء قلادة ألماسية لزوجته التي يحبها بإخلاص وشغف، ويشير ذلك ضمنًا بأنه لن يتركها أبدًا من أجل علاقة عمل عاطفية عابرة، وبالرغم من أنه يخيفها بنفوذه وسطوته، فإنها ترتبط به وكأنها مرغمة، وخاصة بعد تهديد جماعته لزوجها في عيادته (كجراح التجميل) على التوقيع عنوة على مستندات الطلاق، التي كان يماطل بشأن التوقيع عليها، وبالرغم من فرحها بذلك، إلا أن ذلك أخافها وأعطاها مؤشرات غير سارة لطبيعة مسار علاقاتهما القادمة!

ثم يتدهور الوضع بسرعة متدحرجة نحو النهاية التراجيدية الاجرامية المحتومة، ونرى كيف تتهاوى الامبراطورية بسرعة وتتباين الأدوار والمصائر:

فتتحول منطقة ميديلين في كولومبيا إلى منطقة حرب، وتدور فوضى مرعبة، ويحصل أطفال ومراهقو الشوارع على مكافأة نقدية مقابل كل شارة شرطي مقتول يحصلون عليها من قبل الكارتيل، وفي الوقت نفسه يقوم اسكوبار بضخ قدر كبير من أموال الدماء هذه للاقتصاد المحلي الشعبي، وهكذا يحصل الفقراء والمسحوقين في بلده على نموذج غير مسبوق للدعم، ثم تنقلب الآية لاحقًا فتتم ملاحقة كافة أعوان اسكوبار والتنكيل بهم في كل مكان.

وبينما تبقى فيرجينا وحيدة ومنبوذة تعاني من الضجر والإهمال والرغبة بالعودة لوطنها، يبقى اسكوبار يعيش حياته العادية بلا مبالاة مع زوجته وأولاده في منأى عن أنظار عملاء الحكومة والعملاء الفيدراليين.

نجح الفيلم بإعادة خلق أجواء بيوغرافية – تاريخية لمنتصف الثمانينات، وتم بقصد تضخيم الأدوار والشخصيات،  فظهر شعر بارديم أسود ومجعدًا وكثيفًا، في تناقض مع تسريحة شعر كروز المكوية، ثم ظهر بنطال اسكوبار وبطنه و(كرشه) المندلق المعبر في الأجواء الحارة السائدة، عكس أناقة كروز اللافتة.

مرورًا للمشاهد الإجرامية البالغة القسوة، مثل تقطيع أجساد عملاء سابقين مراوغين بمنشار كهربائي، مع لامبالاة وبرودة انفعال اسكوبار، وبالرغم من كون النص مكتوبًا ومنطوقًا بالإنجليزية، فإن معظم المشاعر والتعبيرات تتأجج بشغف، وكأنها تنطق بالإسبانية الدارجة.

وبالرغم من المراجعات النقدية المتواضعة نسبيًا، إلا أن فيلم أرانو ينجح تمامًا بتحويل أداء الشخصيتين الرئيستين في الرواية الكارثية لإيقاع موسيقي تراجيدي يصعد ويهبط بطريقة إيقاعية غير مألوفة في مثل هذا النمط من أفلام العصابات، بارديم تحول هنا إلى اسكوبار ذاته، وصدق أنه ملك الكوكايين الجامح في بلد فقير بائس،  وانغمس بدور جريء وجديد وانسيابي، وساعدته كروز فأطلقا معًا كيمياء سينمائية قل نظيرها وبتشويق لافت، مع مساعدة مخرج متمكن (أرانو) وبهدوء وبلا صخب دعائي صارخ.

(3) وأخيرًا استنساخ الحالة الاسكوبارية في دول عالم ثالثية

وظهر ذلك جليًا في بعض الدول العربية، من حالات المتاجرة بالمخدرات في السهول الزراعية،  لحالات صناعة وزراعة الدخان بدون موافقات ورسوم جمركية والتزام بالمواصفات العالمية لاستنزاف الخزينة الاقتصادية، وباستغلال شبكات الفساد المتغولة العنكبوتية، وأساليب المافيا التنفيذية العالمية، تجاوبًا مع جاذبية الحالة الكولومبية، ونكهة السيجار الكوبية، ودقي يا موسيقى (بلدي)، وبدون كشف تفاصيل دهليزية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد