على غرار ما يحدث في التصوير السينمائي، حينما يرغب المُخرج في إعادة تمثيل أو أداء مشهد معين، فيتقدم أحد مساعديه، صائحا بالعبارة الشهيرة «كلاكيت ثاني مرة» وربما يُعاد المشهد مرات عديدة حتى يتأكد من حرفية الأداء ويرضى عن مستوى المهنية في المشهد.

«رجل أوروبا المريض» لقب أطلق على الدولة العثمانية في أواخر أيامها، نتيجة حالة الاضمحلال والتدهور التي تصيب الأمم عمومًا، والحروب التي خاضتها دفاعًا عن أقاليمها مع كثير من البلدان الأوروبية، وبسبب فساد تأصل في بلاط الحكم العثماني.

وترجع التسمية «رجل أوروبا المريض» إلى قيصر روسيا نيكولاي الأول سنة 1853م بسبب ضعفها, ودعا بريطانيا أن تشترك معه في اقتسام أملاك الدولة، ثم شاع هذا الاسم بعد ذلك, و استعملته الدول الأوربية الأخرى .

شكّلت الدولة العثمانية قديمًا، نتوءا في جسد القارة الأوروبية العجوز، وتهديدًا ثقافيًّا مغايرًا للنسق السائد بالقارة, وقد استغلت الفرصة التاريخية لضعف ووهن الإمبراطورية العثمانية، فأنشبت أظافرها فعلا وعملت على تفتيتها .

سنوات قليلة وسقطت فعلا الإمبراطورية العثمانية، ونشأت على أنقاضها دولة جديدة، تغرّبت بصورة كلية وقطعت صلتها بالماضي، وسعت للاندماج في أوروبا باعتبارها دولة تتأرجح ما بين الشرق والغرب، ما بين آسيا وأوروبا.

وقد بدأ تاريخ تركيا المعاصرة بتأسيس الجمهورية في 29 أكتوبر 1923، على يد مصطفى كمال أتاتورك بوصفه أول رئيس للجمهورية التركية. في هذه المرحلة.

و منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي باسم «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» أو «السوق الأوروبية المشتركة» في عام 1957 بموجب اتفاقية روما سعت تركيا لدخوله، وقدمت طلب انضمام كامل عام 1959، ولكن انضمام تركيا بشكل كامل لم يتم. وفي عام 1963 وُقعت اتفاقية شراكة بين أنقرة والسوق الأوروبية المشتركة كأساس للتفاوض بينهما لإتمام العضوية الكاملة لتركيا. وبعد مساحة واسعة من التفاوض ومد وجزر في المفاوضات قامت تركيا بتقديم طلب انضمام بعضوية كاملة في عام 1984 ولكن لم ترد المنظومة الأوروبية بشكل إيجابي على تركيا وأرجأت الطلب إلى التفاوض الكامل من أجل إيصال تركيا إلى وضع يؤهلها إلى أن تكون مرشحة للانضمام بعضوية كاملة.

وفي عام 1999 قُبلت تركيا باعتبارها مرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي، ولكن لم تبدأ المفاوضات بهذا الشأن، وفي عام 2005 بعد نشاط جاد من قبل حكومة حزب العدالة والتنمية في هذا المجال، قبل أعضاء الاتحاد الأوروبي بدء المفاوضات مع تركيا على أنها مرشحة للانضمام بشكل كامل للاتحاد، ولكن إلى اليوم لم تستطع تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي بصفة «عضو دائم وكامل».

منذ عام 1959 إلى يومنا هذا، حوالي أكثر من 60 عامًا، وتركيا تحاول الانضمام للاتحاد الأوروبي بشكل كامل، وعلى الرغم من إبدائها نجاحًا ملموسًا في جميع المجالات التي طلبها ويطلبها منها الاتحاد الأوروبي، إلا أن الأخير يبدو غير جاد في قبول دولة إسلامية تحتوي على 80 مليون مواطن مسلم على حد تعبير عبد الله غُل الرئيس التركي الأسبق.

والحجج والمبررات الظاهرة كثيرة أبرزها ملف حقوق الانسان، إلاّ أن الكامن تحت السطح، يشير لصعوبة تقبل أوروبا لوجود تركيا ضمن دول الاتحاد الأوروبي، بصورة قطعية، دون نبذها بصورة نهائية، فتركيا لها دور لا يستهان به ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فنتيجة سعيها ( أي تركيا ) للانضمام للاتحاد الأوروبي، فقد ارتضت أن تلعب دور الشرطي في المنطقة ولا مانع لديها أن تداهن الجميع، فهي تطالعنا بوجه إسلامي ورع، ومع الغرب، هي نسخة غربية باهتة .

ولعل أوروبا ومن ورائها الاتحاد بكامله قد فطن ومنذ قديم لهذه المعضلة فوظّفها لخدمة مصالحه في منطقة الشرق الأوسط، أي الاستعانة بقدراتها على المناورة وباعتبارها قوة اقتصادية ملحوظة، دون أن يكون لها حق الاندماج في النسيج الأوروبي، فكان أن وضعها في زاوية تميزت فيها تركيا قديما باعتبارها رجلًا مريضًا، ليس بقادر على الحركة وفي نفس الوقت لم يصل لحد الوفاة .

«رجل أوروبا المريض» بصيغته التركية المعاصرة، هي تلك الدولة التي تقدم التنازلات للغرب سواء الاتحاد الأوروبي أو كسب رضاء الأمريكان، فتصبح مأوى لكافة الحركات الانفصالية خاصة من أقطاب الإسلام السياسي، وتقدم الدعم اللوجيستي والعسكري وغيره، والعسكري الضابط لتنفيذ مخططات الربيع العربي، لكنها في نفس الوقت لا تملك التقدم قيد أنملة عن موقعها الحالي.

فأصبح الحلم بالانضمام للاتحاد الأوربي، نوعًا جديدًا من المواد المسببة للإدمان، أدمنته الدولة التركية المعاصرة، لا تملك منه فكاكًا، وإن حاولت، لوّحت لها أوروبا وأمريكا بحلم الانضمام.

«تركيا، رجل أوروبا المعاصر المريض» دولة تمقت جيرانها، وتراهم وفق نظرة استعمارية قديمة، وترى لها حقوقًا تاريخية في كافة دول الجوار، لذا فلا تثريب عليها من وجهة نظر قياداتها أن تتدخل ما شاء لها التدخل للمساهمة في تفتيت رقعة الشرق الأوسط الحالية، وليس ثمة مانع أبدا من المشاركة في كافة الأنشطة الغربية المشبوهة في المنطقة، طالما تصب في مسار تحقيق حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي، فالميكافيلية منهج ودستور.

وهكذا، شهد أواخر القرن التاسع عشر، ظهور مصطلح «رجل أوروبا المريض» كناية عن الدولة العثمانية المترهلة، وشاءت تصرفات الحكومات التركية المعاصرة أن تُعيد صك المصطلح حديثا وأن يصبح علمًا على تركيا، لتصبح الدولة التركية المعاصرة هي «رجل أوروبا المريض في الماضي والحاضر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد