المقاربة الإبستمولوجية «التاريخية» للمفهومين «المنهج التجريبي- الظاهرة الإنسانية»

إن الحديث عن المنهج التجريبي والظاهرة الإنسانية يستدعي الرجوع إلى التاريخ في علاقته بأم العلوم (الفلسفة)، وبالضبط إلى فترة القرن التاسع عشر، لفهم التحولات التي طرأت على العلوم الطبيعية والإنسانية آنذاك. فميلاد هذه الأخيرة اقترن خلال هذه الفترة بالمشروع الوضعي الرامي إلى التخلص من الخطاب التأملي الميتافيزيقي حول الإنسان، والداعي إلى دراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية عن طريق تطبيق النماذج التجريبية التي نجحت في علوم الطبيعة على الإنسان وعلى مجمل أفعاله وحوادثه. وفي هذا السياق اعتبرت الظواهر الإنسانية بوصفها «أشياء» أو «وقائع خارجية» مستقلة عن ذات الباحث وإرادته وميوله. وتطلعت الاتجاهات الوضعية إلى تفسيرها تفسيرًا سببيًا، والتزام الحياد والموضوعية في دراستها. غير أن محاولات موضعة الظاهرة الإنسانية قد اصطدمت بجملة من الصعوبات وطرحت مجموعة من الإشكالات: فالظواهر والأفعال الإنسانية هي ظواهر واعية إرادية لا تتكرر ولا تخضع للاطراد، فكيف يمكن موضعتها أو تفسيرها سببيًا؟ ألا ينبغي الاكتفاء، في مقابل التفسير الوضعي السببي، بفهم الفعل الإنساني وتأويله، بالنظر إليه كواقعة دالة وليس كمعطى فيزيائي وبإعادة إنشاء عناصره الدالة في نماذج وعبر أنماط مثالية، وليس من خلال أنساق مادية؟

يتساءل جان لاديير عن النموذج العلمي المناسب لمعالجة الظواهر والحوادث الإنسانية: هل هو المنهج الديكارتي الذي يدعو إليه إيميل دوركهايم، وهو منهج يقارب الظاهرة المبحوثة «كشيء» ويضع ذات الباحث بين قوسين أم المنهج التفهمي الذي يمثله ماكس فيبر ويعنى بالنوايا والدلالات والمقاصد؟ لكنه يخلص إلى أهمية تدشين صورة مغايرة العلمية في العلوم الإنسانية.

إن حقل الظواهر الإنسانية حسب لاديير يمنحنا صورة للعلمية مغايرة للعلمية في مجال الظواهر الفيزيائية، إلا أن هذا لا يعني انتظار ظهور نمط لعلوم الإنسان مغاير كلية للشكل المميز للعلوم الطبيعية [1]. فالعلوم الإنسانية في سعيها الدؤوب للتحرر من الإرث الفلسفي التأملي، ظلت عاجزة مع ذلك عن استيفاء شرط الموضوعية، لأن الباحث في تصديه للظاهرة الإنسانية لا يستطيع أن يضع ذاته بين قوسين، ويجد عسرًا في التخلص من أحكامه القبلية ومواقفه المضمرة ونوازعه اللاواعية [2] وبالرغم من نشأتها في القرن التاسع عشر في سياق إبستمولوجي مخصوص يطبعه الطموح في تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان، فإنها لم تستطع مع ذلك أن تفي بشرط الموضوعية لأسباب مبدئية تتصل بطبيعة الظواهر الإنسانية المبحوثة ذاتها.

إن المعرفة التي يكونها الإنسان عن نفسه تبقى دائمًا، وبعيدًا عن أن تكون حايدة، مشبعة بالذاتية. والنظرة إلى الذات، التي تشكل علم النفس هي ظاهرة نفسانية، وكذلك علم الاجتماع هو ظاهرة سوسيولوجية خاصة بالعالم الحديث. وربما يكون بالتالي من المستحيل مبدئيًا أن تتمكن العلوم الإنسانية بلوغ موضوعية مطلقة، أو على الأقل التخلي عن جزء من أهدافها والاكتفاء بدراسة المظاهر الأولية من الحقيقة أو الواقعة الإنسانية [3].

صعوبة تطبيق المنهج التجريبي على الظواهر الإنسانية

يقوم المنهج التجريبي على خطوات أساسية، فقد انطلق كلود برنار وهو أحد منظري المنهج التجريبي من الملاحظة التي استفزت العقل وقادته إلى صياغة فرضية وبعدها يقوم العالم بتصميم التجربة العلمية لاختبار صدق الفرضية، كما
تحدث اختلالات داخل النسق المدروس للتأكد من ثبات واستقرار النتيجة، ليخلص في الأخير إلى اكتشاف قانون علمي، وهو علاقة ثابتة في الظاهرة المدروسة وهو أرقى خطوات المنهج التجريبي كأساس التحكم في الظاهرة المدروسة [4]. فالحديث عن المنهج التجريبي يشبه، حسب روني توم، الحديث عن الأسطورة، إذ لا وجود، في رأيه، لمنهج تجريبي قائم الذات، إنما هناك فعالية تجريبية ووقائع تجريبية. تتحدد الفعالية التجريبية كمسعى منظم له خطوات وشروط مخصوصة، غير أن تلك الفعالية لا ترقى في مرماها إلى مفهوم المنهج العلمي الصارم بمعناه الديكارتي [5].

إن النظريات العلمية في ميدان العلوم الإنسانية تتشكل في صورة أبنية عقلية، يتراوح نشاط العقل فيها بين نموذجين معرفيين: التفسير باعتباره كشفًا موضوعيًا للعلاقات السببية القائمة بين الحوادث الإنسانية والفهم بوصفه نشاطًا عقليًا تأويليًا يستخلص الدلالات والقيم. فموقف العقل في الظواهر الإنسانية يتراوح بين قطبين معرفيين اثنين يمكن أن نشير إليهما بلفظتي الفهم والتفسير. فالتفسير هو كشف العلاقات الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث والوقائع، واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنشأ عنها. إنه منهج العالم الفيزيائي الذي يختزل مجموعة معقدة من الظواهر إلى منظومة بسيطة من العلاقات تتشكل ترسيمة أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة لأن كل تفسير سوى ذلك سيتجاوز نطاق العلم ليلتحق بوجه من الوجوه بالأسطورة والسحر. بيد أن الأمر على خلاف ذلك في حالة الأفعال والحوادث الإنسانية. فها هنا لا نفسر الأفعال بأن نسعى إلى فهمها بمعنى أن نرمي إلى أن ننقل بصورة حدسية إحساسًا أو تقديرًا أو انفعالاً ما [6].

أما مسألة تطبيق المنهج التجريبي على الظاهرة الإنسانية فقد أسيل الكثير من مداد أقلام الفلاسفة والمفكرين وانحصر بين موقفين رئيسيين:
الموقف الرافض لتشبيه الظاهرة الطبيعية بالظاهرة الإنسانية، ومن ثم استحالة تطبيق المنهج التجريبي، والموقف الثاني المؤيد للمماثلة والمشابهة بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية. في هذا الصدد يقول لوسيان غولدمان إنه لا يكفي في العلوم الإنسانية أن نطبق المنهج الديكارتي، كما يظن دوركهايم، أو أن نضع الحقائق المكتسبة موضع شك، أو ننفتح انفتاحًا كليًا على الوقائع كما هي؛ لأن الباحث يتصدى في الغالب للوقائع مزودًا بمفاهيم قبلية ومقولات مضمرة ولا واعية تسد عليه طريق الفهم الموضوعي بشكل قبلي [7].

أطاريح الاتجاهات الفلسفية والعلمية من جدوى المنهج التجريبي

إن الإشكالية المنهج التجريبي والحوادث الإنسانية نقشت من جانب التوجه التأويلي الفهمي الذي مثله ماكس فيبر على أساس مسلمة واضحة المعالم، تركزت على ثلة من النقاط، أبرزها: استحالة التخلص من الأحكام الجاهزة في مقاربة الفعل الإنساني وتمايز وعدم تشابه علوم الإنسان وعلوم الطبيعة، مما يعني ضرورة بحث عن منهج ملائم يراعي خصوصية الظاهرة الإنسانية التي تتميز بالتعقيد مع عدم إمكانية فصل الذات عن الموضوع .

أما الاتجاه المخالف لهذا الطرح فيمثله المدرسة الوضعية أو الاتجاه الوضعي التفسيري «أوكست كونت- دوركهايم»، فكونت يعتبر أن الاستكشاف العلمي في الظاهرة الإنسانية شأنها في ذلك شأن البيولوجيا، يستخدم ثلاثة أنماط أساسية وهي الملاحظة الخالصة، والتجريب الدقيق وأخيرًا المنهج المقارن [8].

واعتبار الموضوع يوجد بشكل مستقل عن الذات التي تدرسه مع الإيمان المطلق بفصل الذات العارفة عن الموضوع المدروس واعتبار الظواهر الاجتماعية أشياء مثلها مثل الظواهر البيولوجية.

وفي الواقع إن أوجست كونت نقل المنهجية التجريبية من ساحة العلوم الفيزيائية لكي يطبقها على المجتمع نفسه ومختلف الظواهر الإنسانية. إذ يقول مارسيل موس «1872-1950 «Marcel Mauss: » السوسيولوجيا هي كلمة وضعها أوجست كونت ليشير بها إلى العلم الذي يعنى بدراسة المجتمعات… وكل ما تصادر عليه السوسيولوجيا هو ببساطة، اعتبار أن ما يسمى بالوقائع الاجتماعية هي وقائع موجودة في الطبيعة؛ أي إنها خاضعة لمبدأ النظام والحتمية الكونيين، وأنها، بالتالي، وقائع تنطوي على معقولية» فالوضعية تقوم على تأكيدها وحدة المنهج في التفكير بغض النظر عن الموضوع المدروس، وهي تريد بذلك سد الطريق أمام ذلك الانفصام الذي كان يعاني منه جيل ما قبل الوضعية حينما كان يستخدم المنهج الوضعي في معالجة العلوم الطبيعية، والمنهج اللاهوتي في العلوم الإنسانية، وفي هذا يقول سان سيمون «1760-1825» «Saint-Simon: إن القدرة العلمية الوضعية هي نفس ما يجب أن يحل محل السلطة الروحية، ففي العصر الذي كانت فيه كل معارفنا الشخصية حدسية وميتافيزيقية بصفة أساسية كان من الطبيعي أن تكون إدارة المجتمع فيما يخص شؤونه الروحية في يد السلطة اللاهوتية، ما دام اللاهوتيون آنذاك هم الميتافيزيقيين الموسوعيين الوحيدين. وبالمقابل عندما تصبح كل أجزاء معارفنا قائمة على أساس الملاحظة، فإن إدارة الشؤون الروحية يجب أن تستند إلى القدرة العلمية باعتبارها طبعًا متفوقة على اللاهوتية والميتافيزيقية.» فقد خضع مفكرو هذا العصر وفلاسفته لسيطرة نموذج فيزياء نيوتن القائم على التجربة، وتم تعميم أسس المنهج الوضعي ليشمل العلوم الإنسانية [9].

إن القاعدة التي ننطلق منها لا تفترض أي تصور ميتافزيقي ولا تتضمن أي نظر تأملي في كنه الموجودات.

إن ما تتطلبه هو أن يضع عالم الاجتماع نفسه في وضع فكري شبيه بالوضع الذي يكون عليه الفزيائيون والكيميائيون
والفزيولوجيون حينما ينخرطون في استكشاف منطقة مجهولة عن ميدانهم العلمي. فعلى عالم الاجتماع، بدوره وهو يحاول النفاذ إلى المجتمع أن يعي بأنه ينفذ إلى عالم مجهول. وعليه أن يشعر بأنه أيضًا إزاء وقائع غير منتظرة مثلما كائن عليه وقائع الحياة قبل أن تتشكل البيولوجيا كعلم [10].

وعليه فقد بات تشبث العلوم الإنسانية بنموذج المنهج التقليدي للعلوم الطبيعية أشبه بموقف هزلي عبثي. موقف من يتشبث بنموذج لم يصنعه بعد أن تخلى عنه صانعه أو صاحبه الأصلي باعتباره غير ملائم أو ينطوي على عيوب فنية تجعله غير صالح للاستخدام في مجال العلوم الإنسانية.

فقد اعتبر النموذج الطبيعي سلطة مرجعية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلا أن هذه العلوم قد استبعدت تمامًا القيم الرُّوحية والدينية أي عدم وجود السياج الأخلاقي. وهو ما أدى إلى حدوث آثار هدّامة. فالظواهر الإنسانية والاجتماعية ليست في واقعها وحقيقتها مظاهر حسية، فهناك جوانب غير مادية في الإنسان بما في ذلك تفكيره وسلوكه وغاياته التي لا يمكن التعرُّف عليها إلا عن طريق الملاحظة الداخلية، أي بفهم المعاني التي تعبِّر عنها هذه التصرفات وهي معانٍ نابعة من شعور الإنسان وإحساسه الداخلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] – Jean Ladririére, La dynamique de la recherche en sciences sociales ,PUF,1994,pp.5-11.
[2] -Lucein Goldmann, Seinces humaines et philosophie,éd.Gonthiere, méditation, 1966,pp.23-24. .(ترجمة فريق التأليف الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة سلك الباكالوريا -المغرب-).
[3]– رينيه بوفريس، علوم الإنسان والفلسفة، ترجمة محمد علي مقلد، العرب والفكر العالمي، العدد السادس، بيروت، ربيع 1989،ص ص.36-46
[4] -Claude Bernard, Introduction à L etude de la Methode expréimentale, Garnier-Flammarion,1996,pp.216-217 (ترجمة فريف التأليف الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة سلك الباكالوريا)
[5]– René Thom , Aplogie du logos, Hachaette, 1990, pp.607-609.(ترجمة فريق التأليف الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة سلك الباكالوريا).
[6] – Gilles Gaston Graner, La raison, PUF,1993,pp.81-83.
[7] –Lucein Goldmann, Seinces humaines et philosophie,éd.Gonthiere, méditation, 1966,pp.23-24. .(ترجمة فريق التأليف الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة سلك الباكالوريا).
[8]– Agust Comte, philosophie, t.IV,Lecon ,48,A.colin.
[9] – محمد محمد أمزيان: (منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية)، بيت الحكمة للترجمة والنشر، وجدة، ط3، 1996م. ص: 22-255.
[10] -E. Durkheim, les régles de la méthode sociologique,éd.Flammarion.1988,p.79. 
عرض التعليقات
تحميل المزيد