غالبًا ما يرمز للعدالة تمثال امرأة معصوبة العينين، تحمل في يدها ميزانًا. والميزان في التمثال، هو الرمز للأداة التي يتحقق بها العدل في كل زمان، وفي كل مكان. ولابد للعدل من معيار تقاس به الحقوق، وإلا كان الهوى والغرض هو المعيار. والله سبحانه وتعالى هو الذي يقول: «ونضعُ الموازينَ القِسْطَ ليوم القيامة» (الأنبياء 47) وهو الذي يقول: «ولو اتَّبعَ الحقُّ أهواءَهم لفسدت السمواتُ والأرضُ ومَنْ فيهنّ» (المؤمنون 71) ولابد من معيار للعدل تقاس به الحقوق. وهذا المعيار قد يكون أداة مادية: كالميزان في الموزونات، والمكيال في المكيلات، والمقياس في المقيسات، وما إلى ذلك. وقد يكون هذا المعيار شريعة من الشرائع، أو قانونًا من القوانين، أو لائحة من اللوائح ونظامًا من النظم، وعرفًا من الأعراف، وما إلى ذلك.

والعدل إنما يتحقق على أساس من هذا الرمز وهو الميزان، عندما تكون الكفتان اللتان توزن فيهما الحقوق متعادلتين، وعندما تكون الساق التي تحمل الكفتين مستقيمة وغير ممالة إلى أعلى أو إلى أسفل. من حيث إنه في مثل هذه الحالة تكون الحقوق متماثلة أو متساوية. أما عندما ترفع إحدى الكفتين وتضع الأخرى فإن الذي سوف يتحقق لن يكون العدل، وإنما هو الظلم والبغي والعدوان. هذا ما يرمز إليه الميزان.

أما ما ترمز إليه المرأة في التمثال، فهو الحَكَم العدل الذي يجلس مجلس القضاء للفصل في الخصومات والمنازعات. يجلس ليحكم بالعدل على أساس من الحق. وجعلت المرأة في التمثال معصوبة العينين لتكون العصابة رمزًا للكيفية التي لن يتحقق العدل إلا على أساس منها. إن العصابة على العينين إنما تشير إلى أن المرأة لن ترى أحدًا من المتنازعين في الحق. وهذا إنما يرمز إلى حقيقة أن القاضي يجب ألا يتأثر بالناس، وبأوضاعهم الاجتماعية، عند جلوسه مجلس القضاء. إن العصابة إنما تحمي المرأة من التعرف على أقدار الناس، وعلى أوضاعهم الاجتماعية، من حيث إن هذا التعرف هو الذي سوف يجعل الميزان يضطرب في يدها. واضطراب الميزان واهتزازه كفيلان بأن يباعدا بين العدل وتحقيقه. وكفيلان أيضًا بأن يكون الذي قد يتحقق هو الظلم والبغي والعدوان. يجب أن يحمي القاضي نفسه من كل ما يؤثر في ميزان العدالة حتى لا يضرب في يده الميزان. حيث إن الميزان لوزن ومعايرة الأمور بالعقل ولتطبيق مبدأ «العين بالعين والسن بالسن».

والمرأة هي أساس الحياة وهي بطبيعتها عطوفة ورحيمة وهذه الصفات مطلوبة في العدالة ولكنها ليست كافية. فكان يجب أن يتم الحفاظ على هذه الصفات مع تقييد بعض الحواس التي قد تؤثر على تطبيق العدالة، أقصد هنا حاسة البصر وليس البصيرة. فكون التمثال لامرأة عمياء هذا يعني أنه يجب أن تكون العدالة رحيمة وعطوفة وعقلانية وبصيرة ولا يمكن التأثير عليها مهما كانت الضغوطات الخارجية. والسيف هو القوة المطلوبة لتطبيق العدالة مهما كانت الظروف وبغض النظر عن المتنازعين.

ولكن إذا أردنا أن نختبر هذه المبادئ على أرض الواقع، فهل فعلًا العدالة عمياء؟ هل فعلًا العدالة عمياء عندما يشارك العالم بأسره في مسيرات تندد بأحداث صحيفة «شارلي إبدو» في باريس في الوقت الذي لم نرَ فيه أي شجب أو استنكار لما حصل ويحصل في سوريا وفلسطين والعراق وبورما وغيرها وغيرها؟ هل فعلًا العدالة عمياء عندما يُلاحَق ويُطارَد المسلمون في كل مكان في العالم في الوقت الذي يتحرك فيه غير المسلمين في البلاد العربية والمسلمة بكل أريحية؟ هل فعلًا العدالة عمياء عندما تصبح المحاكم مسرحيات سخيفة يعرف المتفرجون نهايتها بدون حضورها؟ هل فعلًا العدالة عمياء عندما يخاطر الشباب العربي بأرواحهم بحثًا عن لقمة العيش في الدول الأجنبية في الوقت الذي لا توفر لهم دولهم أدنى متطلبات العيش؟ هل فعلًا العدالة عمياء عندما تقهر المرأة في مجتمعاتنا الشرقية في الوقت الذي تتمتع فيه المرأة في المجتمعات الأخرى بكامل حقوقها؟

قد يعتقد البعض أن العدالة ليست سوى حلقة من سلسلة طويلة من المفاهيم والأخلاقيات. ولكنها في الحقيقة تعتبر الحلقة الأهم في هذه السلسة. لأن أي خلل في تطبيقها سيؤثر على الحلقات الأخرى. فلا تطلب من الابن البر بوالديه في الوقت الذي يرى فيه تفريق والديه بينه وبين إخوته في المعاملة. ولا تطلب من المعلم أن يؤدي رسالته التعليمية على أتم وجه في الوقت الذي لا تعطيه الدولة إلا فتات الفتات. ولا تطلب من الطبيب أن يكون مهنيًا ودقيقًا في عمله في الوقت الذي يرى فيه غيره من الأطباء المهملين يخطئون ولا يحاسبون. ولا تطلب من الطالب المبتعث للدراسة في الخارج العودة إلى بلده لتستفيد بلده من خبراته في الوقت الذي يرى فيه الآلاف من أبناء بلده معطلين عن العمل. والأمثلة كثيرة ولا يمكن حصرها ولكم القياس.

إن تحقيق العدل في كافة نواحي الحياة مطلوب بل هو إلزامي. ويجب أن ينفذ مهما كانت العلاقة بين المتنازعين. أي أنه لا يجوز استخدام مبدأ «الكيل بمكيالين» عند وزن الأمور لتحقيق العدالة. وإن كنا نريد أن نقيس تطور الشعوب وتقدمها، فلنتابع مدى تطبيق مبدأ العدالة في مجتمعاتهم، وهل هي مطبقة بشكل صحيح أم أنها لا تتعدى كونها مصطلحًا رنانًا يستخدم في الخطب للعب بالمشاعر والعواطف.

وأخيرًا، إن الله ينصر الدولة العادلة بغض النظر عن انتمائها الديني لأن العدل هو أساس الملك والظلم هو أساس الهلاك. وتطبيق العدالة هو أحد الأهداف الأساسية التي تدعو إليها جميع الأديان السماوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد