الإنسان حيوان جنسي

سيجموند فرويد عالم نفسي وطبيب أعصاب نمساوي ولد في 1856 وتوفي 1939 (منتحرًا هربًا من الألم)، أولًا يجب أن تقبلوا اعتذاري المسبق فقد يكون في المقال بعض الكلام والألفاظ البذيئة فرضها علينا فرويد، ثانيًا: فهناك ملاحظة أريد أن أشير لها الآن حتى نتفق من الأول أن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها.

نحن في العالم العربي الإسلامي لنا حساسية كبيرة من ثلاثة علماء أثّروا في تاريخ الفكر الإنساني الحديث بشهادة العالم أجمع، الأول هو تشارلز داروين والثاني هو كارل ماركس والثالث هو السيد فرويد، وكانت حجة العقل العربي الإسلامي دائمًا كون هؤلاء الثلاثة ملاحدة أو أنهم تكلموا في أشياء تخالف المقدسات والمسلمات الدينية للديانات التوحيدية الثلاث.

مع أن تشارلز دارون عالم متخصص ولديه روح علمية كبيرة والعلماء والمؤرخون يؤكدون هذا دائمًا كما ناقش فكرة شديدة الخطورة في التاريخ الإنساني وإن كان هناك علماء كثيرون أشاروا لما وصل له داروين من نتائج إلا أن داروين استخدم المنهج العلمي الدقيق في دراسته وحوّل تأملات وأفكار العلماء والفلاسفة من قبله إلى دراسة علمية لا زال صداها يملأ أصداء العالم إلى الآن طبعًا بعد تعديلات وتطويرات كثيرة، لكن الفكرة الأساسية التي أتى بها داروين ما زال العلم يميل إلى تأكيدها يومًا بعد يوم (سنتكلم عن تشارلز دارون ونظرية التطور في موضوع مستقل لاحقا).

كما أن كارل ماركس لا أحد ينكر عظمة هذا الشخص وصدقه وجديته ووقوفه مع الطبقات الهشة في العالم كما أنّ لا أحد ينكر إضافاته العلمية في علم الاجتماع والاقتصاد والفلسفة: فكرة فائض القيمة، وفكرة الاغتراب، والصراع الطبقي.

وسيجموند فرويد لا يقل عبقرية ولا تأثيرا في الفكر العالمي عن ماركس وداروين، يعني أن العالم بعد داروين ليس كالعالم قبله، والعالم بعد ماركس ليس كما قبله، كما أن العالم بعد فرويد ليس كما قبله قطعًا، وسنحاول شرح ذلك عن طريق طرح وتبسيط ما جاء به فرويد من أفكار جديدة وكيف أثرت على التّاريخ، مع مناقشة بعض المغالطات والتحويرات الفرويدية والتي طرحها العلماء الغربيون المتخصّصون في الطب النفسي حول فكر وشخصية سيجموند فرويد.

أبرز الأفكار التي جاء بها فرويد

أفكار كثيرة ونظريات عديدة التي قدمها فرويد للساحة العلمية والفكرية كالتحليل النفسي الذي يعد نظرية في الطب النفسي ابتكرها فرويد، فكرة اللاوعي، الكبت، التّداعي الحر، وسائل الدفاع النفسي، عقدة أوديب، عقدة إلكترا، الأحلام، الدين والتوحيد وعلاقته بالتحليل النفسي.

نظرية التحليل النفسي: تعتبر نظرية التحليل النفسي أبدع وأعظم ما جاء به فرويد على الإطلاق، وهذه النظرية تقوم على أن لدى النفس البشرية ثلاث مراتب للوعي أو ثلاث طبقات:

  • الـ«هو»: ويتمثل في ذلك الجانب الغرائزي لدى الإنسان من رغبات في الجنس أو الأكل أو التملك أو العنف والقوة كلها موجودة لدى الإنسان كما الحيوان.
  • الأنا الأعلى: ويتمثل في جانب القيم والأخلاق والقواعد الاجتماعية المفروضة علينا والآتية من خارج النفس ولكن لها سلطة كبيرة على النفس وصعب التمرد عليها (حلال، حرام، يجوز، لا يجوز، لائق، غير لائق، حضاري، همجي… وغيرها)
  • الأنا: وهذا هو نحن أي الجانب الواعي منا، فنرى أن الإنسان يحاول التوفيق بين الأنا الأعلى وبين الهو.

وحسب فرويد فإن الإنسان يبقى سويًا طبيعيًا ما دام قادرًا على التوفيق بين الهو والأنا الأعلى، أما إن وقع خلل ما فإن الإنسان سيصبح مريضًا يعاني مشاكل نفسية عديدة مثل العصاب والهستيريا.

والمرض النفسي يحدث حسب فرويد بأن يحصل للشخص موقف ما أو شعور ما أو حادث يجعله لا يستطيع في تلك اللحظة التوفيق بين الهو والأنا الأعلى بداخله (وهذه الأمور تحدث دون وعي منا وإنما بأعماق نفوسنا) وعندها يضطر الوعي إلى الكبت أي دفع ذلك الشعور أو الحالة إلى أعماق نفوسنا فيما يسميه فرويد باللاوعي، يعني أن الإنسان قد يتجاوز تلك الحالة مؤقتًا ويعطيها حقها من الاهتمام والتحليل فتختزن في اللاوعي.

ولكن المشكلة حسب التحليل النفسي أن تلك المكبوتات قد تستدعى في أي لحظة دون وعي وإدراك منا مسببة لنا مشاكل كثيرة كالصرع الهستيري أو العمى الهستيري أو البكم الهستيري أو شكلا آخر من مرض العصاب، وعند ذهابنا للطبيب للعلاج سيقول لنا الطبيب أن جسمكم سليم معافى لا مشكلة فيه وحينها سنحتار ولا نجد حلا لمشكلتنا تلك.

أما عند سيجموند فرويد فالحل بسيط جدًا وذلك بأن يجلس المريض أمام الطبيب النفسي ويحكي ويتكلم عما يخطر بباله ويتذكره من مواقف قديمة مرت عليه ويتكرر الأمر أمام الطبيب لجلسات قد تطول أو تقصر (وهذا يسمى في الطب النفسي بالتداعي الحر بأن نترك أفكار المريض وخياله يتداعى أمامنا بالكلام والطبيب يسمع ويسجل فقط) ثم وظيفة المحلل النفسي أن يجد تلك الأحداث أو المواقف التي حدثت للشخص في تاريخه أو في طفولته البعيدة وتم كبتها ليسترجعها الطبيب للمريض ويحاول حلها له بأن يجعله يحدث توفيقًا بين الهو لديه وبين الأنا الأعلى الذي عنده وعندها سيزول المرض بكل سهولة.

مثلا: يذهب شخص مصاب بالصرع الهستيري وهي حالة يصرع فيها المريض فجأة بلا سبب لمدة ثم يعود، نأخذه للطبيب فيفحص أعصابه ورأسه وكل جسمه فلا يجد أي مشكلة، وهنا يعرض نفسه على طبيب نفسي فيقيم معه جلسات ليكتشف تلك الحالة أو الموقف الذي كُبت لدى المريض من زمن ويحاول استدعاءه وإزالته.

هذه هي نظرية التحليل النفسي ببساطة وطبعا لقيت انتقادات كثيرة لكن فرويد ظل يدافع عنها حتى الموت، فهناك من اعتبر أنها ليست فعّالة في كل الأمراض النفسية وأنّ نسبة من يشفون بالتحليل النفسي ليست كبيرة كما في الشفاء من الأمراض العضوية، وهناك من الفلاسفة من له مشكلة مع العلوم الإنسانية عمومًا مثل كارل بوبر الفيلسوف الكبير الذي قال إن نظرية فرويد هي علم زائف أي لا يمكن تكذيبها وفقًا لنظرية بوبر في الفرق بين العلم الحقيقي والعلم الزائف وهذا موضوع آخر.

كما وضع فرويد نظرية عن آليات الدفاع النفسي التي يعبرها العلماء إلى الآن ابتكارًا عظيمًا، وهي تتكلم عن تلك الآليات التي يستخدمها وعينا في الدفاع عن نفسه كأن يحدث أمام الإنسان موقف جلل ولنقل مثلا امرأة تجد زوجها يخونها مع أختها (استعملت هذا المثال لأن فرويد لا يستعمل غير الجنس في تحليله وعلاجه وتفسيراته الغريبة أحيانًا) حين ترى تلك الزوجة هذا الموقف العظيم أمامها ويكون قويًا عليها جدا فتضطر نفسها إلى نفي ذلك الموقف تمامًا بإنكار حدوثه أصلا أو بنسيانه نسيانًا مطلقًا، وهناك آليات كثيرة وضعها فرويد في كتابه وأضاف لها الذين جاؤوا من ورائه آليات أخرى كثيرة كالإسقاط والتسامي والانعكاس.

هرطقات سيجموند فرويد

مشكلة فرويد الأساسية ربما هي محاول ربطه للجنس بأي شيء في الحياة مع أن الغريزة الجنسية لها دور كبير في تفسير سلوكات كثيرة لدى الناس وربما أيضًا في مشاكل نفسية يعانون منها، لكن اعتبار فرويد الحل للوصول إلى النفس غير المريضة هو رفع كل القيود الجنسية أمام الناس عموما والشباب خاصة، لكننا الآن نرى العالم الغربي قد قضى على معظم العوائق الاجتماعية والقانونية والأخلاقية أمام هذه الغريزة ومع ذلك الأمراض النفسية والمشاكل الاجتماعية لازالت موجودة… وهذا ربما يرجع لحياة فرويد نفسه أو لتعميمات تسرّع فيها بدراسة حالات قليلة وتعميمها على كل الناس.

عقدة أوديب: مع أن هذه الفكرة استغلها أدباء ومفكرون كثيرون في تفسيرهم لبعض الأمور الاجتماعية وبعض السلوكات النفسية، وعقدة أوديب جاء بها فرويد من أسطورة قديمة عن ملك يولد له ولد وينبؤه كهنته أنه سيقتل أباه ويتزوج من أمه فيحاول الملك قتلك الولد ويرسله مع حارس فيطلق الحارس سراحه لينجو الولد ويعيش، وفي الأخير يقتل أباه ويتزوج أمه دون أن يعلم هو بذلك، وقد أسقطها فرويد على كل الأولاد مع أبائهم…هي الفكرة كونها مرتبطة بعلاقة الأبن بوالده وعلاقة الجيل الجديد بجيل قديم أو في تحليل علاقة الشعوب والقبائل بزعمائهم ممكن تكون مفيدة أما فرويد حوّلها إلى فيلم إباحي مقرف جدا…

عقدة إلكترا، وهي أيضا جاءت من أسطورة قديمة في علاقة الابنة بأبيها وأنها تحس بعقدة كونها لا تملك قضيبًا مثل الذكور وتعشق أبيها وتنافس أمها في الأمر. فيلم فرويدي إباحي.

ربط فرويد بين تفسير الأحلام والجنس فأي شيء تراه في الحلم وتسأل عنه فرويد سيحوله إلى رموز للأعضاء التناسلية فإن رأيت عمودًا في الحلم أو ناطحة سحاب أو نهرًا سيقول لك فرويد أنها رموز للقضيب الذكري وكذلك إذا حلمت بمغارة أو كهف أو غرفة فيحولها فرويد لرموز للعضو التناسلي الأنثوي، مع أن فرويد كتب كتابًا عن الأحلام وتفسيرها وكان أول كتاب في التاريخ يستخدم طرقًا علمية نوعا ما لتفسيرها بعدما كانت خاصة برجال الدين والمشعوذين وغيرهم إلا أن نظريته في الحلم لم تثبت أمام الدراسات الحديثة حول علم النقس السلوكي والمعرفي.

حتى التوحيد والدين ربطه فرويد بعقدة أوديب في كتابه موسى والتوحيد الذي حاول فيه إنكار يهودية ونبوة موسى من أصلها بفسيرات لا علاقة للعلم بها كلها تخمينات وتأويلات بلا دليل.

هل فرويد مريض نفسي أم عبقري؟

هناك من رأى أن فرويد هو إنسان مريض نفسي تأمل حالته جيدًا وأراد فرض رؤيته مستخدمًا العلم والطب النفسي، وهناك من رآه أديبا وفيلسوفا يبحث عن الظهور والشهرة ومن المعروف أنك إذا خالفت عُرفت، وخاصة إذا كنت عبقريا وحادَّ الذكاء والمواضيع التي تكلم فيها فرويد كلها من مسببات الشهرة السريعة فأشعر الناس في العالم الأن مثلا هم السحرة والمنجمون ومفسرو الأحلام، وفرويد تكلم في الأحلام بطريقة خارقة وأفاض الكلام حول الجنس ودوافعه وكلها أوصلته إلى شهرة عالمية لا مثيل لها. وهناك من يرى أن فرويد عالم وطبيب نفسي عبقري أضاف الكثير للبشرية ولكل عالم هفوات كما كانت لفرويد هفوات.

في الحقيقة هناك أفكار جاء بها فرويد عظيمة جدًا ولا يمكن إنكارها، مثلًا فكرة اللاوعي وأن المخفي في سلوكياتنا وأفكارنا أكبر مما هو ظاهر لنا، فأحيانا تظن نفسك حرًا في بعض تصرفاتك وإذا بك لو تأملت ما قال فرويد تكتشف أنّك تطبق نزعات نفسية مدفونة بداخلك وأنت لا تدري. وفكرة أن ماضيك الغابر وأنت صغير يؤثر فيك إلى الآن، هي أيضًا فكرة رائعة لفرويد لا يمكن إنكارها. وفكرة آليات الدفاع النفسي التي أتى بها فرويد وطوّرها العلماء من بعده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد