ثمّة ظواهر وأمارات تتسم بها الأمة المغلوبة الفاقدة للشخصية، والكينونة، والهوية أمام الأمم الأخرى، وهذه العلامات تتراوح صعودًا وهبوطًا من أمة لثانية حسب طبيعة الانحدار التاريخي، وقوة الصدمة، ودرجة الانبعاث المضاد، والمساحة الزمانية والمكانية للمناورة. ولا يشترط تراكم جميع الأعراض المرضية التالية الذكر لوصف أمة بالاستضعاف أو المغلوبية؛ فقد تطرأ مؤشرات انحدار في أمة معينة لا نجدها في أخرى، إلا أن هنالك بعض الملامح العامة التي تتشارك فيها الكثرة الكاثرة من الأمم في لحظات التراجع، وتساعد في فهم طبيعة سلوكها، وعلاقتها بالسياقات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والحضارية من ناحية، والمسار الحركي الذي يتطور وفقه التاريخ من ناحية أخرى. عمومًا، هذه أبرز العلامات التي تُعرّف بها الأمة المغلوبة:

تقليد الغالب

تبحث الأمة المغلوبة عن تقليد الغالب المنتصر بصفته النموذج والقدوة والنسق الذي ينبغي لها أن تسير في ركابه وتقتفي أثره، بقطع النظر عن الفوارق الاجتماعية، والثقافية، والحضارية، والظروف الموضوعية التي يعيشها كلا الطرفين، ودرجة الانسجام بين الطبائع التي تختلف لا محالة في جوانب، وتلتقي في أخرى. يقول «ابن خلدون»: «إن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره، وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه». (مقدمة ابن خلدون، الفصل الثالث والعشرون). فالجندي في كتيبته مدينٌ بالولاء لقائده، ولا تجوز مغالبته أو التمرد على أوامره، وإلا تعرض للعقوبة والمساءلة. والشعور بالمغلوبية يورث الأمة الاستيلاء، ويحضها على التكاسل، ويضعف قدرتها على الاعتمار، ويفتت عقائدها إلى مذاهب متصارعة وقيم متدافعة، لا أمل منها ولا رجاء.

الشك في المقدس

تبدأ الأمة المغلوبة بالشك بالقيم ومنظومة الأخلاق والمعتقدات المتوارثة، ووضع علامات استفهام حول الكثير من محتوياتها بإنكارها تارة أو اجتزائها وتحويرها تارة أخرى. وقد تتطور أساليب الشك والريبة إلى القدح والطعن في الرموز والأبطال، وإحاطتهم بالكثير من الشبه؛ للنيل منهم، وإظهارهم في مواقف تحط من قدرهم، وتضعف من هيبتهم، مثل: وصف الإمام ابن تيمية بالمتشدد والمتطرف، أو الخليفة العثماني سليمان القانوني بزير نساء، أو الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس بالاحتلال، أو التجرؤ على القرآن الكريم. والشك في المقدس يخلق حالة من الإحباط واللامبالاة، والاستعداد النفسي والعملي لتقبل المزيد من الصدمات، والرغبة في الانتماء لوسط ثقافي آخر؛ للتخلص من مشاعر العار والهزات النفسية المتراكمة.

صناعة الوهم

بفعل الضغط الشديد، وتزاحم النكسات، ينتقل الإنسان من عالمه الحسي إلى عوالم غيبية، ومساحات افتراضية، يغلب عليها طابع التنجيم والتأويل، وقراءة الطوالع، بعد أن أقفل الواقع جميع أبوابه، ولم يعد ثَمّة بصيص أمل في الخلاص والخروج من المأزق. فمثلًا: أن يروي داعية مصري أنه رأى السيسي يسبح في حمام من الدماء، مفسرًا ذلك بقرب مقتله، وسقوط الانقلاب، ثم تنقضي السنون ولا تتحقق الرؤيا؛ فتعم الريبة، ويسري في النفس الكسل، وتفتر الهمة، ويضعف الرجاء بقدوم المنقذ. يشعر أبناء الأمة المغلوبة بأنهم مستعدون لتقبل المزيد من الأوهام، والاستعداد للتعلق بها أكثر فأكثر؛ للهروب من الواقع، ويحثون الخطى للتفتيش عن خرافات متداولة، أو رؤى متناقلة، تعفيهم مشقة العمل، ومطاولة اليأس، والتفكير في المصير.

التعايش مع القهر

لعل من أخطر سمات الأمة المغلوبة قدرة أبنائها على التكيف والتأقلم مع القمع، وتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات، ومحاولة اقتراح الحلول؛ لخلق القناعات والأعذار السلوكية والنفسية والإيمانية بقبول الأمر الواقع، من قبيل الخشية من الفتنة أو البلاء. ويبدأ التعايش مع القهر بإيجاد نظام تعليم داجن، يعمل على قتل الإبداع، ومصادرة شخصية الفرد وتحويله إلى متلقٍ، ثم يكمل الإعلام ما بدأه التعليم. وأخيرًا يعرض دعاة السلاطين بطرف من حديث أو مجتزأ رواية؛ لترسيخ جور الحاكم واعتدائه على أموال وأعراض الرعية دون وجه حق، بذريعة درء الفتنة والمحافظة على الأرواح. وفي أجواء القهر هذه تصبح الأمة كالنعاج تذللًا وخضوعًا، تحسب ألف حساب لبساطير وسياط الجند، ومحارق الأحياء في الساحات، والميادين العامة.

الاستدارة إلى الخلف

تلجأ الأمة المغلوبة للنكوص إلى الماضي، كأحد الحيل الدفاعية للخروج من حالات الصدمة، والشعور بالعجز وعدم القدرة على مجاراة الأحداث. وترى مدرسة التحليل النفسي أن النكوص هو حالة ميكانيكية آلية يرتد فيها الأفراد أو الأمم بالمجمل إلى الأساليب والانفعالات القديمة عند مواجهة الأزمات التي يصعب تحييدها أو إزالتها. فالماضي بالنسبة للأمم الضعيفة هو المخدر أو جرعات التسكين التي تأخذ أبناءها لنسيان هموم الحاضر، والقلق على المستقبل، الذي لا تقوى على مواجهته أو المشاركة في صناعته، دون هيمنة الأمم الأخرى. وبمرور الزمن يتحول النكوص من ظاهرة عرضية قابلة للعلاج إلى حالة مزمنة تشكل خطرًا على كيان الأمة وبقائها. ويرجع الطبيب «يوهانس هوفر» حالات الاضطرابات والأمراض التي يعاني منها بعض الأفراد، إلى شعورهم بالحنين الشديد للوطن أو الماضي (النوستالجيا، الأبابة)، بوصفها حالة متداخلة بين الشوق للماضي الجميل، وتذكر مآثر الأبطال من ناحية، والشعور بالعجز والحسرة من ناحية أخرى. لكن ثَمّة أمم مغلوبة ما تزال ترزح في ظلال الماضي على ركام حضارات بائدة، وذكريات زائلة، وأطلال موتى سكنت قلوبهم منذ أمد بعيد.

حجب الحقيقة

تعيش الأمة المستضعفة غالبًا في جو من الفوضى، وعدم اليقين، وانحباس المعارف عن الجمهور؛ لأن ذلك يساعد على إنتاج مجتمع جاهل يسهل ترويضه وخداعه وحقنه بالشبهات والضلالات. تدرك السلطة السياسية أن سر بقائها مرهون باستمرار حالة التخدير، وطمس الحقائق، وملاحقة جميع المؤسسات والمرجعيات الفكرية التي تعمل على نشر الوعي، والبحث عن الحقيقة، وتشجيع الجماهير على النقد واستشراف المستقبل. لذا تلجأ السلطة السياسية لضخ محتوى دعائي موجه لتزوير الواقع وتشويه الذاكرة، وتشكيل سلوك يضمن بقاء الفرد يرزح تحت عباءة الأقلية، لا يملك سوى المشاهدة والقبول. ويُعد «جوزيف غوبلز» وزير الدعاية الألماني صاحب مقولة «أعطني إعلامًا بلا ضمير، أعطك شعبًا بلا وعي» أشهر من استخدم البروباغندا لكي الوعي وغسل الأدمغة. ويقول الفيلسوف والمفكر الأمريكي «نعوم تشومسكي» في كتابه «السيطرة على الإعلام»: «إن أجهزة الدعاية والاعلام قادرة على تغيير أنظمة، وإبادة شعوب، وإشعال حروب طاحنة عن طريق الترويج لأخبار كاذبة، واختلاق حقائق مضللة». ويؤكد المفكر «عبد الوهاب المسيري» في مقاله الإعلام والإمبراطورية النفسية «أن الإعلام هو أهم آليات الإمبريالية النفسية، وأنجح الوسائل في تفريغ الإنسان، والهيمنة عليه وتصعيد حرارته الجنسية والاستهلاكية بالكذب تارة، واحتواء الحقيقة تارة أخرى». وتعرض رواية «البلاط الأخير» للروائي المصري «ناصر عراق» كيف يتلاعب المال والأمن في الرأي العام لخداع الجماهير. بذلك تكون الدعاية وسيلة تتوارى خلفها الحقيقة لإغراق الجمهور في وحل الرداءة والابتذال.

الفردانية

الانكفاء على الذات هو الملاذ والحصن الذي يلجأ إليه أبناء الأمة التي هزتها النكبات، وتعاقبت عليها العثرات، وخارت قواها في جحيم المستقبل الذي لا تعرف عنه سوى اليأس والضياع. ومع أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه كما قال ابن خلدون، وتسيطر عليه فطرة العيش في جماعة والاستئناس بها، فإن الماهية الإنسانية هذه سرعان ما تتحول إلى حالة من الانسحاب والانكفاء على الذات ورفض الارتباط بالآخر. ولما كان هنالك دولة تمثل «عقل الجماعة» كما قال الفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز»، تعرض هذا الكائن الاجتماعي في كثير من البلدان إلى الاضطهاد والعنف؛ الأمر الذي دفعه للبحث عن فضاءات خاصة، وعوالم صغيرة للحفاظ على خياراته النفسية والسياسية والأيدولوجية في منأى عن التقصي والملاحقة. دعونا نضرب هذا المثل: بعد فشل الربيع العربي انسحب الكثير من الشباب بصفتهم مركز الفعل العام إلى منصات افتراضية خوفًا من الصدام المكلف مع السلطة؛ لإزجاء أوقاتهم في التدوين المتشائم لحقبة تلفها الكآبة والإحباط وفقدان الأمل. وإذا تعاظمت مشاعر الفردية بالقدر الذي نراه الآن في مجتمعاتنا العربية، فإنها لا تبني جيلاً مثقفًا بقدر ما تنشئ أمة ضعيفة مفككة، مستعدة لاحتضان جميع المعتقدات والقيم الوافدة.

الخلاصة، إن فهم ماهية الأمة المستضعفة لا ينفك عن بعض الأعراض المرضية المصاحبة من التقليد، والكفر بتراثها المقدس، واستعدادها الفعلي للتعايش مع القمع والانحياز لكل ما هو سراب. وبالكيفية نفسها لا يمكننا تفسير حالات الانكسار، كذلك بقطع النظر عن قدرة الأمة على تسكين نفسها، ومدى ارتباطها بالماضي وطبيعة الاستدعاء لسرديات الذاكرة أمام زحف الأمم القوية، التي ترفض الارتداد أو التقهقر في النشاط الحضاري إلى مراحل سابقة من النمو والتكوين. وإذا كان المغلوب مولعًا حقًّا بجمع أشتات ومعرفات هويته من الماضي لمناجزة أسباب الشقاء، فإن هذا المنحى ليس الفضاء الآمن للقطيع الضال المنساق وراء ماكينات الإعلام، وإملاءات السلطة الحاكمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة