لم يخجل الإعلام المصري بأن يكون ضدنا في معركة هي أقل ما توصف بأنها معركة بقاء، إما أن تكون معي أو ضدي، ولم يكف عن إثارة بعض الاتهامات في وقت لا يحتمل كتعطشنا للقتل والدم، ولم يعتبر الحراك الثوري ردًا طبيعيًا لحالة الظلم وارتكاب الجرائم الإسرائيلية بحقنا على امتداد عمر القضية، ولم يثر إنسانيته وضميره الرضيع الذي حرق وعائلته على يد المستوطنين أو الفتاة التي أعدمت بلا ذنب، كما لم تحرك عروبته صرخات المرابطات في المسجد الأقصى اللواتي يتعرضن للانتهاكات والاعتقالات في كل حين.

بل هاجم الشباب الفلسطيني بأسوأ الألفاظ والاتهامات، وأبدى إعلاميون ومثقفون اعتراضهم لعمليات الطعن، فرأوا أن “طعن المدني الإسرائيلي” يتنافى مع أخلاقيات الحرب وإنسانيتها فوصفوا “عمليات الطعن والدهس” بالعمل اللا إنساني، ولم يروها مجرد عنف مضاد لعنف الاحتلال الهمجي الذي يمارسه وما زال، وهو ما يشير لقصور فهم عميق وسذاجة مفرطة لديهم، فالعنف الثوري هو الكفيل، وربما يكون الآلية الوحيدة الكفيلة فقط كما يعلمنا التاريخ، لردع جرائم المحتل ونقل الدم لجسد فقير لينعشه بالحياة من جديد.

اعتدنا من هذا الإعلام كثيرًا على شن الحملات الدعائية الرامية للتحريض منذ أحداث 67 على طرد الفدائيين الفلسطينيين من مصر، كما لم يرحمونا في غزة ونحن نرزح تحت نيران الصواريخ وقنابل الفسفور في الحروب الثلاثة، بل حرضوا وأوصدوا بوجه الهاربين من الموت المعابر.

إعلاميون كثر خضعوا لـ “البروباغندا” الإسرائيلية مصدقين ومناصرين، كان أبرزهم الإعلامي المصري إبراهيم عيسى الذي سخر من “انتفاضة القدس” في مقاله، وقال إن “طعن المدنيين الإسرائيليين” لا جدوى منه لأن “سكاكين المطبخ” لن تحرر فلسطين، ويأسف لقتل المستوطنين.

هي ذات السكاكين التي أعلن وزير حرب دولة الاحتلال الإسرائيلي موشيه يعالون أن دولته وحكومته وجيش احتلاله يعجزون عن “تنظيف مطابخ القدس” منها.

 

 

 
وهذا ما يُعطي لمحة عن ضحالة ما يستوعبه هو وأمثاله حول العلاقة بين المُستعمِر والمُستعمَر في إطار العنف الثوري كحل يدرك ضرورته وجدواه المُستعمَر، كما أدركه عبر مئات السنين في أكثر من بقعة مختلفة في العالم. ولا حاجة هنا للتذكير أن صوت عيسى لا يعبر عن الغالبية من الشعب المصري ممن غيب نظام السيسي صوتهم وحظر حراكهم الشبابي، حتى اتجهوا للعالم الافتراضي لأجل أن يوصلوا من خلاله تضامنهم معنا، وقلوبهم وألسنتهم تلهج لنا بآيات الصبر والنصر.

كما لا يعبر عن كل الإعلاميين المصريين فهناك قلة كالمذيع جابر القرموطي على قناة “أون تي في” ظهر وهو يرتدي الكوفية الفلسطينية، وممسكًا بالنبلة (الأداة التي يستخدمها الفلسطينيون لرشق الحجارة)، ليحيي الانتفاضة على طريقته.

ولكن يجب التذكير بأن لجوءنا إلى السكاكين لمقاومة الاحتلال، وبخاصة في القدس، يمثل وصمة عار على جبين الأنظمة العربية التي تنفق الآن مليارات الدولارات على احتفالات الغناء وبناء الأبراج العاتية والمسابقات، وتسليح أجهزتها الأمنية والاستخباراتية واستيراد الطائرات لمواجهة مظاهرة سلمية أو مواطن يطالب في الميادين بالحرية وهو عار الصدر.

ولا لتذكيره بأن الحصار العربي الذي فرضته على الشعب الفلسطيني معاهدات “السلام” التي أبرمتها بلاده وغيرها مع دولة الاحتلال لم يترك لهذا الشعب سوى “السكاكين” كي يقاوم بها، حين تعهدت بحماية حدودها مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضينا المحتلة من تهريب السلاح للمقاومة الفلسطينية، أو أي أشكال المد والدعم لها.

“ثورة السكاكين” التي يسخر منها بعض الإعلاميين المصريين حققت ما لم تحققه المفاوضات الفلسطينية بجهود غربية وعربية مع إسرائيل منذ عقود، وأحيت ما كان ميتًا في قلب كل عربي من مشاعر التعاطف والتضامن مع الشعب الفلسطيني، لتُعيد البوصلة لمكانها الصحيح بعد انعطافها لسنوات من السكوت والاستسلام، لتعود تتصدر حديث الإعلام العربي والغربي.
إلى جانب أنها أثبتت جيدًا وبرهنت بشكل فعلي لكل “إسرائيلي” بأن أرض فلسطين لم تكن ملجأ آمنًا له جعلت “التعايش” العربي اليهودي تحت الاحتلال ليس ممكنًا فإن تقارير إعلام دولة الاحتلال تتحدث عن شلل الأعمال ليس في غربي القدس فقط بل وفي مدن الداخل المختلطة مثل حيفا وعكا ويافا ناهيك عن العمالة العربية الكبيرة في المدن ذات الأغلبية اليهودية كتل أبيب.

فيما حققته ثورة السكاكين من إنجاز نضالي يشهد له القاصي والداني، ويؤكد على تمسك الشعب الفلسطيني بحقهم المسلوب أمام صمت عربي ودولي وخطابات سياسية وإعلامية تندد ببطولات الشباب وتعطي الحق للاحتلال بأن يمعن في قتله وإرهابه، يرفع الفلسطينيون صوتهم بأن “أعيرونا صمتكم” ودعوا السكاكين تتحدث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد