أن تكتب كلمة على ورقة هو أشد خطورة من جريمة قتل هذه الأيام، أن تتحدث بحرية وأن تطرح وجهة نظرك كمخالف لأي فكرة مجتمعية سائدة قد تتعرض لجزاء المسيح «مصلوبًا» على صليب العادات والأسس المجتمعية المعلبة والمعدة مسبقًا لهولاء الزنادقة الجدد.

هنا على أراضي العرب، حين يولد الذكر يعطي صفاته والتي تحدد إن كان سيكون من السادة المتكلمين أو من العبيد الصامتين وهذا كله محدد على أصول ابويك ومجد عائلتك، والأنثى يجب أن تُسعر مسبقًا على كم هي جميلة وكيف تبدو حسن طلعتها ولكن هي ممنوعة من الكلام بعقد مبرم مع الزمن والعادات.

في أحد تعاريفات الإنسان المقهور التي طالعتها قريبًا وهي أن يكون الإنسان بين حدي ما يُعرف بـ «إرهاب الصمت» و«التصميت الإرهابي»، أن يكون عقلك البشري ما هو إلا مكان يتحكم فيه آخر، يضع بداخله ما يريدك أن تقوله وما يريدك أن تصمت عنه.

دائمًا ما يتشكل الكلام في حضرة الصمت، ولكن كيف صار الصمت يقتل الكلمات قبل أن تنطق؟ هو ما فعلته السلطة ببراعة عبر التاريخ، إن قراءة بسيطة حول السلطة ستجد تاريخها هو القليل من الكلام والكثير من الصمت، إن غطاء الضبط الاجتماعي والمعيار الأخلاقي وإعادة تشكيل السلوك ما هو إلا قواعد صارمة حول «الكلمات» وبناء قلاع «الصمت» الحصينة.

إن القمع في ردائه الأخلاقي والاجتماعي دائمًا مربوط بما هو ممنوع، والممنوع مرتبط بالكلمات، والكلمات ملحقة بمعايير الصمت، والصمت يؤدي إلى العدم.

إن موجات الانتحار في الوطن العربي، جاءت نتيجة الإحساس بفقدان القدرة عن التعبير عن الذات، فهنا لا أجد ما أعبر به عن نفسي، هل صمتي حكمة وقضاء!
إن «الصمت» الفارض هيمنته يجرد صاحبه من حضوره الذاتي، يهدم دفاعاته الخارجية عن نفسه، يسهل قتل الصامت معنويًا، عن طريق عزله أكثر عن وسطه المحيط، عن طريق إغراقه بصمت ظلامي يحاربه وحيدًا.

إن «الصامت» مدعي الحكمة لا يحب أن يصمت دائما، هو مجبر أن يصمت، خشية أن ينهار منه بناء الوهم، إن قلعته الرملية ستنهار مع أول موجة فكرية عاصفة ستطيح به خارج «طوطميته» التي اكتسبها عبر الأجيال والتراث المعد مسبقًا.

إن السلطة الدينية والدنيوية عزفت لحنًا رائعًا حول أدبيات الصمت الممدوح دائمًا وجعلت منه قدس الأقداس، لا يشقى من بات فيه أبدًا، وجعلت الكلام حكرًا على فئة من الناس ظنوا أنهم أعرف الناس، بينما جاء تراث «الكلام» مروعًا فيه الجلد والصلب والتمثيل والنفي ها هو ابن المقفع والحلاج  وابن رشد وها هي أدبيات السجون تصرخ بقصص المتكلمين ولم تفرق عاقبة الكلام بين ذكر أو أنثى فمن تكلم قد تجاوز الحد المسموح به فيلقى جزاءه، يلقى «الصمت» في قلوب الناظرين.

مع مرور الأزمان لا يتغير شيء إلا آليات «الصمت» فيأخذ مسميات كثيرة أجددها على الإطلاق تهم «ازدراء الأديان» أو «إفساد الذوق العام» أو «الإساءة إلى شخص ما قد يكون غير موجود من الأساس» المهم أنك تبقى فيما هو مباح لك أن تتحدث عنه، كلام غير صدامي وكلام منتقٍ للمدح أو الشكر، لا مكان للاختلاف هنا.

إن الصمت في معناه الواسع هو انتحار للعقل الإبداعي، كون الانسان لا يتحدث عن فكرة في عقله بالضرورة لا تعني أنها عدمية ولكن بضرورة أنها غائبة والغياب يومًا سيقضي على هذه الفكرة.

كل الأفكار التحررية والخلاقة المعروفة الآن كانت يومًا ما صرخة أطلقها معذب على أيدي جلادي «الصمت»، وأن الأمم يطبع عليها غلاف «التخلف» من إسرافها في مراقبة الكلام خشية الحقيقة، فمن قال إن «تسعة أعشار الحكمة في الصمت» هل كان يعلم أنه أضاع «تسعة أعشار الحقيقة» بحثًا عن حكمته الواهية مبتعدًا عن معنى الحديث النبوي الشريف الذي جاء من أجل أدبيات العبادة وهكذا يُستلب المعنى ويُصوغ لحساب السلطة والحجر على عقول البشر.

إن فتح آفاق جديدة «للعقل» ليفكر ويكتب ويتحدث ويبدع، إن أعطي العقل حق وظيفته وهي التفكير الحر أن يستطيع أن يمرر أي فكرة مهما كانت إلى الجميع، أن يصرخ حين يريد، أن يضحك حين يريد، ألا يفعل حين لا يريد ألا يفعل، أن أخرج العقل من حيز العقل المعياري الذي وضعه مصمم «الصمت»، أن نعلن عودة العقل مع النقد والتحليل من ميتته الكبرى.

أن نعلن عهدًا جديدًا مع أنفسنا ألا نكون جلادين مع ذواتنا ومع الآخرين فيكفي جلادي السلطة فالطريق شاق وطويل لكسر حواجز الصمت المجتمعي الضارب بجذوره في أراضي الاستبداد الشاسعة.

وفي النهاية تكلم كلما أردت فالكلام أحيانًا قد يبدو تافهًا وبلا قيمة وأحيانًا يتمدد إلى أعماقنا كاشفًا لنا نقط قوتنا ونقط ضعفنا، فلا تصمت الآن، فهناك متسع من الوقت في القبور للاستمتاع بالصمت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, الصمت
عرض التعليقات
تحميل المزيد