لم يكن مصري في أرجاء المعمورة يتخيل أن يخرج إعلامي الانقلاب الأول، أحمد موسى، في برنامجه على فضائية خاصة مؤازرة للنظام، ليعلن أن من المسئولين مَنْ هو أكثر ملكية من الملك نفسه، قاصدًا الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف المصري، والملك (لا الرئيس) عبد الفتاح السيسي، بحسب موسى؛ وأصل المُشكلة العميقة التي تُعد من بركات فيروس كورونا النادرة، إذ دفعتْ أذرع الانقلاب الإعلامية والسيادية إلى التخبط والتعارض الكاملين مساء الأحد 19 من أبريل (نيسان) الماضي؛ بداية من المُذيع المُقرب سالف الذكر؛ والذي استشهد بقرار هيئة كبار العلماء بالسعودية المُعلن قبلها بيوم، بإقامة خاصة لصلاة التراويح بالأئمة دون جماعة، والحقيقة أن الهيئة أقرت ذلك بالمسجد النبوي الشريف، لينطلق موسى حتى قبل التأكد من القرار مُناديًا بـ«البعض اقترح تطبيق صلاة التراويح بطريقة السعودية في مصر، وأعتبر هذا الاقتراح وجيهًا»، مُؤكدًا ضرورة: «فتح المساجد للأئمة فقط لإقامة صلاة التراويح (وإذاعتها عبر مُكبرات الصوت) كي يشعر المواطن بالشهر الفضيل».

على الجانب الآخر من استوديو موسى كان على خط الهاتف المُتحدث الإعلامي الرسمي باسم وزارة الأوقاف الذي جرى تعيينه منذ أربعة أشهر فحسب، الدكتور أحمد القاضي الذي استمع لحماسة المُذيع الملاصق لأعلى رأس سُلطوي حتى ليستمر برنامجه المسائي «التوك شو» ضمن قلائل منذ قبل الانقلاب، وتحسب الرجل حين أكد أن كل فكرة: «يقترحها المواطنون ترحب بها الوزارة، ولكن لا بد لها من دراسة، والأمر لا يأتى عبثًا، ولا يأتي دون دراسة»، ثم استدبر الرجل من أمره ما استقبل ليقسم أن السيد وزير الأوقاف يتمنى فتح المساجد اليوم قبل غد، ولكنه يخاف على المواطنين من كورونا.

ولكن السيد الوزير جمعة أخلف ظنون المتحدث الإعلامي باسم وزارته كاملة، فلا هو بالذي يتمنى فتح المساجد اليوم قبل غد، ولا هو بالذي يريد دراسة مجرد فتح مُكبرات الصوت مقصورة على تلاوة الإمام وحده في المساجد الخاصة بالمحروسة؛ ولا حتى بعضها لإشعار عشرات الملايين من المصريين بأنهم في شهر الله الفضيل، وبدلًا من نفي «الدراسة» أراح جمعة عقله مُعلنًا إقالة السيد القاضي مُباشرة، نافيًا بالإقالة جميع ما قاله الرجل وأبرزه حب الوزير لسرعة إعادة فتح المساجد.

لم يشغل الوزير باله بعدم وجود مُتحدث إعلامي باسم وزارته ليُبررَ ليلتها في حلقة برنامج موسى نفسها إقالة المتحدث الإعلامي، إذ أُقيل الرجل بسرعة قصوى، وإذ إنه من الطبيعي حين إقالة متحدث أن يعين آخر، ويبدو أن وجود مُتحدث إعلامي كان يُضايق جمعة من الأساس، وحتى يتبينَ له أن الأمر يستحقُ، أم يصير هو بنفسه ومقربوه بديلين عنه، أو متحدثين باسم أنفسهم؟ تُرِكَ الأمر لرئيس القطاع الديني بالأوقاف، جابر طايع، ليؤكد خطأ القاضي إذ قال «ندرس» في ملف ليس له طرح أو دراسة «من الأساس»، وكأن طايعًا يود القول إنه في أزمنة الانقلابات لا يستطيع أحد أن يفكر، ولو بصورة مشروعة، ولو كان مُتحدثًا باسم وزارة ليبدو وكأنه يريد «لي عنق» الوزير الذي لا يفكر، وإنما يُنفذُ تعليمات أمنية لا أكثر، وفي أمر جلل اعتاده المصريون فور انتشار مكبرات الصوت في المحروسة منذ عشرات السنوات.

إذًا فالسعودية التي تفرض حظرًا كاملًا للتجوال بأبرز أحياء المدينة المنورة، تقر انتشار القرآن الكريم من المسجد النبوي عبر إمام دون جماعة، ومصر التي تعج بالزحام أمام المساجد، ويتفنن أهلها في اليوم التالي لإقالة «مُتحدث ندرس» الأوقافي في شراء الفسيخ والرنجة كمستلزمات شم النسيم، بحسب جريدة المصري اليوم المحسوبة على النظام، لا يُسمح فيها بمجرد إسماع الناس صوت القرآن في رمضان عبر مكبرات الصوت.

صباح الاثنين أعاد جمعة في بيان مُفصل ما سبق أن قاله من خطورة فتح المساجد قبل زوال العلة أو كورونا، مُتلاشيًا الاقتراح من الأساس، ومُتجاهلًا أن الأمر يخص فحسب آئمة المساجد، أو حتى بعضهم كما فعلت تركيا بالسماح لمسجد في أنقرة بإقامة صلاة للجماعة، مع تدابير تمنع انتشار الفيروس في إقامة للجماعة اشترطها بعض الفقهاء في الدول المسلمة وقت الأوبئة وما شابه، كإعلان رمزي عن الشعيرة.

أما السيد طايع فبرر بأنه إن سمحت الأوقاف بإقامة الصلاة بالإمام وحده فقد يقتحم المواطنون المساجد «ليُصلوا»، يقول الرجل المرضي عنه من وزيره مثل هذه المقولة «الطفولية» في دولة تعتقل المُصلين للجماعة فوق أسطح العمارات، (وإن كُنا لا نُقر فعلهم)، ولكننا نُدرك أن الوزير جمعة لا يُحب أن يُتلى القرآن الكريم في مكبرات للصوت في المحروسة من الأساس، ولو كان في شهر واحد في العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إخراس, مساجد
عرض التعليقات
تحميل المزيد