بتلك الكلمة وصف المؤرخون التشيليون آلية سقوط الديكتاتورية العسكرية للجنرال أوغستو بينوشيه الذي بدأ حكمه في عام 1973 بانقلاب عسكري، وانتهى رسميًا في 1990 إلا أن نهايته الفعلية كانت في استفتاء 1988 الذي كتب في الشعب والمعارضة بأسطر من ذهب نهاية الحاكم الديكتاتور في 15 دقيقة.

بينوشيه لم يختلف كثيرًا عن أي حاكم ذوي خلفية عسكرية إلا أنه كان أكثر إبداعًا أن ذاك في آليات القمع، فبعد انقلابه مباشرة الذي دعمته الولايات المتحدة الأمريكية خوفـًا من المد الاشتراكي آن ذاك، ودعمًا لسياساتها جمع بينوشيه كل من اشتبه في كونه معارض ووضعهم في ملاعب كرة القدم وطبق عليهم أنواع التعذيب كافة، لم يسلم حتى المغنيين من بطش الجنرال فجاء مقتل فيكتور جارا في الملعب الوطني إعلانـًا لذلك بسبب غنائه عن الديمقراطية ودعمه للتيار اليساري فكان له قول شهير: أغنيتي من سقّالات العمّال التي ستصل للنجوم، يصبح الغناء منطقيًّا عندما ينبض في عروق الذين سيموتون وهم يغنّون.

لم تكن جرائم بينوشيه مقتصرة على الفترة التي أعقبت مرحلة الانقلاب والملاعب التشيلية التي حولها إلى سلخانات ضمت آلاف المعتقلين ومئات القتلى الذين سقطوا آن ذاك، فقد شهدت سنوات حكمه ظاهرة إخفاء قسري للآلاف من المعارضين وسقوط مئات القتلى وهروب الآلاف لبلاد أخرى خوفـًا على حياتهم، لكن جرائمه بلغت ذروتها حينما أعُدم خوسيه مانويل بارادا، ومانويل غويريرو، وسانتياغو ناتيني من قبل الكارابينيروس “الشرطة العسكرية” وهو ما دفع الجنرال ميندوزا في سنة 1985 بالتزامن مع تصاعد الغضب العمالي والنقابي من قرارات بينوشيه الاقتصادية التي وصفت بالرأسمالية المتوحشة مما دفع الجنرال ميندوزا في سنة 1985 للاستقالة من منصبه.

وللإنصاف ربما تكون سياسة بينوشيه الاقتصادية هي محل الخلاف الوحيد عليه فهو لم يسع لتمكين المؤسسة العسكرية التي جاء منها لكن سياساته في نظر بعضهم زادت الفقراء فقرًا وفي نظر آخرين قللت معدل البطالة وزادت من متوسط الدخل العام للفرد.

عقب استقالة ميندوزا من منصبه أصبح بينوشيه مكشوفـًا أمام الجميع سعى آن ذاك ليبقي في الحكم منفردًا لمدة جديدة، لكن ذلك خالف دستور 1980 الانتقالي وهو ما حكمت به المحكمة العليا هناك لتلغي فكرة بقاء بينوشيه وتجبره على عقد استفتاء لاستمراره في السلطة في تلك اللحظة تستطيع أن تقول إن ثورة ما حدثت في تشيلي.

رغم كل التضييقات التي كانت تمر بها تشيلي آن ذاك والقبضة الأمنية التي فرضتها الحكومة على الشعب وتحديد فترة الـ15 دقيقة المطروحة لعرض وجهة النظر الخاصة بالتصويت في الاستفتاء سواء أكان للداعين لـ”نعم” من مؤيدي الجنرال أم الداعين لـ”لا” لأن تكون بعد منتصف الليل حتى لا يشاهدها أحد، إلا أن المعارضة نجحت في استغلال ذلك بشكل عبقري.

لم تقل المعارضة في حملتها للترويج لـ”لا” أن بينوشيه قتل الآلاف أو أن أمنه اختطف المئات وعذب الآلاف وهجر مثلهم، فقط خاطبت الحملة الحلم الذي يطارده الجميع في أن يكون للمواطن مستقبل أفضل قدمت المعارضة في حملتها الأمل للشعب في حياة أفضل فخلص الاستفتاء إلى انتصار حملة “no” بنتيجة 55% مقابل 43% مما جعل الجنرال أمام أمر واقع أجبره على إجراء انتخابات رئاسية في مهلة 17 شهرًا عقب إعلان النتائج لكن الغريب في الأمر أن الولايات المتحدة التي كانت أحد أكبر داعمي بينوشيه كانت أيضًا في تلك اللحظة أحد أكبر داعمي رحيله.

معضلة نظام بينوشيه هي نفسها معضلة أي نظام عسكري قمعي أنه يتعامل دائمًا بأن مشكلته الوحيدة هي المعارضة وأن وجود معارضة يعني تهديدًا لبقائه في السلطة، ولا يعي أن سياساته دائمًا ما تطال المواطن قبل أن تطال المعارضة، فأي نظام عسكري دائمًا ما يستعين بوسائل الإعلام كألية للحشد ويتناسى أن أي حلم يصدر للمواطن سيسأله المواطن عنه يومًا ما، وأن من يصدق الإعلام مرة لن يصدقه الثانية، وأن من يدعمه ربما ينقلب عليه في أية لحظة.

كما تتناسى النظم العسكري أن الشعوب دائمًا ما تبحث عن حياة أفضل وأن سياسات الأنظمة القمعية العسكرية حتى لو صدرت فكرة الأمن القومي ومهدداته فهذا لا يمنع أبدًا المواطن من البحث عن لقمة العيش والحياة الكريمة كما أنها تتناسى أن السياسات القمعية دائمًا ما تصيب الفقراء، فآلة القمع تبسط يدها على المواطن قبل السياسي وهو ما يجعل كل نظام عسكري هشـًا وقابلاً للانهيار في أية لحظة، مهما كانت ادعاءاته بالقوة والثبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد