الساعة المعلقة في منتصف الحائط الشرقي للمسجد تشير إلى الواحدة قبل حضور الإمام وخطيب جمعتنا، يبدو المسجد شبه خال من جموع المصلين، إلا من بعض كبار السن والأطفال المُتهربين من قيود الملكيات الخاصة، ونيف من الشباب يحمل بعضهم المصاحف بأيد متوضئة ويرتل القرآن ويدخل في فئة الأحياء، وينتشر بعض اللائذين بمكيفات المسجد الباردة من حرارة منتصف النهار بأجسادهم المتناثرة في باحة المسجد، ويتتالى دخول المصلين عبر بوابة المسجد ليكونوا من المبكرين لصلاة الجمعة.

حضر الإمام وتقدم المؤذن ليعلن عن بدء خطبة صلاة الجمعة، الإمام يعتلي المنبر، فظهر خطيبنا المنشود بجلباب ناصع البياض وقد وضع فوق رأسه عمامة بيضاء، وغلف ساعد يده اليمنى بساعة أوميقا سوداء اللون تسر الناظرين، وقبض في يده اليسرى ورقة بيضاء هي بالأحرى محاور خطبة الجمعة في هذا الأسبوع المعتمدة من وزارة الإرشاد، وأقترب من الميكرفون وسعل بصورة رتيبة ليجلو صوته عبر مكبرات الصوت، فشد انتباه المصلين قليلًا وبعضهم لا تزال علامات اللامبالاة واضحة عليه، وقدم لخطبته بصورة راتبة بدأها بحمد الله والثناء عليه  والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم.

بدأ المسجد يمتلئ بالمصلين حتى لم يسعهم المسجد ولم يجد البعض مكانًا إلا ساحة المسجد الخارجية بعد أن قطع الإمام شوطًا من خطبته التي لم أجد لها وصفًا إلا كما ذكر الدكتور عبدالله النفيسي في كتابه الرشيق: الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق: «هنالك مجموعة من الخطباء الذي يعتنون بالشعر أكثر من الفكر وبإبكاء سامعيهم أكثر من تفهيمهم وتوعيتهم»، فتصبح أهم منابر الدعوة الإسلامية أشبه بمنابر الوعظ الكنسي حيث تغالط خطاباتها أبسط بداهات العقل والمنقول من الوحي ويهتم كهانها بالشكليات لا الإشكالات وهي أشبه بالكلام الساكت، لا ينقصها إلا بعض سحابات البخور ينثرها الكهان  حتى تغشي على أعين المصلين كما تغشي تلك الكلمات الفاسدة على عقولهم.

واستمر الخطيب في الحديث عن دعوات الضالين وخوارج العصر والفاسقين والمبتدعين وعملاء الغرب  – وغيرها من التسميات التي أطلقها عليهم – المطالبين بالإصلاحات وبالخروج عن الحاكم وأكد وأستدل على ضلالاتهم بالآيات المغلظة والأحاديث المعنعنة بأن هذا لا يجوز، وقد نسي  أو تناسى أن نفس هذا الحاكم الذي يدافع عنه قد خرج عن ولي أمره – وأسماها  حاكمنا ثورة، سيحتفل بها هو وإمامنا بعد شهر –، وأضحت كلمات هذه الخطبة كتنهيدات لنقل بعض المصلين إلى حالة من السبات العميق بدلا من البعث والصحوة، وبعد أن استغرق بعض المصلين في النوم العميق انتقلت عينا الخطيب الصغيرتين إلى ورقة الإرشاد لينتقل بنا إلى محور آخر، فقد شعر بأن المصلين بدأ صبرهم ينفذ من خطبته المتعملقة زمنيًا المتقزمة فكريًا ومعرفيًا.

وانتقل ليتحدث لنا عن الغلاء الفاحش والجوع والحرب ومشاكل المالية والإسكان والصحة والتعليم – ففرح بعض المصلين واستيقظ نائمهم آملين بأن إمامهم سيقول كلمة الحق أخيرًا ولكنه – وأكد لهم بأن هذا «من عند أنفسكم» وأوصانا في نهاية الخطبة بالصبر والاستغفار واقتداء السلف الصالح وبمحاسبة أنفسنا قبل أن نحاسب ونسي هذا الخطيب أو تناسى أيضًا أن تلك المشاكل إنما سببها فساد ولي أمرنا وسدنة حكمه الذين فاحت روائح نهبهم حتى أزكمت أنوف الشراف، واسودت بها صفحات الجرائد حتى أتاها أمر ربها بالمنع من النشر في هذه القضايا ولم يحاسب هؤلاء أحد بل حتى لم يطالبهم أحد بأن يحاسبوا أنفسهم يبدو أن الخطاب القرآني في هذا العصر أصبح موجهًا للبعض دون الآخر كما بين خطيبنا، وذكرنا في نهاية بطاعة ولي الأمر ولم يبخل على ولي أمرنا في نهاية الخطبة بدعوات بطول العمر والتوفيق والسداد والتمكين.

وعندما انتهت الخطبة وانتقل الميكروفون للمؤذن ليقيم الصلاة، بدأ بعض المصلين الوفود إلى المسجد حاملين سجاداتهم حيث أنهم لن يجدوا لهم مكانًا داخل المسجد بل سيصلون في الساحة ويبدو أنهم سئموا مثل هكذا خطبة لا تخرج من الأفواه حتى لا تُسمع، ومن مما هو معلوم من التجربة بالضرورة أنني سأنتمي إلى هذه الفئة في القريب العاجل إن لم أكن قد انتميت فعلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد