في أحد اللقاءات التليفزيونية سئل أحمد فؤاد نجم عن عدم المشاركة في تخليد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)؛ إذ كان العرف السائد يقتضي الاحتفاء بمن أطاح بنظام فاسد للتو، سواء بكلمات من القلب حقًا أو محاولة لركوب الموجة والتطهر من ذنوب الماضي كما فعل البعض في تلك الفترة.

أشار نجم في إجابته إلى أن الثورة قادمة برجالها، ولد شعراء جدد، كتاب، ومغنون سيحملون أحلام يناير ويسيرون بها.

وكان الحدث الأبرز في حركة الأغاني المصرية خلال العقد الأخير هو إعادة إحياء تراث الشيخ إمام رفيق نضال نجم، بعد توزيع أغانيه بموسيقى حديثة عبر مطربين لهم قاعدة جماهيرية بين أوساط الشباب.

غُنت كلمات نجم وعزفت ألحان إمام في حفلات كبرى بعد أن كانت مقتصرة على حوش قدم وبعض الحفلات المعدودة على الأصابع.

ولا أود هنا رثاء الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في ذكرى تأبين أحدهم، ولن أعيد تناول الماضي كأحداث تسرد سيرتهم الذاتية، لكنها محاولة للبحث عما جعل الأول حنجرة الغلابة والأخير شاعر الشعب.

ترك الثنائي تركة كبيرة من الفن السياسي المرتبط بأحداث بالغة الأهمية تؤرخ لمنعطفات هامة مرت بها مصر واتسعت حتى حلقت خارج الحدود الجغرافية؛ إذ شملت المكون للتعبير عن أفكار جل الشعوب التواقة للحرية.

كان نجم (1929-2013) تكملة لعبد الله النديم (1842-1896) وبيرم التونسي (1893-1961) كشعراء عامية عظام مروا على تاريخ مصر خلال القرنين الأخيرين.

بالطبع هناك شعراء عامية كبار مثل نجيب سرور، وصلاح جاهين، لكن ليس كل من كتب بالعامية يمكن وصفه بشاعر شعبي، ومقياس الحكم غير معني بتصنيفه من حيث الفصحى والعامية فقط.

الثلاثي احتك بشرائح وفئات مختلفة من المجتمع، لكنهم في الأصل خرجوا من الشرائح الأدنى، وبالتركيز على تجربة أحمد فؤاد نجم الشعرية، فقد مثل على وجه الخصوص ثقافة الطبقة المسحوقة أي أغلبية الشعب المصري، وظهر هذا بالتحديد عندما كان لا يسميهم في أبياته، ولم يكن كلامه عن الكادحين هو محور حديثه.

كتب نجم: «لو ألقى خل يبات وفي يصبح مراعي/ لاطوي المداين ع القدم وامشي له ساعي / وافرد قلوعي يا وله واركب شراعي/ أنا وحبيبى في الهوى على هوايا / شوف الحكايه».

بالنظر للأبيات نجد مجموعة من التراكيب والصفات والأفعال حللها المفكر الفلسطيني محمد شاويش للوصول إلى نتيجة ترمي لأن نجم كان تعبيرًا حقيقيًا عن الثقافة السائدة، لغة يتحدثها الشعب، وليست كلمات اقتبسها الشاعر ابن الثقافة المسيطرة أو بمعنى آخر ثقافة النخبة.

فنجده يقول «خل» «أطوي المداين»، «عالقدم»، «أمشي له ساعي» ، «أفرد قلوعي»، «أركب شراعي»، «على هوايا»، وقد أتت المصطلحات من امتزاج لغة الناس العادية وتراثهم الأدبي. وتوظيفها لا شعوريًا لخدمة أشواقه وتوقه لخل وفي.

طبيعة العلاقة مع الناس يمكنها أن تتخذ شكلين للتعبير عنهم، الشكل الأول هو التزام حملته أيديولوجية معينة، كما هو حال المثقف، فليس كل من تحدث عن معاناة الكادحين كدح مثلهم.

والثاني كحال نجم، فقد نبع التزامه من تجربة خاصة، من خلال معايشته التي انصهر بداخلها تجربته الذاتية، واكتسب منها لغة ومفاهيم الحياة مازجًا إياها مع منظور الشيوعيين واليسار المصري للوعي في السبعينات والثمانينات.

لكن عبقريته كشاعر شعبي جاءت من تمسكه بمفرداته فوظفها في لغته الشعرية مع الوعي الذي اكتسبه من قراءته.

رحل الشيخ إمام عن عالمنا في السابع من يونيو (حزيران) عام 1995 عن 77 عامًا، قضى أعوامه الثلاثين الأخيرة فقط في الانتاج الفني، إلا أنه ترك إرثًا وافرًا من الفن السياسي بدأ مع هزيمة 67، واستمرت ألحانه ملازمة للاحتجاجات الطلابية وحركات النضال حتى رحيله في منتصف التسعينات.

لقد عبر إمام عن تاريخ التخبط وغياب الخطة والغاية في حركة اليسار المصري طوال السبعينات والثمانينات؛ فكان رحيل نهاية مؤسفة لجيل كامل لم يملك خطة واضحة وميكروسكوب يكشف عوار الخط المضاد للسطة الحاكمة.

في السبعينات، انطلقت سياسة الانفتاح الاقتصادي، وثورة التصحيح التي كانت الغاية منها فقط تقريبًا العودة بالوطن للخلف، وشطب مكتسبات ثورة 52. تسبب ذلك في تدني الزوق العام، وابتزال الموسيقي والغناء.

إلا أن إمام كان الخط المضاد لانحدار المجتمع؛ فظلت رايته مرفوعة تنتقد بالقصيدة الساخرة غلاء الأسعار، والقمع الوحشي، والقوانين المعادية لحرية المجتمع، والخضوع التام لشروط الإمبريالية بالتعاون مع حارسها الوفي في المنطقة العربية.

بالنسبة لنجم، لم تكن الغاية من كلماته كما عبر الشاعر مسعود شومان هي الطموح المحموم بالخروج عن المألوف والبحث عن صورة شعرية تتجاوز المباشرة، فقد كتب كلمات واضحة وبسيطة لا يمكن بأي حال تأويلها لاستباط معنى ما أخفاه عن ظاهر النص.


«شعر نجم الذي كان الشباب يتغنون به في الميادين؛ هو الشعر الذي خطته الميادين نفسها بيديه، فلم يكن سوى ابن الحارة المصرية التي تفضي إلى شارع يفضي إلى ميدان يلم عشاق الوطن الشجعان» عبد الرحمن طايع.

https://www.youtube.com/watch?v=GQmtcP4AznU

نظرة أحمد فؤاد نجم لطبقات المجتمع ليست بعيدة بأي حال عن أشعاره، ويظهر ذلك في نشيد الثورة الشهير «شيد قصورك»:

«وعرفنا مين سبب جراحنا / وعرفنا روحنا واكتفينا / عمال وفلاحين وطلبة /دقت ساعتنا وابتدينا / نسلك طريق مالوهش راجع / والنصر قرب من عينينا».

ولنجم قصيدة كاملة تفكك طبقات المجتمع، لم يسلم منها حتى المثقف «عديم الممارسة عدو الزحام».

بمرور الوقت ثبت أن أشعار نجم وغناء إمام الثوري الملتزم لن يسقط من التاريخ ولن يفقد قيمته بانقضاء الأحداث التي عبروا عنها.

فومضت مع كل جيل، وحفرت لنفسها مكانًا مختلف، يمثل وجدان الشعب، خرج منه ليخاطبه، وتمسك به ولم تفلت منه قبضته. بالعامية السهلة، التي اتخذت في بعض أحيان لغة جارحة، أقرب لوصفها بقنبلة. يكتب ويغني إمام فيغني الناس.

لقد اختار نجم وإمام بملء إرادتهم الطريق، وبالتالي دفعوا الثمن غاليًا بسنين طويلة في معتقلات السلطة، القضية التي تبنوها هي التغني بمصر وشعبها، التغني بالحرية، الحث على الوقوف في وجه الظلم.

هل نحن أحوج اليوم بفنان مثل إمام وشاعر مثل نجم يلهب بأغانيه الصدور؟ حالة مختلفة تتخطى الفردانية إلى ذات الجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد