كثيرون يطلقون اسم البساطة على الآخرين نظرًا للبيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها من خلال نظرتهم لمفهوم نمط الحياة بعاداته وتقاليده المتوارثة والمكتسبة، ومن خلال عملهم ومكانتهم المادية والعلمية؛ لإثبات ذاتهم بالتكبر والتعالي والفوقية، وأداة للتقليل من شأن الآخرين، وجعلهم يشعرون بالدونية على من سواهم من خلال الفوارق الطبقية، وهم يجهلون تمامًا المعنى الجوهري للبساطة؛ لأن فهمهم الخاطئ عن البساطة تعني لهم السذاجة وضحالة التفكير للأشخاص. ويرون أن البسطاء هم الناس الساذجون الذين لا يفهمون شيئا، أو توصيفها على أشخاص لتنفيذ أغراض شيطانية لاستغلالهم واستعبادهم وظلمهم.

هل في رأيك البساطة في الأكل أو في شكل المائدة؟ تخيل لو كانت أمامك مائدة كبيرة عليها أشهى المأكولات الدسمة والمشروبات اللذيذة، ولكن وضعك الصحي معرض للخطر.. وعليك اختيار مائدة صغيرة واضطررت لتبسيط الوجبات الدسمة؛ حتى تصبح المأكولات خفيفة؛ لتعطيك الشعور بالصحة والسعادة.. لاحظ لقد اخترت البساطة في شكل المائدة؛ لتبعد الخطر عن صحتك!

هل في رأيك البساطة في اختيار السيارة؟ تخيل لو كنت تملك سيارة فارهة الثمن المعروفة بصلابتها وقوتها، ولكنك قائد فاشل، وفقدت السيطرة عليها، حتمًا ستسبب الحوادث! لذلك أصبح عليك اختيار السيارة البسيطة محدودة السرعة، ورخيصة قطع الغيار؛ لتشعر بالسلامة والأمان المادي والجسدي. لاحظ معي البساطة في اختيار سيارتك لتبعد الخطر عن حياتك وحياة الآخرين.

هل تريد أمثلة عن البساطة في اللباس والمسكن وكل جوانب الحياة.. ما رأيك؟ دعنا نقُل إن البساطة هي عكس التعقيد من خلال التبسيط للمشاكل والحلول وطريقة فهم الحياة ومسارها الصحيح، وما نريده في حياتنا، وما رسمه الله لأرواحنا؛ لتنجز مهمتها في إيصال رسالته إلى العالمين، بعد كل ما حدث فيها من فوضى وانهيار لأدنى معايير القيم والأخلاق والعلاقة الإنسانية في الحب والتراحم على حساب الأنانية والمصلحة الفردية الدنيئة الضيقة.

لاحظ فائدة الشمس ونورها وأشعتها على نظام الكون ومخلوقاته، وكم هي بسيطة في الرؤية ومعقدة في التركيب وفائدة فصول السنة وبساطتها في الانتقال! ولكنها في غاية التعقيد من حيث التركيب لتحصل على خيراتها بكل بساطة.

أنت تعلم كم أن الله مطلق في الصفات وغاية في التعقيد، ولا تدركه الظنون، ولا العقول، ولكنه بسيط في الفهم والوصول إليه من خلال شعورك الداخلي، وما يستنبطه عقلك من الظروف والأحداث والتناقضات المحيطة بك لترى طاقة الله وإرادته كيف تتحكم بالأحداث والظروف لتعطيك العبرة بما جرى. إذًا الجاهل هو المتكبر والمتعالي الذي يعجز عن خلق أصغر مخلوق على وجه الأرض والمشتت في حياته، ولا يملك رؤية واضحة لمستقبله؛ لأنه ابتعد عن البساطة، واعتمد على القوالب والظواهر الآنية والمظاهر المزيفة في آلية تفكيره ظنًا منه الطريق الأسهل للوصول لما يريد في تحقيق ذاته في مسيرته.

بينما العالم الراسخ بعلمه الشامخ بمعرفته هو المتواضع كثير التفكير والتدبير؛ لأنه اكتسب المعرفة والحكمة التي جعلته بعيد الأفق في نظرته، ويملك رؤية صائبة لرسم مستقبله المشرق؛ لأنه اعتمد على البساطة في مقاربة الأمور ومنطق الحياة في الصراع على وجودية الإنسان بين كفتي الخير والشر التي جعلته يكسر القوالب الجاهزة والمظاهر المزيفة والبراقة بالتصالح مع الذات والصدق في تعامله مع أفكاره ومشروعاته وطموحاته في الوصول لتحقيق ذاته خلال مسيرته الشخصية في هذه الحياة.

إذًا البساطة هي الحكمة؛ لأن الله أول ما أعطى أنبياءه هو الإلهام والحكمة، فادعوا الله ليرزقكم البساطة لتنالوا الحكمة، وحاولوا التبسيط لجوانب حياتكم لتعيشوا سعداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد